تبون "ينفتح" على إعلاميي الجزائر... فك عزلة مؤسسة الرئاسة؟

ينتهج الرئيس "سلوكا حذرا" إزاء وسائل الإعلام آخذا العبرة من قصص "تصفية حسابات" سابقة

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (رويترز)

يبدو أن مؤسسة رئاسة الجمهورية في الجزائر تحاول ترسيخ سياسة انفتاح على وسائل الإعلام بشكل مستقل عن ممارسات سابقة أغلقت فيها أبواب هذه المؤسسة وأدت إلى انعزال الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة، لكن حدود هذه السياسة ومقاصدها ما زالت قيد "المراقبة" من إعلاميين، إن كانت فعلا سياسة انفتاح أم بحثا عن صناعة صورة للرئيس "الملهم"؟

وإلى حد القطيعة، عزل الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة مؤسسة الرئاسة عن وسائل الإعلام في البلاد لدرجة تحييد وكالة الأنباء الجزائرية، وحتى التلفزيون الحكومي عن السياسة الاتصالية. على النقيض تماما، تبدو سياسة عبد المجيد تبون إلى حد الساعة، كل هذا في انتظار كشف مقاصدها بعدما وجهت رئاسة الجمهورية دعوات لأفواج إعلامية تمثل مسؤولي قنوات تلفزيونية وصحف عمومية وخاصة للقاء الرئيس مباشرة على محطات تتم مرة كل شهر.

سياسة حذرة

سياسيا، ينتهج الرئيس عبد المجيد تبون "سلوكا حذرا" إزاء وسائل الإعلام آخذا العبرة من قصص "تصفية حسابات" مارسها النظام الجزائري في محطات تاريخية عبر صفحات صحف وشاشات القنوات. قصص تجعل من الرئيس الثامن للجزائر ساعيا خلف "استلام مهام المعلومة الرسمية" ربما بشكل مؤقت أو دائم، فالرجل أقدم على تعيين وزير مستشار ناطق باسم الرئاسة وكلف فريقا موسعا من صحافيين سابقين في القطاع الخاص والعام تولي هذه المهام بشكل يراعي "انتشار" ما ينعته محيط تبون في "السرية" بـ"وكلاء النظام السابق" في عدد كبير من القطاعات الحساسة بما في ذلك الإعلام نفسه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأنهى تبون فور توليه رسميا مهام المدير العام للتلفزيون الجزائري وكذا وكالة الأنباء الجزائرية، كما أنهى مهام الفريق الإعلامي برئاسة الجمهورية، وهو الموروث عن "الفترة الانتقالية"، فيما اختار الإعلامي عمار بلحيمر في منصب وزير الاتصال، وهو عضو سابق في هيئة الحوار والوساطة التي قادها كريم يونس الصيف الماضي.

يؤكد أستاذ الإعلام بجامعة الجزائر، العيد زغلامي لـ"اندبندت عربية" أنه "وبالدرجة الأولى استقلالية الإعلام إشكالية قائمة وإعادة الاعتبار لقيم الاستقلالية والاحترافية مطلب رئيس، لا بد من إعادة النظر للمقاربة التي سادت قطاع الإعلام الذي كان جزءا من الفساد السياسي والقيمي عموميا، رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون يعلم أنه بحاجة إلى إعلام مهني ونزيه، في مقابل مطالب توفير شروط الممارسة الإعلامية المهنية بما في ذلك قضية الإشهار".

فيما يعتبر الإعلامي المخضرم عمار بن جدة أن "اللقاء المرتقب مع مسؤولي المؤسسات الإعلامية خطوة إيجابية جدا ومبادرة ستسمح لقطاع الإعلام بإيصال صوته مباشرة، أي فتح قناة مباشرة بين الرئاسة والطرف الإعلامي لإيجاد حلول للقطاع الذي يعتبر مهما في مرافقة السلطة والمجتمع لتنفيذ البرنامج المسوق على أساس شعار جمهورية جديدة".

