بونغ جون هو... أول سينمائي كوري يرشح لجائزة اوسكار الاخراج

ابن السينما التي حاربتها أميركا... والآن ترد لها الاعتبار

عُرف الكوري الجنوبي بونغ جون هو بأفلام ملهمة تحمل بصمات كورية واضحة في أدق تفاصيلها. أعماله (٧ روائية طويلة منذ عام ٢٠٠٠) جابت المهرجانات ونالت الجوائز. إلاّ أنّه لم يذع صيته دولياً، لم تُفرش أمامه السجّادة الحمراء، ولم يحظَ بكلّ هذا الاحتفاء العالمي النقدي والجماهيري، كما حدث بعد إخراجه فيلمه الأحدث، "بارازيت"، الذي نال عنه "السعفة الذهب" في مهرجان كانّ العام الماضي، وبات أول مخرج كوري جنوبي في التاريخ يترشّح لجائزة "أوسكار" أفضل مخرج، مثلما كان المخرج الكوري الجنوبي الأول في اقتناص "السعفة".  

الغزو الثقافي لبونغ جون هو مع هذا الفيلم ترك تأثيراً في السينما الكورية الجنوبية بأكملها، وهي واحدة من أغنى سينمات آسيا، خرّجت أسماء كبيرة مثل إيم كوان تك وبارك تشان ووك ولي تشانغ دونغ. ووصل الافتتان الغربي ببونغ جون هو حداً جعل شبكة "أش بي أو" الأميركية تعرض عليه تحويل الفيلم إلى مسلسل قصير، يخرجه أميركي ولكن تحت إشرافه. 

بدأ بونغ جون هو يخرج الأفلام عندما كان في الـ٢٥ من العمر، وهو اليوم في الخمسين. ربع قرن شهدت السينما الكورية خلاله تحولات كبرى أوصلتها إلى شاشات العالم. بسبب أوضاع السينمائيين المعيشية الصعبة في الستينيات، لم يشجّع والد بونغ جون هو ابنه على امتهان الإخراج، بل قال له: "ستموت من الجوع".  

عاش بونغ جون هو عقدين من حياته تحت نظام عسكري. حتى بعد سقوطه، ظلت المتاعب تطارده، بعدما نوع جديد من الديكتاتورية تأسس في سنوات الألفين. زُجَّ في لائحة سوداء تتضمّن أسماء ١٠ آلاف فنّان. كان هذا في زمن تولي بارك غن هي رئاسة كوريا (٢٠١٣ - ٢٠١٧). وزير الثقافة هو الذي وضع هذه اللائحة، تضمّ كلّ الذين لديهم ميول يسارية. مع ذلك، يقول بونغ جون هو إنه لا ينجز أفلاماً انفعالية تأتي كردّ فعل على سلطة معينة.

لحماية السينما الكورية من "إمبريالية" السينما الأميركية، فرض السينمائيون الكوريون في الثمانينيات نظام كوتا خاص بها، يفرض بموجبه على الصالات الالتزام بعرض عدد معين من الأفلام الكورية أسبوعياً. هذا النظام سرعان ما تحوّل إلى موضوع خلاف عند توقيع اتفاقيات التجارة الحرة بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة.

لسنوات، سعى الكوريون أن يفرضوا أنفسهم على المشهد السينمائي في محاولات متكررة لصد الضغوط الأميركية الممارسة ضدهم. في لقاء مع بونغ جون هو اعتبر المخرج الفرنسي الكبير برتران تافرنييه أن الحرب التي شنّتها أميركا على السينما الكورية ساعدت في ولادة جيل كامل من السينمائيين الكوريين العظماء. وها إن أميركا "تتبنى" الآن أحد أبناء هذه السينما وترد إليه الاعتبار، عبر ترشيحه للـ"أوسكار" و"أمركة" أفكاره، على أمل ألاّ يكون مصيره كمصير الكثير من السينمائيين الذين دهستهم الآلة الهوليوودية، بعدما كانوا قد قدّموا أعمالاً عظيمة في بلدانهم.  

