Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تضمن ثورة بوتين بقاءه في السلطة مدى الحياة

يُغير وجه كثير من الأمور في روسيا كي يبقى شيء واحد على حاله

فلادمير بوتين وديمتري ميدفيديف في لقاء حكومي قبل تنحية الأخير (رويترز)

عندما يتعلق الأمر بالسياسة الداخلية لروسيا، يمكن العثور ربما على يومٍ واحد خلال الأعوام العشرة الماضية، يضاهي في دراميته التطورات التي حدثت يوم أمس. كان ذلك التاريخ هو السادس والعشرين من سبتمبر (أيلول) من العام 2011، عندما أعلن ديمتري ميدفيديف تنحّيه عن منصبه كي يعود فلاديمير بوتين إلى الرئاسة.

وقد حاول مساعدون أن يحملوا بميدفيديف إلى البقاء في منصبه، ويقال إن بوتين شعر بالقلق من أن شريكه قد يخوض الانتخابات للمرّة الثانية. لكن ميدفيدف اختار الوقوف في صف الولاء، واستبدل وظيفته بوظيفة رئيس الوزراء آنذاك، أما الباقي فقد أصبح من التاريخ. 

واكتشف ديميتري ميدفيديف يوم الأربعاء الفائت أن السياسة ليست لعبة عاطفية ولا سيما سياسة التربّص غير المعلنة التي يمارسها الكرملين، بحيث أُهمل دوره بشكل غير رسمي سواء على مستوى صنع القرار أو في ما يتعلّق بمنصب لم يكن موجوداً أصلا. لم يكن ذلك ليحدث قبل اللحظة المثيرة التي اقترح خلالها الرئيس الروسي القابع في السلطة لمدة طويلة مخالفة أجزاء كبيرة من الدستور الروسي.

ومن شأن التغييرات التي اقترحها بوتين أن تدفع بميزان القوى بعيداً عن الرئيس في اتّجاه البرلمان ومجلس الدولة المعزّز حديثاً، وهو هيئة حاكمة فيدرالية تتمتّع الآن بسلطة محدودة. أما مجلس الدوما، فستؤول إليه صلاحية اختيار رئيس الوزراء والحكومة. وسيكون للمجلس الاتحادي رأي في التعيينات الأمنية والقضائية. ولن يُسمح للرئيس أيضاً بالبقاء في السلطة إلا لولايتين، وقبل هذا التعديل كانت هاتان الولايتان "متتاليتين".

ومن المقترحات الأخرى فرض قيود جديدة على من يمكنه التصويت لمنصب الرئاسة، وعلى صلاحيات المحاكم الدولية مثل "المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان". ويبدو أن الخطط مصمّمة لاستيعاب عدد من السيناريوهات التي لا تفضي كثيراً إلى احتمال تقاعد الرئيس بعد السنة 2024، عندما يصبح فلاديمير بوتين وفقًا للقانون الروسي مضطّراً إلى مغادرة منصبه.

ولم يكشف الرئيس الروسي كثيراً من التفاصيل. لكن ما يبدو واضحاً هو أن كثيراً من التعديلات إلى حد بعيد ترمي إلى بقاء شأن واحد على ما هو عليه الآن، أي بقاء بوتين على رأس السلطة السياسية في البلاد.

وفي ردّات الفعل على مدى الساعات الأربع والعشرين الماضية، قارن المعلّقون المحليون حجم خطط بوتين بما اعتبروه "انقلاباً" أو "ثورةً تحدث من أعلى رأس الهرم" أو "عودةً إلى الاتّحاد السوفياتي المنصرم". وتوقّع أحدهم أن يعود الحزب الحاكم إلى الاضطلاع بدور مركزي على غرار الحزب الشيوعي. أما المعارضة الروسية فكانت غاضبة إن لم تكن متفاجئة تماماً.

وقال أليكسي نافالني وهو أحد أبرز مناهضي الرئيس بوتين إن "الخطاب أظهر نوعية الرؤوس المتخلّفة أو المراوغة، أو تلك التي تمتلك الصفتين، التي توقّعت أن يغادر بوتين منصبه في عام 2024. إن الهدف الوحيد لبوتين هو البقاء رئيساً مدى الحياة، وأن يسيطر على البلاد بأكملها، وأن يستولي وأصدقاؤه على الثروات".

ولطالما كانت حكومة ديميتري ميدفيديف عرضة للاستهزاء وتوقّع كثيرون استقالته عشرات المرّات. لكن توقيت مغادرته ظلّ مفاجأةً للجميع باستثناء قلّة محظية ضمن الدائرة الداخلية للرئيس بوتين. وقد تعرّض بالتأكيد رئيس الوزراء السابق لأضرار جسيمة من خلال التحقيقات في قضايا فساد منسوبة إليه، الأمر الذي أثار احتجاجاتٍ في الشوارع. وكانت حكومته قد أمسكت بزمام الأمور لأكثر من خمسة أعوام شهدت تراجعاً كبيراً في العائدات الحقيقية للبلاد.

لكن لا يمكن إلقاء اللوم على ميدفيديف في هذا الصدد، لأن ما حدث كان إلى حد كبير نتيجة ضعف الثقة في الاستثمار، والعقوبات التي فُرضت على روسيا، والعاملان يترتبان مباشرة على سياسات المواجهة التي اعتمدها فلاديمير بوتين على المستوى المحلي كما على صعيد السياسة الخارجية.

