غالبية المصريين لم يعرفوا أن بلادهم شهدت تعديلا وزاريا منذ شهر

استطلاع صادم يكشف: 24% فقط علموا بالتغيير الحكومي... والتركيز على أثر القرارات لا أسماء الوزراء

القاعدة الشعبية من المصريين باتت تعتبر أسماء المسؤولين شأناً سياسياً داخلياً (أ.ف.ب)

"تعديل إيه؟ وزاري؟ لا ماعرفش"، "طبعاً كان في تعديل، لكن صراحة ليست لدي معلومات عنه"، "لا أعرف شيئاً عن التعديل، ولا أريد أن أعرف"، "هذه سياسات عليا لا شأن لي بها. ما يهمني هو إصلاح أوضاعي المعيشية"، "سمعتُ في الإعلام لكني لم أعد أتذكر الأسماء"، "تعديل؟ طبعاً أعرف. تم تغيير عدد من الوزراء في حكومة شريف إسماعيل بالفعل". "رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أجرى تعديلاً وزارياً في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، شمل خمسة وزراء جدد، وأبرز ما فيه كان عودة وزارة الإعلام".

آلة الزمن
المواطن الأخير الذي أدلى بدلوه حول التعديل الوزاري الأحدث في مصر يمثل 24% من المصريين، في حين يمثّل المواطنون السابقون له، بمن فيهم الذي توقفت آلة الزمن عنده، معتقداً أن شريف إسماعيل ما زال رئيساً لوزراء مصر، الغالبية العظمى المتبقية من الشعب.

ربما تُوحي نقاشات الجماهير الغفيرة في المقاهي والحافلات العامة عن احتمالات قيام الحرب العالمية الثالثة في ضوء التحركات التركية في ليبيا، والتطورات الإيرانية بالعراق، وتصرفات طهران فيما يخص الطائرة الأوكرانية إلى إغراق شعبي مماثل في الشأن المحلي.

وربما تلمح السجالات المصرية العنكبوتية التي تدور رحاها من دون هوادة عن شؤون الكوكب من حرائق أستراليا، أو خصوصيات العائلة المالكة البريطانية من اعتذار دوق ودوقة ساسكس، الأمير هاري وزوجته ميغان ميركل، عن مهامهما الملكية أو ماهية نظام الكيتو الغذائي مقارنة بـ"أتكينز"، إلا أن اهتماماً مماثلاً يجمعهم حين يتعلق الأمر بمن ييسر أمور المستخدمين اليومية، ويتعامل مع ملفاتهم الحيوية.

مدهشة ومبهرة
النتائج المدهشة والمبهرة لاستطلاع الرأي الذي أجراه المركز المصري لبحوث الرأي العام (بصيرة) قبل أيام لقياس مدى معرفة المصري بالتعديل الوزاري الذي أُجري في مصر قبل ما يزيد على ثلاثة أسابيع تشير إلى أن المنطق لا يحكم الأمور دائماً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الجالسون على المقاهي في أحياء القاهرة الكبرى لا يعنيهم التعديل الوزاري بمن رحلوا ومن استمروا ومن اُستقدموا بقدر ما يعنيهم أثر كل أولئك على حياتهم، فإن لم يتيسر الأثر فإن الغالبية تحوِّل دفة الاهتمام إلى أمور أخرى سواء سياسات خارجية أو مباريات كرة محلية أو سجالات حول فساتين الفنانات وفتاوى المشايخ وفضائح المشاهير.

أشهر الوزراء الحاليين الذين ذكر أسماءهم عدد ممن سألتهم "اندبندنت عربية"، هم: شريف إسماعيل (الذي ترك رئاسة الوزراء في صيف عام 2018)، وسحر نصر التي خرجت في التشكيل الوزاري الأخير، وكامل الوزير (الذي عُيّن وزيراً للنقل في مارس "آذار" 2019) بعد وقوع حادث في محطة مصر فبراير (شباط)، وراح ضحيته 20 قتيلاً وما يزيد على 40 مصاباً.