تغيرت الأحوال في كوريا إلى الأفضل. هذه الكوتا أصبحت من الماضي، ولكن بعدما استطاع القائمون على السينما الكورية تمكينها، فباتت الصالات تحتضنها والجمهور يدعمها، إلى أن بلغت حصّتها من السوق المحلي في السنوات الأخيرة، الخمسين في المئة. 

سقطت الديكتاتوريات على أشكالها، وذاع صيت السينما الكورية في العالم بأسره. لكن التحديات الاقتصادية والاجتماعية ما زالت قائمة. "العدو لم يعد له ملامح واضحة" يقول بونغ جون هو، موضحاً انه "وصلنا إلى مرحلة لا نعرف ضد مَن نناضل". وما هو "بارازيت" سوى هذا. فهو يطلق صفّارة الإنذار، مدركاً تماماً أنه لا يزال أمامنا بعض الوقت لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن ينبّه الجميع من حدوث الأسوأ في عالم توسعت فيه الهوة بين الفقير والغني. أغلب الظن أن هذه الاستعارة التي ينطوي عليها الفيلم هي التي جعلت الناس من مختلف الجنسيات والانتماءات السياسية يتماهون مع خطابه. 

فنياً، لا يتوانى "بارازيت" عن تفجير لحظات ضحك وتشويق ومتعة. الفيلم عن عائلة كي تك. أفرادها يعانون من البطالة. في ظلّ أحوالهم الصعبة وظروفهم المتردية، لا يبقى أمامهم سوى متابعة نمط عيش عائلة بارك المجاورة لهم. لكن، أشياء خارجة عن نطاق السيطرة ستحدث تباعاً، عندما يضع ابن كي تك رجله في بيت بارك لإعطاء دروس خصوصية بالإنجليزية. بونغ جون هو يلتقط نبض سيول المعاصرة. يمد "بارازيت" بسمات الفيلم الاجتماعي، ولكن لا يكتفي بهذا. يصوّر صعوبة العيش والصراع الطبقي من دون أي خطاب واضح ومستهلك. هل يقول إن الفقير سيأكل الغني إن جاع؟ إذا كان يمتنع عن قول مثل هذا الكلام، فهو يمتنع عن قوله بالكاد. أياً يكن، الفيلم يمتحن غير مرة أخلاقيات الجمهور قبل الوصول إلى مرحلة الإدانة. 

يقدّم بونغ جون هو تفكيكاً شاملاً للمجتمع الكوري المعاصر، من دون أن ينزلق إلى تنميط الصراع الطبقي، سامحاً بنشوء تطورات متلاحقة يعبر من خلالها من حالات نفسية إلى أخرى.

"بارازيت" يخلط الأنواع ببراعة كبيرة. من الدراما الأسرية إلى الهجاء السياسي فالثريللر والكوميديا السوداء ففيلم الكارثة. لا يحتاج الفيلم إلى أكثر من قفزة في كلّ مرة. يجب القول إن السيناريو يسمح للفيلم بالارتقاء بالمضمون، كونه محبوكاً بشكل مبتكر يشرّع أمام الفيلم أفقاً واسعة. أما المعالجة، فهي دوماً في خدمة المضمون، ولا تتحوّل استعراضاً، بل تساند خطاب المخرج عن الهرمية الاجتماعية.

هناك هاجس حاضر بقوة في سينما بونغ جون هو منذ البدايات، وصل إلى ذروته التعبيرية في "بارازيت": الانقسامات الاجتماعية التي تجد فرصة لتتجسّد عبر ما يُعرف بـ"سينما النوع" ("الجانر"). لكن، كأي فنّان يحترم فنّه، يرفض بونغ جون هو أن تكون سينماه صندوق بريد سياسي. في نظره، يكفي أن ينزل المخرج في أعماق الشخصيات، ليتكلّم عن المجتمع بأكمله. 

 

المزيد من فنون