Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"سلطنة عمان" بين خطابين وزمنين... هل ترك قابوس لهيثم من متردّم؟

السلطان الجديد مطالب بـ "الاتباع والابتكار" وسط ظرف اقليمي استثنائي يهدد إمكان الجمع بين حليفيه المتصارعين: أميركا وإيران

منذ أن ودعت سلطنة عمان قبل نحو أسبوع رجلها الأول السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور البوسعيدي إلى دار البقاء، وهي لم تنقطع أحاديث الحزن فيها والعزاء والرثاء، على ألسنة العمانيين وزوارهم، والمتضامنين من كل الاتجاهات والقوى.

لكن ما يقال انه خفف آلام الفقد على الراحل الكبير الذي جعل بلاده "صديقة الجميع" بتعبير الرئيس الأميركي، هو تعهد خلفه ابن عمه السلطان الجديد هيثم بالسير على خطاه، وهو الذي كان وصيته ومحل ثقته واختياره، حتى وإن تردد وفق تقارير غير رسمية أن ترتيب البيت الداخلي بعد وفاة قابوس، أخذ حظه من النقاش والسجال قبل إعلان وزير ثقافة البلاد سلطانا مطاعا، بايعته الأسرة الحاكمة الممتدة ومن ثم بقية أعيان الشعب.

وكان بن طارق أقر في أول خطاب يلقيه بأن سلفه "بنى دولة عصرية شهد لها القاصي قبل الداني وشيد نهضة راسخة تجلَّت معالمها في منظومة القوانين والتشريعات التي ستحفظ البلاد وتُنظم مسيرتها نحو مُستقبل زاهر أراده لها وأقام بنية أساسية غدت محطَّ أنظار العالم وأسس منظومة اقتصادية واجتماعية قائمة على العدالة وتحقيق التنمية المستدامة وزيادة الإنتاج وتنويع مصادر الدخل، مما أدى إلى رفع مستوى معيشة المواطن العماني، وأقام هياكل ثابتة ودائمة للتعليم بجميع مستوياته وتخصصاته، فنهلت منه الأجيال وتشربت علمًا ومعرفة وخبرة".

ديبلوماسية "الحلول المُرضية"

وأوضح المعالم الرئيسة لسياسته نحو محيطه العربي والدولي بأن نهج الدبلوماسية التصالحية وإيجاد الحلول المُرضية الذي خطه سلفه قابوس سيبقى ثابتاً لا يتحول.

وقال "إننا سوف نرتسم خطى السلطان الراحل مُؤكدين على الثوابت التي اختطها لسياسة بلادنا الخارجية القائمة على التعايش السلمي بين الأمم والشعوب وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير واحترام سيادة الدول وعلى التَّعاون الدولي في مختلف المجالات، كما سنبقى كما عهدنا العالم في عهد المغفور له بإذن الله تعالى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور داعين ومساهمين في حل الخلافات بالطرق السلمية وباذلين الجهد لإيجاد حلول مرضية لها بروح من الوفاق والتفاهم".

وفي الشأن الخليجي والعربي أكد أنه سيواصل وفق تعبيره مع أشقائه قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مسهماً في "دفع مسيرة التعاون بين دولنا لتحقيق أماني شعوبنا ولدفع منجزات مجلس التعاون قدمًا إلى الأمام. كما سنستمر في دعم جامعة الدول العربية وسنتعاون مع أشقائنا زعماء الدول العربية لتحقيق أهداف جامعة الدول العربية والرقي بحياة مواطنينا والنأي بهذه المنطقة عن الصراعات والخلافات والعمل على تحقيق تكامل اقتصادي يخدم تطلعات الشعوب العربية".

وبين ما يمكن أن يساعد رجل مسقط الجديد في الاستمرار على توازنات ما قبله، هو حضوره السابق فيها كأحد أعمدة الحكم في السلطنة، وبقاء مجموعة من خبراء المرحلة أمثال يوسف بن علوي وزير الخارجية أحياء يرزقون، يمكنهم توظيف رصيد الماضي في توطيد دعائم المستقبل.

حجم الفراغ والتهديدات

غير أن هذا لا يعني أن مهمة ملء الفراغ الذي تركه الراحل غير عصية، فقد شاء القدر أن يأتي فقده في ظرف اقليمي استثنائي وحرج، كل الجبهات حول عمان فيه مشتعلة، في مضيق هرمز وإيران واليمن، وجارتها الكبرى السعودية التي قررت إلغاء أنصاف الحلول مع جارتها الاستراتيجية طهران، فصارت الأولى في حرب مفتوحة مع الثانية مباشرة أو عبر وكلائها الإقليميين الذين اعتاد "الولي الفقيه" دعمهم وتزويدهم بقدرات عسكرية تمكنهم من استهداف منشآت الرياض المدنية والاقتصادية، وتنفيذ أعمال إرهابية ضدها لا تقبل التأويل في مثل ضرب منشآت أرامكو السعودية في بقيق وخريص بعشرات الصواريخ والطائرات المسيرة 14 سبتمبر(أيلول) الماضي، في عملية أكد تحقيق للأمم المتحدة أخيرا ان طهران من قام بتنفيذها، وفق تقرير لوكالة رويترز الإخبارية.