أمَّا محتوى التعديل، أو الغاية منه، أو الموقف من دمج وزارتين هنا أو إعادة وزارة هناك، فهي أمورٌ لا تلقى اهتمام الغالبية أو حتى حب استطلاعهم بغية المعرفة. حتى العادة الأصيلة المُكتسبة حديثاً، ألا وهي الإدلاء بالدلو وإطلاق العنان لبنات الأفكار في كل صغيرة وكبيرة، فقدت قاعدتها الشعبية الأصيلة، ونأى الشعب بنفسه عن الانخراط فيها.

ما يعنيهم فقط
"ينخرط المصريون هذه الآونة فيما يعنيهم فقط". هذه الجملة الحكيمة التي نطق بها صاحب محل الدهانات في سوق "ميدان الجامع" في منطقة "مصر الجديدة" (شرق القاهرة) سيد عرفة، تعبِّر عن توجه عام يميل إلى عدم الخوض، فيما لا يعنيهم مثل من تقلد منصباً وزارياً أو من تركه. "لكن إذا اتخذ وزير ما قراراً أو إجراءً ذا علاقة بأسعار تذاكر مواصلات، أو طرح منتجات غذائية، أو تعديل أنظمة امتحانات، أو فرض ضرائب ورسوم جديدة أو ما شابه فإن الجميع يبحث ويمحص فيها، وليس فيمن اتخذها".

التعديل شأن داخلي
ويبدو أن القاعدة الشعبية العريضة من المصريين باتت تعتبر أسماء المسؤولين شأناً سياسياً داخلياً يخص أهل السياسة والمناصب الرفيعة ولا شأن لهم بها. البعضُ يتحدّث عن تغييرات كثيرة تدفع المنشغلين بمشكلات الحياة اليومية إلى العجز عن تذكر كل الأسماء.

فريق آخر يشير إلى عدم وضوح أسباب قدوم هذا ورحيل هذه، ومن ثم لا داعي لإهدار الوقت في تتبع القادمين والمغادرين.

 

قيمة نتيجة استطلاع "بصيرة" تكمنُ في توثيق توجهات الشارع، وقراءة ما تعنيه، وإذا كانت غالبية من استطلعت آراؤهم قالوا إمّا إنهم لا يعرفون أن مصر شهدت تعديلاً، أو ذكروا تعديلاً سابقاً، فإن وجود كتلة كبيرة من المواطنين لا تعرف من الأصل أن تعديلاً جرى يعني الكثير. نحو 24% فقط قالوا إنهم يعرفون أن تعديلاً وزارياً حدث، و68% قالوا إنهم لا يعرفون متى حدث أحدث تعديل، وقال ثمانية في المئة إنهم لم يعرفوا أن تعديلاً جرى من الأصل.

فقدت بريقها
التعديلات الوزارية التي كانت حتى سنوات قليلة مضت حديث القاصي والداني، وموضع تكهنات وتقييمات وتوقعات الملايين فقدت بريقها وجمهورها الباحث عن إثارتها.

وتُلقي نتائج الاستطلاع ضوءاً إضافياً على الأقلية المُحتفظة بعنصر الإثارة فيما يختص بالتعديلات في مقابل الأغلبية التي انطفأ وميض السياسة والسياسيين في حياتها، فالذكور ما زالوا أكثر دراية ومتابعة للشأن العام، كما أن الأكبر سناً هم الأكثر معرفة بما يجري حولهم من أحداث سياسية داخلية، إذ انخفضت نسبة الشباب بين القلة العارفة بأمر التعديل في مقابل زيادة نسبة الأكبر سناً، لا سيما من تعدت أعمارهم الـ50 عاماً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشعر البعض أن مثل هذه المؤشرات تدل على عودة سمات المشهد المجتمعي في مصر قبل أحداث يناير (كانون الثاني) 2011، حين كان الأكبر سناً هم الأكثر حرصاً على الإلمام بما يجري حولهم مقارنة بالشباب.

وتغيرت هذه السمة مع أحداث عام 2011، وهيمنة الشباب على المشهد السياسي بين مُحرِك ومُنَظِر وموزّع لصكوك المعرفة والوطنية، وهو ما أدّى إلى تقهقر الكبار بعيداً عن الساحة.

