الروائي المستعاد وانغ شياوبو... كافكا الصيني مع نزعة فلسفية ورغائبية

"العصر الذهبي" أول رواية له بالعربية... رائد الحداثة السردية غاب شابا

الروائي الصيني الراحل وانغ شياوبو (يوتيوب)

تشهد حركة الترجمة من اللغة الصينية إلى العربية حالاً من الازدهار لم تشهدها سابقاً، وتتولى هذه الترجمة من الصينية مباشرة كوكبة من المترجمين الشباب الذين درسوا اللغة الصينية في الجامعات والمراكز اللغوية، برصانة ومنهجية، وانطلقوا في مهمتهم لينجزوا ترجمات مهمة، عدداً ونوعاً. وبدا واضحاً أن الدولة الصينية نفسها أولت الترجمة إلى العربية كبير اهتمام، ولم تتوان عن دعم المترجمين والدور العربية التي تتولى النشر. ويمكن الآن الكلام عن مكتبة صينية بالعربية بدأت تتكون وتضم أعمالاً متعددة الحقول، رواية وشعراً وعلم اجتماع وتاريخاً وتراثاً وعلوماً تطبيقية. وتبرز راهناً أسماء عدة من المترجمين العرب عن الصينية ومنها على سبيل المثل: أحمد السعيد، محسن فرجاني، رشا كمال، يارا المصري، يحيى مختار، أحمد ظريف، علي ثابت وسواهم.

هذه المقدمة المختصرة ليست سوى مدخل إلى قراءة أول رواية تترجم إلى العربية لأحد الروائيين الصينيين المعاصرين الكبار وهو وانغ شياوبو، أما الرواية فهي "العصر الذهبي" الصادرة حديثاً عن منشورات المتوسط، أنجز ترجمتها علي ثابت وراجعها وقدم لها أحمد السعيد (منشورات المتوسط). تمثل الرواية الجزء الأول من ثلاثية تضم "العصر الفضي" و"العصر البرونزي"، وترجمت إلى لغات شتى ونالت جائزة "يونايتد ديلي نيوز" عام 1991. ولا يزال شياوبو بعد رحيله عام 1997، الروائي الأكثر قراءة والأكثر إثارة للسجال، لا سيما في أوساط الشباب والطلبة، وأعماله تشهد رواجاً دائماً ويعاد طبعها عاماً تلو عام.

إنها المرة الأولى يتعرف القراء العرب إلى هذا الكاتب الذي يمثل ظاهرة فريدة في الحركة الأدبية الصينية الحديثة، شخصاً ومساراً سياسياً وأدباً. ومع أن حياته كانت قصيرة ولم تتخط خمسة وأربعين عاماً فهو تمكن من تأسيس عالم روائي متفرد بمصادره السردية وشخصياته ووقائعه وتقيناته ولغاته المختلفة التي تفرضها المناخات الروائية. وقد لا يكون مستغرباً أن يسمى وانغ شياوبو "كافكا" الصين أو مزيجاً صينياً بين كافكا وجيمس جويس مضافاً إليهما دوستويفسكي وشكسبير وبعض الفلاسفة (يقول البطل في الرواية في سياق الحديث عن "الكوجيتو": "لماذا لا أكون ديكارت")، عطفاً على ميل إروسي أو إباحي معلن، عميق وإنساني. وهذا ما يتبدى فعلاً في روايته "العصر الذهبي" شبه الملحمية التي يتوزع السرد فيها بين أنا الراوي (أو البطل وانغ أر) والكاتب المضمر الذي يروي عنه في فصول عدة. والرواية هذه التي لا تخلو بتاتاً من ملامح السيرة الذاتية وتقنياتها، وتتوزع روايات عدة منفصلة ومتصلة في آن واحد، بل منفصلة ظاهراً وملتحمة باطناً بشخصياتها ووقائعها ومواقفها أو رؤاها. فاسم البطل الثابت في معظم أعماله "وانغ أر"، إنما أراده الكاتب وانغ شياوبو قريناً له، فالبطل يحمل الاسم الذي يحمله الكاتب "وانغ"، لكنه شاء أن يبدل اسم العائلة قصداً، ليكون "أر"، التي تعني بالصينية الرقم "اثنين"، مثلما تعني في اللغة الدارجة وبحسب أهل بكين، الشخص الأبله الذي لا يحسن التصرف. يكتب وانغ شياوبو لنفسه عن نفسه، كما قال في أحد مقالاته، والخلفيات الزمنية والمكانية لأعماله تتشابه كثيراً، فهي تدور في الحقبة الممتدة من تأسيس دولة الصين الحديثة في أوائل الخمسينيات حتى حقبة السبعينيات.

