الجزائريون يراقبون وزير التعليم وخطواته "التغييرية"

أستاذ مادة الرياضيات سابقاً محمد واجعوط يجمع بين "نقيضين"

يتعاطى جزء كبير من الشارع الجزائري بحساسية مفرطة مع مسألة اللغة في قطاع التعليم المدرسي والجامعي (غيتي)

في خضم متابعة أسماء الوزراء الجدد في حكومة عبد العزيز جراد المعينة، قبل أقل من نصف شهر، راقب الجزائريون اسم وزير التعليم الجديد وسيرته وأفكاره وانتماءه الأيديولوجي بحثاً عن "فاتح جديد" في قطاع يثير جدالات في صميم الهوية.

المواطن الذي صوت في انتخابات 12 ديسمبر (كانون الأول) 2019، كان يؤمن في قرارة نفسه أنه ينهي معركة "الطلاق مع فرنسا" أو على الأقل هكذا صُوِّر لفئة كبيرة من بين الـ41 في المئة من الناخبين الجزائريين الذين أدلوا بأصواتهم. لذلك، كان الترقب سيداً في قطاع التعليم الذي طالما وصفته دوائر محافظة بـ "حاضنة الفكر التغريبي".

واختار عبد المجيد تبون أستاذ مادة الرياضيات سابقاً محمد واجعوط وزيراً على القطاع، يجمع بين "نقيضين" كما يُخيّل للعامة. فهو من منطقة بني أورتيلان بمنطقة القبائل وفي الوقت ذاته، تلميذ للشيخ الطاهر أيت علجت، أحد أهم رجال الدين في الجزائر.

ولأن كثيرين من المصوتين في الانتخابات الرئاسية يعتقدون أنهم معنيون أكثر من غيرهم بالإصلاحات على مستوى "مناهج الهوية"، يسود ترقب بينهم لأداء الوزير الجديد على أساس قاعدة واحدة: إلى أي حد سيفصل واجعوط مناهج التربية عن "فرنسا"؟

في المقابل، تدافع نخبة عن فكرة "تحرير القطاع" من جدلية "الأصالة" لصالح مناهج "تقدمية" واكبتها الوزيرة السابقة نورية بن غبريط، إحدى أكثر الوزيرات اللائي حظين بـ "حماية" الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.

مراجعة شاملة

إجماع في قطاع التعليم بأن حصيلة خمس سنوات للوزيرة السابقة كانت "مدمرة" وسلبية على طول الخط. فبقدر ما جمعت بن غبريط خصوماً محافظين حولها، بقدر ما انتقدتها نقابات تدافع عن تحرير القطاع من سلوكيات "رجعية".

ففي فترة ما بعد عام 2012، راجعت الجزائر الكتاب المدرسي بشكل جذري على أساس شراكة "مناهج" مع وزارة التعليم الفرنسية. ومنذ ذلك التاريخ، يسجل القطاع أكبر حركات احتجاجية، بل وأكثر عدد من النقابات المطلبية الناشطة في البلاد. إلّا أنّ واجعوط فضّل أن يبدأ "إصلاحات" في قطاعه بمراجعة شاملة لما يُسمى "كتب الجيل الثاني" مع استعداده التام للشروع في إصلاح جذري للمنظومة التربوية، واعترف بأن المناهج التربوية مكدسة بالأخطاء.

من ضمن الجمعيات الفاعلة في المشهد الجزائري، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي قادت "معارك" طويلة على صفحات الجرائد ضد الوزيرة السابقة، وأحياناً بسبب ما عُرِف بـ "حذف البسملة من الكتب الدراسية" وأحياناً بسبب "منع النقاب" في القطاع أو لـ"جرأة" المناهج في حد ذاتها.

خلاف الجمعية و"تربصها" بأي وافد على رأس قطاع التعليم، جعل رئيسها الشيخ عبد الرزاق قسوم يطرح الموضوع من دون مقدمات في لقاء جمعه بالرئيس تبون في مقر رئاسة الجمهورية الأسبوع الماضي. قسوم قال إنه حدّث الرئيس مباشرة عن قضايا ذات أولوية، وهي "القضايا المتعلقة بالوحدة الوطنية والتلاحم بين الشعب، وأيضاً إعادة النظر في المنظومة التربوية وإعادتها لأصالتها وثقافة مجتمعها".