ووجهت رئاسة الجمهورية دعوات لعدد من مسؤولي وسائل الإعلام للقاء يوم الثلاثاء قبل أن تعلن تأجيله إلى يوم الأربعاء 22 يناير (كانون الثاني) بسبب "الزيارة المفاجئة" لوزير الخارجية الفرنسي جون إيف لودريان الثلاثاء إلى الجزائر.

الرئيس وصورة الوزير الأول      

كأنما تبادل رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون الأدوار مع عدد من المسؤولين السامين في الدولة، حيث استلمت رئاسة الجمهورية أكثر من صلاحية في الفترة الأخيرة. ولا يكاد الأمر يبدو عاديا  قياسا لاستمرار فترة الشغور في منصب رئيس الجمهورية لفترة قاربت العشرة أشهر بعد استقالة عبد العزيز بوتفليقة، مقابل استلام مؤسسة الجيش على سبيل المثال للقرار.

أكثر من ذلك يبدو حضور رئيس الجمهورية لافتا إعلاميا إثر "انحصار" دور الوزير الأول أو عودته إلى الوضع الطبيعي في فترة عبد العزيز جراد، ونفس الأمر بالنسبة إلى نائب رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الجنرال سعيد شنقريحة، مقارنة بالدور الذي لعبه رئيس الأركان الراحل، الفريق أحمد قايد صالح، وما ترتب عنه من حضور إعلامي شبه أسبوعي منذ بداية الحراك شهر فبراير (شباط) 2019.

بعيدا عن "الصورة الإعلامية" التي تتشكل حول الرئيس تبون، كان الأخير قد فوض صلاحيات عدة للوزير الأول عبد العزيز جراد سبق وغيبت وفقا لدستور 2008 الذي عدله بوتفليقة وألغى بموجبه منصب رئيس الحكومة وما ترتب عنه من صلاحيات في التعيين في كبرى الوظائف، ما يمهد على الأرجح لأن يتضمن التعديل الدستوري المقبل عودة هذا المنصب إلى سابق عهده بشكل يقلص من صلاحيات رأس السلطة التنفيذية في البلاد (رئيس الجمهورية).

تبون استبق الدستور الجديد

يقول أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر، إسماعيل دبش، إن "الأمر لا يتعلق بتنازل من الرئيس عن بعض صلاحياته، بل يتعلق بتأدية وظيفة رئيس الجمهورية الحقيقية الدستورية، فالرئيس لا ينزل في مجال التعيينات إلى أبسط موظف أو أبسط عامل، فهذه من صلاحيات المؤسسات بمن فيهم الوزير الأول، الرئيس يشرف على التعيينات التي تتعلق بالوزراء مثلا وليس أبسط الإطارات، كل حسب وضعه وحسب مستواه الوظيفي".

ويضيف دبش "الآن لغة عبد العزيز جراد واضحة برغم أنها مختفية إعلاميا إلى حد ما، يريد أن يبرز الإطارات والكفاءات التي يمكن أن تجسد برنامج رئيس الجمهورية ومخططه الحكومي، الرجل تقدم بتصور اقتصادي واجتماعي، ويرى أن هذه التعيينات قد تتكيف مع البرنامج، لذلك هو يكتفي بدور تقني محض في الفترة الراهنة".

ويتوقع إسماعيل دبش أن "كل قطاع له علاقة بتنفيذ البرامج مباشرة سيعينهم الوزير الأول، مثل مديري المؤسسات الاقتصادية والمالية، وحتى ولاة المحافظات على عكس ما كان يحدث سابقا"، أي أن " الوزير الأول يستلم صلاحيات المتابعة وهو يتحمل مسؤولية ما يترتب عن تلك التعيينات".

وينظر لخطوة تبون التخلي عن جزء من الصلاحيات الممنوحة لشخص رئيس الجمهورية وفق دستور 2008 بعد إلغاء منصب رئيس الحكومة على أنها تمهيد فعلي لعودة منصب رئيس الحكومة في التعديل الدستوري المقبل بعد 12 سنة من تسلم الرئيس لصلاحيات "فرعونية وغير محدودة"، ما خلق خللا واضحا بين السلطات الثلاث سيما ما بين السلطة التنفيذية والبرلمان.

المزيد من العالم العربي