وأعرب معظم الناس عن اعتقادهم بأن عرض الولاء لبوتين الذي قدّمه ديميتري ميدفيديف في العام 2011 سيكون كافياً لبقائه في منصبه ومواصلة المهمّة. لهذا السبب كان يُنظر إليه أيضاً على أنه الخليفة المحتمل لبوتين في سدّة الرئاسة. إن رغبته الواضحة في أن يكون كبش محرقة يلقي عليه بوتين تبعات الفشل، يجعل تنحيته أمراً أكثر إثارةً للحيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا تزال حتى الآن الصورة غير واضحة بالنسبة إلينا في شأن ما حدث خلال المدة التي سبقت الإعلان الصادم الذي صدر أمس. لكن المؤشرات تشير إلى خلاف كبير قائمة. فبحسب صحيفة "كوميرسانت" كان ميدفيديف يضغط من أجل إجراء نوع مختلف من الإصلاح يجمع بين الوظائف الحكومية والرئاسية على غرار النظام الرئاسي الأميركي. ورأت صحيفة "نوفايا غازيتا" المرتبطة بالمعارضة، أن ميدفيديف أقصي بعدما اكتشف الخطط المغايرة جذرياً التي وضعها فلاديمير بوتين.

وأشارت مؤسّسات إعلامية أخرى أكثر ولاءً لبوتين، إلى أن الرئيس الروسي أصبح أخيراً غاضباً من التقدّم البطيء الحاصل، وأنه أراد استبدال شريكه منذ فترة طويلة بشخص أكثر فعالية.

والرئيس المقبل للوزراء يناسب بالتأكيد هذا المنحى. فميخائيل ميشوستين البالغ من العمر ثلاثةً وخمسين عاماً، لم يكن معروفاً على نطاق واسع خارج الحكومة، لكنه فرض مكانته على أنه تكنوقراطي إصلاحي. وهذا ما رسخه فوزه بتصويتٍ البرلمان لمصلحته يوم الخميس.

ويرى مطّلعون على ما يدور داخل الكرملين أن مدير الخدمات الضريبية الفدرالية السابق برز من خلال استخدام التكنولوجيا الرقمية لإنجاح الخدمة الضريبية الفاشلة في روسيا التي تُعدّ الآن إحدى أكثر الخدمات فاعليةً في العالم. وفي خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، المرحلة التي شهد فيها الاقتصاد الروسي ركوداً، حقق ميشوستن إنجازاً ملحوظاً بتحقيقه نموّاً بنسبة 50 في المئة في الإيرادات الضريبية.

وتُعتبر خدمة الضرائب في ظل ميشوستن أيضاً إحدى أقلّ الهيئات الحكومية فساداً، على الرغم من قول منتقديه إن سجل أدائه الشخصي في الفساد هو أقل إثارةً للإعجاب. وبعد وقت قصير من تعيينه، ذكرت منشورة "بروكت" الاستقصائية الروسية أن ميشوستين ربما يكون قد أخفى ملكيته لعددٍ من العقارات في أماكن جذابة في موسكو وحولها. وأفادت "بروكت" أن العقارات (المقدّرة قيمتها بنحو 9 ملايين و750 ألف دولار أميركي) مصنفة على أنها تابعة للحكومة الروسية.

ولا يمكن لأحد أن يعرف ما إذا كان ميشوستن سيؤدي دوراً في الخطة الانتقالية طويلة الأجل التي أعدّها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين. ولا يرتبط الرئيس المقبل للوزراء بأي من الجماعات الحاكمة، كما أنه من الصعب أن يكون له دور مستقل في ظلّ نظام الحكم الاستبدادي غير الرسمي في روسيا. ويفترض كثيرون أنه سيضطلع بمهمة تصريف الأعمال موقّتاً اثناء البحث عن خليفة مفترض على الرغم من أن كل شيء ممكن.
ما هو واضح أن عملية انتقال السيد بوتين من الرئاسة قد بدأت. فقد قدّم خطابه عن حال الأمّة وضوحاً جديداً حول جوانب أخرى أيضا. وبتنا نفهم الآن أن البرلمان سيصبح أكثر قوة في حين أن خلفه الرئاسي سيكون أقلّ سلطة، وأن سيناريو الوحدة القسرية مع بيلاروسيا، وهو أمر لطالما بدا مستبعداً، بات الآن مطروحاً على الطاولة.

لكن الرئيس الروسي أبقى كذلك بعض الأبواب مفتوحةً في ما يتعلق بمرحلة ما بعد السنة 2024، وليس معروفاً الآن ما إذا كان سيختار دور رئيس الوزراء أو رئيس البرلمان أو رئيس مجلس الدولة الذي تمّ تعزيزه أخيرا؟

ويصف ماكسيم ترودوليوبوف رئيس التحرير العام في صحيفة "فيدوموستي" مقترحات بوتين بأنها كانت بمثابة قنبلة، لكنها لا تزال غامضة". وأضاف: "يبدو أنها مصمّمة ليكون لها أوسع تفسير ممكن. لكن لا شك في أن بوتين يعتزم أن يظلّ الشخصية المهيمنة على روسيا، وأن يواصل الإشراف على الانتقال السياسي بناءً على سيناريو خاصّ به. أما نجاحه في هذا المنحى فهو مسألة أخرى".

وأضاف ترودوليبوف أن بوتين قد استلهم نموذج دينغ تشياو بينغ الزعيم الفعلي في الصين بين العام 1977 ومنتصف التسعينيّات، وكذلك مثل لي كوان يو، أول رئيس وزراء في سنغافورة من العام 1959 إلى 1990. فقد واصل المسؤولان الإشراف على حكوماتهما من خلال أدوار مستترة. وختم الصحافي الروسي بالقول إن "قدوة أخرى لبوتين قد تكون جوزيف ستالين، وتتمثّل في مبدأ بادر إلى خطوتك قبل أن يخطوها الآخرون".

© The Independent

المزيد من دوليات