جبهة في البرلمان

ليست جمعية العلماء المسلمين وحدها من "يضيّق الخناق" على الوزير الجديد، فوجوه من التيار "المحافظ" تطرح بدورها شروطاً لما تسميه "تخليص القطاع من الإرث السابق". في هذا السياق، يعدد النائب البرلماني والنقابي مسعود عمراوي محاور تستدعي المراجعة فوراً، فيقول إن مناهج التعليم "تقزّم التاريخ الوطني والشخصيات الوطنية التاريخية... وترسم خريطة إسرائيل وتحذف خريطة فلسطين من كتب الجغرافيا". كما يذكر أن "الكتاب المدرسي أيديولوجي بحت لفرض سياسة الأمر الواقع، فأي وزير يأتي بعد الوزيرة بن غبريط يجد نفسه عاجزاً عن تغيير مضامين الكتب التي أُنفقت على طباعتها المليارات، والحل اليوم في تشكيل لجنة من الخبراء الجزائريين والمفتشين لتقييم وتقويم ما يُسمى بمناهج الجيل الثاني من جميع النواحي، وفِي أقرب وقت لأن الوضع لا يحتمل التأجيل".

إشكال اللغة

يتعاطى جزء كبير من الشارع الجزائري بحساسية مفرطة مع مسألة اللغة في قطاع التعليم المدرسي والجامعي. ويمكن القول إن هذين القطاعين أمام سجالات مستجدة في المستقبل، سواء ما تعلق بمكانة اللغة الفرنسية، أو إجبارية واختيارية تدريس اللغة الأمازيغية، أو حتى استعمال الدارجة (اللهجة المحلية).

يذكر الكاتب الصحافي حسين لقرع أن الإصلاحات التربوية في فترة بوتفليقة "كانت أيديولوجية تغريبية بحتة، ولا علاقة لها بالجوانب المعرفية والتربوية. فقد فضلت الوزيرة السابقة الاستعانة بخبراء تربويين فرنسيين لإصلاح التعليم في الجزائر، كما اقترحت التدريس باللهجات العامية في السنوات الثلاث الأولى للتعليم الابتدائي، بذريعة أن العربية الفصحى لغة دخيلة، صعبة الفهم، مستعصية على عقول التلاميذ".

ويتابع "ثم بدأت تكيد للتربية الإسلامية وتسعى إلى تخفيف وجودها، فألغتها من امتحانات البكالوريا لدفع التلاميذ إلى إهمالها تماماً. وسعت حتى إلى وضع يدها على المدارس القرآنية وإفراغها من محتواها بتعويم التعليم فيها. كما أصرت على منح الحظوة للغة الفرنسية في شتى مراحل التعليم وإبعاد الإنجليزية عن دائرة منافستها".

وبذكر اللغة الإنجليزية التي كانت في صميم "أحلام" تيارات قاومت فكرة المجلس التأسيسي في فترة الانتقال السياسي قبل انتخاب رئيس للجمهورية الشهر الماضي، أعلن وزير التعليم العالي الجديد ما يشبه "التراجع" عن مشروع تعميم اللغة الإنجليزية التي بدأها الوزير السابق في فترة ما بين أبريل (نيسان) 2019 ويناير (كانون الثاني) 2020.

فقد طرح شمس الدين شيتور، الأحد، فكرة تقول إنه "ليس مهماً اللغة التي يتم بها التدريس في الجامعات، فرنسية أو إنجليزية"، فيما يشبه إعلان نهاية مشروع "تعميم الإنجليزية"، وفق استشارة أجرتها الوزارة العام الماضي وانتهت إلى إعداد مشروع مطول لفكرة "الانتقال إلى الإنجليزية".

اختلاف الطرح بين الوزيرين لا يبدو أيديولوجياً كما يصوره الشارع ويتجادل فيه مراقبون في الأوساط الريفية البسيطة. فهو نتاج عدم إقرار الحكومات المتعاقبة بوجود إشكال أعمق على مستوى الشارع يتعلق بجدلية الهوية، ورفض للإقرار بأن نص الدستور وغالبية قوانين الدولة لم يضعوا حداً لهذه السجالات التي رهنت قطاع التعليم لعقود عدّة.

المزيد من العالم العربي