ولهذا تقول صحيفة نيويورك تايمز عن حجم الفراغ في السلطنة والاقليم، إثر وفات فقيد مسقط "إن وفاته كانت أكثر من مجرد رحيل قائد عربي لأنه كان يمثل رمز الدبلوماسية الهادئة التي ساعدت على إنهاء أكثر النزاعات تعقيدا في المنطقة". ورأت أن  السلطان الراحل "امتلك شخصية أبهرت أجيالًا عديدة من رجال الدولة في الشرق الأوسط والدول الغربية"، واصفة إياه وفق ما نقلت عنها وكالة الأنباء العمانية بأنه "أكثر الوسطاء براعة في المنطقة، فهو على الرغم من أنه كان يعمل بصمت إلا أنه كان جزءا  حيويا من النظام العالمي".

لذلك تعتبر الصحيفة وفاته "تشكل أكثر من مجرد رحيل واحد من أكثر الزعماء مرونة في المنطقة لأنها في الحقيقة تمثل ذهاب ذلك النوع من الدبلوماسية الهادئة التي ساعدت في تسوية أكثر النزاعات والخلافات تعقيدا في تلك المنطقة".

خطاب قابوس الذي أعلن التحول

لكن تلك التحديات لا تقاس بالتي تسلّم قابوس الدولة في 70 من القرن الماضي وهي تعانيها، إلا أنه سريعا ما تعامل معها بما تحتاج من صبر وحزم وتسامح، فصافح بيد وقاتل بأخرى، من دون أن ينسى تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية والحريات للشعب المنقسم يومها بين أهواء التيارات الشيوعية والقومية والقبلية قبل أن يلم شتاته.

وكان "المستقبل" عنوان خطابه الأول الذي كان هيثم حاضراً فيه أيضاً بواسطة والده طارق الذي اتخذه قابوس رئيساً لوزرائه، فيما يشبه الترضية له، وإبراز ملامح المصالحة التي أراد أن يبني مستقبل بلاده على أساسها، إذ كان عمه خارج السلطنة يوم استولى قابوس على الحكم، غير راض عن واقع الدولة التي تسير في ذلك الوقت بإدارة أخيه سعيد والد قابوس.

وخاطب يومئذ الحاكم المستجد شعبه قائلا " شعبي العزيز، إنه لمن دواعي سروري أن أتحدث إليكم هذا المساء عبر إذاعتنا العمانية، وقصدنا أن نتأكد من أنكم تعرفون عن كثب خطط الحكومة للمستقبل، والخطوات التي تتخذها لتحقيق الاطمئنان والتقدم لشعبنا، والازدهار والأمن لبلدنا العزيز. وعلى هذا الأساس، يمكنكم أن تثقوا أن حديثنا الليلة، يحدد اتجاه المستقبل، وستتبعه أحاديث مماثلة أما منا شخصيا أومن المسؤولين الكبار في الحكومة. فكما سمعتم من الإذاعة، لقد عينا عمنا السيد طارق بن تيمور رئيسا للوزراء. إن سرعته في العودة إلى البلاد نقدرها عظيم التقدير، ووجوده بيننا مع أخيه السيد فهر يلقى منا كل ترحيب. إنهما سيتركاننا لفترة وجيزة لترتيب أمورهما الخاصة لكننا تأكدنا من حقيقة أساسية، وهي أن آراءنا حول مستقبل البلاد متفقة جدا ولقد أمرنا رئيس الوزراء أن يتخذ الخطوات الفورية لتشكيل حكومة على أساس إسناد المناصب للموظفين العمانيين اللائقين حيثما وجدوا في الداخل والخارج".

وأضاف "وحيث أن بلادنا قد حرمت، لفترة طويلة جدا من التعليم الذي هو أساس الكفاءة والإخلاص، في تدريب وإعداد شعبنا لمسؤولياته في المستقبل. ومن هنا تنشأ الحقيقة بأن تعليم شعبنا وتدريبه يجب أن يبدأ بأسرع وقت ممكن لكي يصبح في الإمكان، في المدى الأبعد حكم البلاد بالعمانيين للعمانيين".

