رواية "وحش وسديم" تستحضر فظائع النازيين في مدينة بولندية

الكاتب الفرنسي أوبير حداد يجول على مآسي التاريخ الحديث

الروائي الفرنسي أوبير حداد (دار زولما)

حين تسجّل العنصرية عودةً قوية ومخيفة إلى مجتمعاتنا، كما هو الحال اليوم، تبقى الطريقة الأفضل لمحاربتها هي استحضار واحد من الفصول الماضية الكثيرة التي تحوّل الإنسان فيها إلى وحش يفترس أخاه الإنسان. وهذا ما يفعله الكاتب الفرنسي أوبير حداد (من أصول تونسية جزائرية) في روايته الأخيرة، "وحشٌ وسديم"، التي صدرت عن دار "زولما" الباريسية وتحطّ بنا داخل الكابوس الذي عاشه يهود مدينة لودز البولندية على يد النازيين خلال الحرب العالمية الثانية. رواية صاعقة ومؤثِّرة بالأمثولات الشاملة التي نستخلصها من قصّتها، لكن لا يسع مَن طالع روايات حداد السابقة، خصوصاً رائعته "فلسطين" (2007)، عدم قراءتها أيضاً كتذكير لليهود الذين احتلوا فلسطين، بهذا المعيش المخيف من أجل حثّهم على تغيير سلوكهم تجاه الفلسطينيين الذين يعيشون كابوساً مشابهاً على يدهم منذ عام 1948.

عنوان الرواية المستعار من الفيلسوفين باسكال ونيتشه يلخّص وحده مضمونها عبر تشديده على بربرية الإنسان ما أن يفقد إنسانيته. أما عملية السرد فيها فتتقدّم على خطّين متقاطعَين: الخطّ الأول مشدودٌ نحو الموت المحتم ومكرّس لوصف مأساة جماعية في غيتو اليهود في مدينة لودز. الخط الآخر مشدودٌ نحو إمكانية إعادة تشييد الذات داخل هذه المأساة ومكرّسٌ لتصوير آثارها على بطل الرواية، الفتى المعزول ألتر الذي سيتوجّب عليه إعادة ابتكار كل شيء للبقاء على قيد الحياة. وبرفقة هذا الفتى الذي حُرِم باكراً من كل شيء ــ عائلته، توأمه، منزله وحتى هويته ــ نتعرّف إلى الحياة اليومية المرعبة في الغيتو المذكور ونجول في أرجائه الضيّقة التي بلغت البشرية فيها أقصى حدود همجيّتها.

في البداية، كان ألتر يعيش مع توأمه أرييل محمّلاً بجروح عائلية عميقة سببها الحرب العالمية الأولى التي اختطفت منه والده ودفعت شايينا (أمّه؟ أخته الكبرى؟) إلى الانتقال به وبشقيقه من دارهم في لودز إلى دار خاله في بلدة ميرليك الذي عاد من الحرب المذكورة محطّماً، صموتاً. فترة حياة هنيئة نسبياً، على رغم بؤسها، نتعرّف إلى تفاصيلها في الصفحات الأولى من الرواية وتنتهي مع اقتراب من البلدة وحشٍ من فولاذ يقوده رجالٌ متعطّشون للدم والكراهية لا يلبثوا أن يقتلوا أمام عينيه أرييل وخاله وشايينا، بعد اغتصابها، فيفّر من ميرليك المدمَّرة ويعيش سنوات بوحده في الغابات المحيطة بها، قبل أن يعثر عليه شخصٌ يساعده على بلوغ لودز. لكن ما أن يصلا إلى هذه المدينة التي باتت خاضعة لبطش النازيين، حتى يقع الشخص المذكور في قبضتهم، فيعيش ألتر فترة في مأوى للأطفال اليتامى، ثم يفرّ منه للعيش بوحده مجدداً، مكافحاً للبقاء على قيد الحياة والمحافظة على حرّيته. وخلال تنقّله الثابت من مخبأ إلى آخر، يلتقي بالمعلم آزوي الذي يدير مسرح دمى في الغيتو الذي رمي اليهود فيه، فيحضنه هذا الأخير ويدجّنه ويلقّنه فنّ صناعة الدمى وبثّ الحياة فيها.

ولأنه يتعذّر على أيّ كائن بشري تحمّل الفظائع التي شاهدها ألتر واختبرها قبل وصوله إلى لودز وبعد ذلك، لا يلبث أن يتجرّد من ذاته ويتقمّص شخصية فتى آخر ــ شقيقه التوأم المفقود أرييل ــ لمواجهة كابوس حياته. ازدواجية في الشخصية حاضرة أصلاً في اسمه الذي يعني باللاتينية "الآخر"، وستأخذ شكلاً ملموساً داخل الغيتو، شكل دمية يصنعها ويحييها في عرضٍ مسرحي تحت اسم أرييل...