تفاؤل بالتعديل
عودة الكبار إلى صدارة المعرفة صاحبها كذلك معاودة تأكيد أن الحاصلين على قدر أكبر من التعليم أكثر حرصاً على متابعة الشأن العام، وحسب النتائج، فإن 51% من علموا بأمر التعديل حاصلون على تعليم جامعي أو أعلى.

الطريف والمثير والغريب أن أكثر من نصف المستطلعة آراؤهم، سواء ممن علموا أمر التعديل أو لم يعلموا اتفقوا على التفاؤل بالتعديل، وأنه سيؤدي حتماً إلى تحسّن الأوضاع الاقتصادية.

كما تمكّن التفاؤل من سد الفجوة بين الجنسين، إذ جمع التفاؤل بينهما، ورغم أن 9% فقط قالوا إنهم غير متفائلين، إلا أن 29% قالوا إنهم لا يعرفون إن كان التغيير سينعكس إيجاباً على معيشتهم أم سلباً أم لن ينعكس من الأصل.

ولأن الأصل في تكوين الرأي يرتكز على معرفة عوامل الاختيار وأسباب الإبعاد ومقومات النجاح ومعايير القياس، فإنه يمكن فهم النتائج الملتبسة لهذا الاستطلاع الذي يكشف كثيراً من الضبابية في فهم ما يجري لغياب المعلومات، والقليل من التكهن بحكم الطبيعة البشرية التي تميل إلى الاستقراء، مع كم مطمئن من التفاؤل الذي يُسهم في استمرار الحياة.

بين الأمس واليوم
الطريف أن موقف المصريين من الحكومة والوزراء في عام 2013 اتسم بالضبابية نفسها، إذ قال نحو 50% إنهم يعتقدون أن تعديلاً وزارياً شاملاً يشمل رئيس الوزراء السابق نفسه هشام قنديل شيء جيد، وقال 24% إنه يكفي تغيير بعض الوزراء، في حين تمسّك 6% بالتشكيل الوزاري كما هو.

وفي عام 2016، وبعد ستة أشهر من تعيين شريف إسماعيل رئيساً للوزراء، قال 17% إن أداءه جيد، و23% قالوا إن أداءه متوسط، و12% قالوا إن إداءه سيئ، في حين قال 48% إنهم "لا يعرفون"، أي أنهم غير قادرين على تقييم الأداء.

وفي العام التالي، وتقييماً لأداء حكومة شريف إسماعيل أيضاً، ظهر كم أكبر من الضبابية على الساحة، فقال 25% إن الأداء متوسط، و22% جيد، و17% قيموه بـ"السيئ"، وظلت كتلة صلبة غير قادرة على تحديد موقفها، حيث قال 35% إنهم "لا يعرفون".

النأي عن السياسة
ومن عدم معرفة تقييم الأداء إلى عدم المعرفة بحدوث التعديل من الأصل تمضي الحياة قدماً، ويمضي معها المصريون منظّرين في شؤون "الحرب العالمية الثالثة" التي ظنوا أنها ربما تدق الأبواب، ومحللين للحرائق التي نشبت في أستراليا، ومنغمسين في المباريات المحلية ومعها الدوري الإسباني وكذلك الإنجليزي، مع قليل من الحديث على فساتين الفنانات وأغاني المهرجانات والقيل والقال على الشخصيات العامة، مفضلين النأي بأنفسهم بعيداً عن السياسة لحين إشعار آخر، وفي أقوال أخرى يسمونه انسحاباً اختيارياً.

 

يشار إلى أن الغالبية المطلقة من استطلاعات الرأي وقياساته في مصر على مر العصور ورغم اختلاف الجهات والمؤسسات التي تجريها، خلصت إلى أن الأحوال الاقتصادية تأتي دائماً على رأس أولويات اهتمام المواطن.

وفي أوقات الاستقرار يأتي التعليم أو الصحة أو الديموقراطية في المكانة الثانية، وفي أوقات البلبلة يأتي الأمن والأمان في المكانة الثانية.

حتى في اللحظات الاستثنائية، لا سيما في مطلع عام 2011، تلخص ثالوث المطالب في "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، أي أن مطلبين من الثلاثة كان اقتصادياً.