هكذا عاد العمال العمانيون

وهذا ما بدأه السلطان فوراً، إذ أوضح في الشطر الثاني من خطابه أنه لكثرة ما أراد بناء مستقبل مغاير لبلده، قرر تغيير اسمها وكذلك علمها، وإعلان مبدأ "عفا الله عما سلف" عباءة تجمع كل العمانيين، بمن فيهم أولئك الذين فروا خارجها أو حملوا السلاح ضدها، أو نزعت منهم جنسيتها.

وزاد "لأولئك الذين بقوا على ولائهم لوطنهم ولكنهم اختاروا البقاء في الخارج نقول سنتمكن في وقت قريب من دعوتكم لخدمة وطنكم، أما الذين لم يكونوا موالين لوالدي في الماضي، أقول: "عفا الله عما سلف"، وندعو من فقد منكم جنسيته العمانية أن تعود الى صفوف الوحدة في سلطنة عمان...نأمل أن تتمكنوا سريعا من العودة إلى وطنكم بحرية وأن تجتمعوا بأحبائكم في سلام، وفي ولاء لبلدكم العزيز. كما نعلمكم بأن خطة تطوير الحكومة وتنظيمها ستستوعب مواردنا البشرية الضئيلة من رجال البلاد المؤهلين، لذا سندعوكم قريبا للعودة بطريقة منظمة لخدمة وطنكم". تاريخ عمان السياسي. ص220

وهكذا لاحظت بلاد مثل السعودية أن أثر القائد الجديد، بدأ ينعكس على حياة العمانيين الذين كان منهم عمال في الرياض وبعض المدن السعودية بحثاً عن لقمة العيش، مثلما يتذكر الكاتب السعودي نبيل المعجل في مناسبة رحيل قابوس، بتدوينه أنه " في عام 1970رحل فجأة عن حارتنا مئات العمانيين العاملين في مهن خدماتية صرفة نسبة لتدني مستوى تعليمهم آنذاك. قالوا بأن شابًا يافعًا مسك زمام الحكم في عمان وطلب عودتهم. كان قراراً استراتيجيا عظيما تبدلت فيه أحوال السلطنة 180 درجة خلال عقدين فقط. كان وجود العمانيين بيننا -قبل أن يطلب منهم السلطان قابوس العودة يشيع جوًا من الحبابة والبساطة والهدوء والسلم الإجتماعي وكان لهم تأثير إيجابي كبير".

إيران القوة والشك

ومن بين الملفات المثيرة للإعجاب والجدل معاً في السياسة العمانية التي اشتهرت بها في عهد الراحل، محاولتها الجمع بين الأضداد "العرب والإيرانيين"، ففي حين ينظر بعض قومها العرب إلى تلك العلاقة بريبة، يراها البعض الآخر مزية يمكن للعرب الاستفادة منها في إطفاء نيران الشقاق القديم المتجدد بينهم وبين بلاد فارس، بوصف العمانيين جيرانهم أقدر على فهم تعقيداتهم، وامتلاك مفاتيح الكياسرة التي يمكن بها منافستهم في لعب الشطرنج السياسي.

وكان من بين الانتقادات التي وُجهت للسلطنة على هذا الصعيد، كانت من جانب بيتها الخليجي بعد الاتفاق النووي الذي هندسته بين أميركا وإيران، من دون أن يكون لدى الخليجيين أي تصور، مما أشعرهم بأن الصفقة التي تمت كان على حساب اقليمهم والاستقرار فيه، الذي كانت عمان منذ القدم بين أركانه الاستراتيجية، بيد أن للسلطنة وجهة نظر أخرى فوزيرها للشؤون الخارجية يوسف بن علوي دافع عن موقف بلاده في العلاقة الاستراتيجية مع طهران بأنه مفيد للعرب. في إشارة إلى أن مسقط تود أن تبدو مثل العميل المزدوج للطرفين بالمعنى الإيجابي، بوصفها عيناً للعرب على فارس ومحل ثقة الإيرانيين في قضايا التشابك مع قومها العرب.

التمسك بطهران وفاء أم اتقاء شر؟

لكن أستاذ التاريخ السياسي في جامعة الملك سعود الدكتور محمد التويجري، نبه في حديثه مع "اندبندنت عربية" إلى أن سر العلاقة الاستراتيجية بين إيران والسلطنة، يعود إلى رد الجميل من الأخيرة للأولى، فما شهدته عمان من ازدهار في عصر قابوس إنما يعود فضل كثير منه إلى إيران الملكية التي وقفت إلى جانبه في حسم المعركة لصالحه مع أعدائه من الشيوعيين والقوميين ناحية ظفار في ذلك العهد.