ومن خلال تجربة هذا الفتى وتجارب باقة من الشخصيات الأخرى، يتمكّن حداد من وصف ما كانت الحياة عليه في غيتو لودز بدقّة مرعبة ومن دون إهمال أي تفصيل، مهما كان كريهاً أو منفّراً، مستعيناً بكتابة قادرة على التنقيب والحفر عميقاً، وبنفسٍ ملحمي شعري يشكّل خير ركيزة ووسيلة لاستحضار مشاهد نرى فيها بشرٌ هبطوا إلى مرتبة الوحوش الكاسِرة، وبشرٌ آخرين تم تحويلهم إلى قطعان من الغنم مرصودين للذبح؛ مشاهد يكثّف الخوف فيها الشكّ والاحتراز، ويقود المرض ــ أي مرض ــ إلى موتٍ محتم، ويصبح العمل الإجباري، قبل الترحيل إلى معسكرات الموت، مرادفاً للعبودية.

سلطة وإبادة

وبالتالي، الوحش الذي يتربّص بنا في هذه الرواية ويبث القشعريرة في أجسادنا بسلوكه هو طبعاً السلطة النازية الغاشمة التي قررت إبادة اليهود واتّبعت ببرودة مخططاً جهنّمياً لبلوغ هدفها، لكنه أيضاً اليهودي شاييم رامكاوسكي، المسؤول عن الغيتو الذي سيُجبر أبناء ملّته، لسدّ عطشه إلى السلطة، على العمل كعبيد للنازيين في المصانع التي سيؤسسها، مقابل إبقائهم على قيد الحياة... حتى إشعارٍ آخر. شخصية كريهة واقعية يطعّم حداد مراراً سرديته بخطاباتها المشينة، ومن بينها خطاب الرابع من سبتمبر 1942 الذي يقول رامكاوسكي فيه لأبناء طائفته: "(...) يجب أن أكشف لكم عن سرٍّ: لقد طالبني النازيون بعشرين ألف ضحية! ثلاثة آلاف في اليوم الواحد على مدى ثمانية أيام... لقد تمكّنتُ من تقليص هذا العدد، لكن لا من تعديل البند الإجباري: أن يتضمّن العدد اليهود الذين هم ما دون العشر سنوات. (...) أمدّ يديّ المرتجفتين إليكم وأرجوكم: سلّموني صغاركم الأعزاء"!

ومع أن الرواية سوداوية إلى أبعد حدّ لكونها مرصودة أولاً لوصف ما لا يوصف، لكن حدّاد لا يهمل فيها العلامات التي تدلّ على قدرة النفس البشرية على المقاومة في قلب الجحيم. هكذا نرى سكّان الغيتو يستمرّون في الحياة على رغم يأسهم والعمل الإجباري الذي يهرسهم ويلتهم معظم وقتهم وطاقتهم، وعمليات القتل المجانية والجماعية التي يتعرّضون يومياً لها. وفي هذا السياق، لا يتردّدون في إعادة تشييد معابدهم في أماكن غير متوقَّعة حين يتم تدميرها، وفي ابتكار مسارح سرّية حين تُلغى عروضهم المسرحية والموسيقية، ويصبح الضحك أو التسلية معهم لوناً ضرورياً لمواجهة العتمة الكالحة التي يقبعون داخلها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهذا تحديداً ما يحوّل نصّ الكاتب إلى نشيد احتفاء بشجاعة الذين تواروا في غيتو لودز وتضحياتهم، إلى سمفونية ساحرة تنقل إلينا على أفضل وجه ملحمة مَن حُرِم من صوته لسرد قصّته داخل عالمٍ أعمى وأصمّ، وبالتالي إلى دعوة للمحافظة على الذاكرة وعدم نسيان ما حصل.

طبعاً الروايات التي كُتِبت عن الغيتوهات ومعسكرات الاعتقال النازية كثيرة، لكن ما يميّز رواية حداد عن هذه النصوص هو موهبته السردية الفريدة وموسيقى لغته التي يتعذّر على أيٍّ كان بلوغ فتنتها إن لم يكن شاعراً مثله. تتميّز الرواية أيضاً بهندستها المبتكَرة وعبقرية الوسائل الأدبية التي لجأ الكاتب إليها لخطّ نصّها، وبمعرفته العميقة سواء بالمرحلة التاريخية التي يقاربها أو بالثقافة اليهودية الإيديشية. وفي حال أضفنا مقابلته الرائعة فيها ظلمات اللامبالاة القاتلة بالجمال المنير للطفولة، وتصويره الباهر لانتصار الحياة على الموت، والفن على الوحشية والسديم، لتبيّنت لنا كل قيمة عمله.

المزيد من ثقافة