رواية بروايات

"العصر الذهبي" رواية شبه ملحمية (500 صفحة) تتوزع إلى ثلاث روايات وليس إلى ثلاثة فصول فقط وهي بالتتالي: "ما بعد الثلاثين"، "الحب في زمن الثورة" (هي الأطول وتذكر قصداً برواية ماركيز "الحب في زمن الكوليرا")، و"عالمي المنير عالمي المظلم"، إضافة إلى مقدمة سردية يستهلها الراوي – البطل قائلاً: "كان عمري واحداً وعشرين عاماً حينما التحقت بإحدى فرق الانتاج في مقاطعة يونان. وكانت تشن تشينغ يانغ التي تعمل طبيبة في مكان إقامة الفريق نفسه تبلغ ستاً وعشرين عاماً". ثم يسرد الراوي علاقته الغريبة والشبقية بهذه الطبيبة التي تسأله إن كانت "امرأة فاحشة" و"خاطفة للرجال" كما يشاع عنها. يقول الباحث في الأدب الصيني أحمد السعيد في تقديمه الرصين للترجمة العربية والذي بدا ضرورة للقارئ العربي، أن هذه الرواية كتبت في أزمنة مختلفة، لكنّ محورها وقضيتها واحدة، وهي مثال واضح على خصائص وانغ شياوبو الأدبية. وفعلاً البطل واحد (وانغ أر)، يُجَرّ في "العصر الذهبي" إلى معسكر للجيش خلال الثورة الثقافية، فيتورَّط أو يُورِّط نفسه بأمور شتى: حب وهرب واعتقال وتحقيقات وثورة داخلية وخارجية. وهنا تتبدى أهمية الجنس في سياق هذه الحياة الصاخبة حتى ليصبح المحور الرئيس في السَّرْد داخل "العصر الذهبي". وينقل السعيد عن وانغ شياوبو ما قاله بنفسه في أحد لقاءاته الصحافية النادرة حول موقع الجنس في أعماله: "في هذا العمل، ثمة العديد من المواضع التي تتحدث عن الجنس، وهذا النوع من الكتابة ليس من السهل نَقْده بقوة فحسب، بل أيضاً يشوبه الشك في كونه فناً هابطاً ورخيصاً. والآن لا أستطيع أن أحدد بدقة لماذا كتبتُ حينها بهذا الشكل، لكنني على يقين أن الهدف لم يكن إثارة النقد أو التصنيف كفنٍّ هابط، بل كنتُ فقط أسترجع وأستعرض ماضي الصين خلال تلك الحقبة - يقصد الثورة الثقافية -، فكما نعلم كانت الصين في حقبَتَي الستينيات والسبعينيات في عصر "لا جنسي"، وفي عصر غير جنسي، يصبح الجنس هو الموضوع الرئيس للحياة، يقول الصينيون القدماء "للمرء شهوتان: طعام وجماع"، إذاً، فالتفكير في هاتين الشهوتين طبيعة بشرية خالصة وأصيلة، وإذا لم تنلْ وَطَرَكَ من هذه الشهوة ستتحول إلى عقبة إنسانية تمنع التقدم للفرد والنوع. فالجنس في جوهره هو التفاعل بين رجل وامرأة على أساس الغريزة الإنسانية، وهو يمنح الناس متعة روحية وجسدية قوية، ومنها ينتج التناغم الحضاري بين البشر، ولهذا أردتُ أن أقول، دعونا نخلق حياة وتنمية ناضجة وسليمة، ركيزتها التناغم بين البشر بنوعَيْهما، فالجنس هو الرمز والإنسان هو المقصد".

يعيش البطل وانغ أر في الروايات الثلاث مغامرات وتجارب رهيبة. في "ما بعد الثلاثين" يتقدم الزمان عشرين عاماً، فإذا هو أستاذ جامعي متمرد ومعترض على الراديكالية الصينية، يدعو إلى الليبرالية، لكنه واقع تحت قبضة زوجته المتسلطة، وغارق في مشاكل صديقه الأبله، وحالم بالجنس الشبقي مع صديقته القديمة. أما الرواية الثانية "الحب في زمن الثورة" فيقول الكاتب داخل النص إنه استعار اسمها من رائعة ماركيز "الحب في زمن الكوليرا"، ساعياً إلى التشبيه بين أميركا اللاتينية المصابة بالكوليرا، والصين المصابة بمرض الثورة. في هذه الرواية يطل وانغ أر عاملاً في مصنع صغير ويبدو منبوذاً من المؤسسة والمجتمع، ويشترك في المواجهات الثورية مع الحرس الأحمر، من أجل حماية مدينته. يعيش وانغ أر مغامرات عاطفية وجنسية مع ثلاث نساء، تدل كل واحدة منهنّ على جانب من الثورة ودور "المؤسسة" - أي مؤسسة - في تقويض العقول. في الرواية الأخيرة "عالمي المنير، عالمي المظلم"، يبدو وانغ مصاباً بعجز جنسي جراء صدماته النفسية السابقة، فتظهر له امرأة تكون له معيناً في التغلب على عجزه، لكنها تتحول، في الختام، إلى كابوس لا يقل بشاعة عن الكوابيس السابقة. لكن المنظومة الثلاثية المتمثلة في "الثورة والجنس والإنسان" تظل مسيطرة على المشهد الروائي بكليته. هذه المقولات تمثل فعلاً القاعدة التي يرتكز إليها إبداع وانغ شياوبو وينطلق منها نحو آفاق رحبة.

سيرة مختصرة

يرى أحمد السعيد أن القارئ إذا رأى صورة وانغ شياوبو، يحسبه صعلوكاً يتسكّع أو سكيراً في أزقة بكين. لكنه عندما يطالع ما يكتبه، "تنمحي تلك الصورة، ويحل بدلاً منها شكلٌ متخيَّل لشيطان بأجنحة ملائكية". ويصفه قائلاً: "صعلوك يقطر حكمة، وهائم يُحوِّل الغريزة إلى بلاغة، يكتب عن الجنس، فيُجبركَ على التفكر في السياسة. يكتب عن الحب، فتفكر في مغزى الحياة وتناقضاتها. يسرد قصصاً عن حياته، فلا تعرف إن كان تقمّص ماركيز في واقعيته السحرِية أم تلبّسه برنارد شو في سخريته اللاذعة. قيل عنه في الصين: "سحق وانغ شياوبو كل مَنْ كتب عن الجنس قبله، وأغلق الطرق على مَنْ سيأتي بعده".

وفي سيرة مختصرة له، ولد وانغ شياوبو في بكين عام 1952، وهو العام نفسه الذي اتُّهم فيه والده الثوري الشيوعي الذي عمل في فيلق الجيش الصيني طوال عمره بتهمة "الطبقية ومعاداة الاشتراكية"، فتكدّرت الأحوال، ولكنْ، تغيّرت الظروف للأفضل قليلاً بعد خمس سنوات حينما قابل والده، ضمن وفد من الشيوعيين، زعيمَ الصين ماو تسي دونغ، وانتظم الطفل شياوبو في دراسته الابتدائية. ولكن، لم يمض عام حتى قامت حركة "القفزة العظيمة إلى الأمام"، التي لا تخلو كتاباته من الإشارة إليها، وصولاً إلى عام 1968، وهو في الصف الأول في المرحلة الثانوية، فاندلعت "الثورة الثقافية الكبرى"، وكُلّف بالعمل في فيلق الجيش الصيني في مقاطعة يونان الحدودية، وهو مسرح أحداث معظم أعماله الأدبية، ومنها "العصر الذهبي"، وأيضاً كان مسرح أحداث أولى إبداعاته القصصية التي نُشرت عام 1980 بعنوان "صداقة وطيدة". وفي عام 1971، انتقل إلى معسكر آخر في مسقط رأس أُمّه في مقاطعة شاندونغ، ليعمل مدرساً في بعثة محو الأمية في الخدمة المدنية. وبانتهاء الثورة الثقافية وفَتْح باب القبول للتقدم للجامعة، قبل وانغ الذي انقطع عن التعليم 12 عاماً، في جامعة "الشعب الصينية" وهو في السادسة والعشرين. درس الإدارة حتى عام 1984، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأميركية مع زوجته لي ينخه، والتحق بمركز الدراسات والبحوث الآسيوية، وحصل على درجة الماجستير، ثم تجول في أنحاء أميركا فترة، وعاد إلى الصين، ليعمل مدرساً في جامعة "الشعب"، ثم في جامعة بكين، كمحاضر عن مادة المحاسبة، ثم استقال من العمل الأكاديمي في عيد ميلاده الأربعين، وتفرغ للكتابة. ولكنْ، ما هي إلا خمس سنوات من التفرغ الذي تمنّاه حتى جاء يوم الحادي عشر من أبريل (نيسان) 1997، فتعرض لنكسة صحية وتوقف قلبه فجأة، ليفارق الحياة وهو في أوج عطائه الأدبي وذروة نضج إبداعه. وقبل حلول عيد ميلاده الخامس والأربعين. وفي شهر رحيله حصل فيلم "قصر الشرق وقصر الغرب"، وهو الوحيد الذي كتب له السيناريو، على جائزة أفضل سيناريو في مهرجان الأرجنتين السينمائي الدولي، وشارك الفيلم في مهرجان "كان السينمائي" في العام نفسه.

وفي خلاصة بحث أحمد سعيد أن وانغ شياوبو لا يمكن أن يضم كأديب، إلى أي تيار أدبي في العصر الحديث، فهو بعض من كل، وجزء متفرّد، يأخذ من التيارات كلها من دون أن ينتمي إليها. يحدث القارئ عن التاريخ، فيشعر أنه يمثل تيار البحث عن الجذور، ينتقل إلى مرحلة ما بعد الثورة الثقافية، وما فعلتْه في الصين، فيحسبه القارئ عضواً في حركة الأدب الثوري الصينية الحديثة التي تكتب أدب الألم والمعاناة. يجعل شخصياته تنطق باقتباسات من ماركيز وكافكا وشكسبير، فتبدو كأنها تميل إلى تيار الحداثة وتغريب الأدب الصيني. وفي الحقيقة، يقول سعيد، "هو ذلك كله، ويزيد عليه أنه صعلوك متفلسف، مفكّر جاد يتحدث عارياً، ليكون هو ذاته قرباناً للفكر. الحكمة هي محور انطلاقه السردي والأدبي، لكنه يركز على الحكمة التي تأتي بالمعرفة والواقعية، وكأنه ينسج واقعاً موازياً، ليجعل المتلقي يفكر في واقعه الحقيقي".

أما المترجم المصري علي ثابت، المتخصّص في اللغة الصينية، والذي يقيم في مدينة بكين، فامضى عامين كاملين يعمل على نقل النص بأمانة ودقة، ساعياً إلى الحفاظ على روح وانغ شياوبو الفوضوية والفلسفية، وأرفق ترجمته بهوامش لا بد منها كي يتمكن القارئ من الإلمام بوقائع الرواية وأزمنتها والأمكنة.

المزيد من ثقافة