وقال " السلطان قابوس هو الحاكم الرابع عشر لسلالة البوسعيدي في سلطنة عمان. يمكن شرح العلاقة العمانية الفريدة بإيران جزئيًا عن طريق الجغرافيا، حيث يشترك البلدان في مضيق هرمز الاستراتيجي الذي يمر عبره ما يقدر بنحو 35 في المائة من إجمالي النفط الخام الذي تحمله السفن سنويًا. هذا يسهم في معرفة الحقيقة في أن جميع الممرات البحرية الملاحية داخل المضيق تقع في المياه الإقليمية العمانية تساعد في تفسير سبب التزام مسقط بالعمل مع طهران لضمان بقاء الممر المائي مفتوحًا".

وكانت علاقة دول الخليج بإيران في عهد الشاه شهدت مداً وجزراً، إلا أنها لم تشهد توتراً مثل الذي أعقب عهد ثورة الخميني 1979م، الذي هددت سياساته في تصدير الثورة جيرانه، باستثناء مسقط التي استطاعت أن تحافظ على علاقتها القديمة مع الشاه مستمرة حتى بعد الثورة الخمينية حتى اليوم.

 وبغض النظر عن الجغرافيا، يضيف التويجري "يشترك البلدان أيضًا في تاريخ فريد من نوعه، حيث كان شاه إيران، محمد رضا بهلوي إلى جانب الملك حسين ملك الأردن ، هما القائدان الإقليميان الرئيسيان اللذان ساندا في البداية انقلاب السلطان قابوس غير الدموي ضد والده في عام 1970. وجاءت إيران لإنقاذ سلطنة عمان عن طريق إرسال 4000 جندي للمساعدة في تهدئة تمرد ظفار، التمرد الشيوعي 1962-1975، وفيها فقدت إيران أكثر من 700 جندي في الصراع، وهو تضحية لم ينسها السلطان قابوس. حرصت عمان منذ لك الحين على حفظ علاقتها مع إيران حتى في أوقات تظهر فيها تصرفات ايران مزعجة و التصاعدية في المنطقة".

أما التوفيق بين الوفاء لتلك العلاقة والإخلاص لقومها العرب في صراعهم مع طهران، فأمكن سلطنة عمان في نظر الأكاديمي السعودي، من خلال "لعب دور المحاور بينهما في عدة مناسبات، بما في ذلك خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات. وفي السنوات الأخيرة، استضافت إيران المحادثات السرية بين إيران والولايات المتحدة في عام 2013 والتي مهدت الطريق للمحادثات النووية بين إيران و (E3 + 3 ) الولايات المتحدة وروسيا والصين وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة. من هذا المنطلق كان هناك من انتقد الدور الذي تلعبه عمان في المنطقة؛ لأنه في بعض الحالات ابتعد عن القيام بدور قيادي (حيادي) وتجنب مساعدة البلدان الأخرى إلا من خلال المفاوضات".

ولا تزال مسقط حتى مرض سلطانها الراحل تقوم بدور التهدئة للتوتر المتصاعد في الخليج، بعد فرض الاميركيين عقوبات مشددة على طهران والخروج من الاتفاق النووي الذي عقده معها أوباما، إلا أن التطورات في المنطقة بعد عدوان وكلاء إيران على السفارة الأميركية في بغداد وقتل واشنطن زعيم مليشياتها الخارجية قاسم سليماني، وضع كل وسطاء التهدئة في العالم والاقليم أمام امتحان صعب.

 

السلطان الجديد بين "الاتباع والابتكار"

وبالعودة إلى السلطان الجديد هيثم الذي لم يكن بعيداً حتى في السابق عن القرار في السلطنة، فإنه على الرغم من التفاؤل الكبير الذي ووجه به وصوله إلى الحكم وخطابه "المتزن" في إبقائه على نهج سلفه، إلا أن طريقه ليس مفروشاً بالورود في نظر المراقبين، وهو الذي تسلم السلطة في ظرف إقليمي وتوتر استثنائي بين حليفي بلاده الاستراتيجيين أميركا ومعها بريطانيا والخليج، في مقابل إيران المخنوقة بالعقوبات والباحثة عما يرد كرامتها بعد اقتناص أهم رجالاتها في المنطقة قاسم سليماني.

لكن المحللين الأجانب والعمانيين يعتبرون تأكيد هيثم على تلمس خطى قابوس باعثاً على الطمأنينة، هذا على الرغم من دخول السلطنة في خضم الملف الفلسطيني الأعقد في المنطقة باستقبالها رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، كأول دولة خليجية تقوم بالخطوة، فهل ستحافظ السلطنة على الرغم من ذلك على "شعرة معاوية" مع الجميع ممدودة أم تثقل كاهلها أمّ القضايا وتتراجع؟

هذا ما ناقشته صحيفة الوطن العمانية، التي اعتبرت السلطان الجديد "يؤسس لمرحلة جديدة من مراحل البناء والتنمية الشاملة التي جاءت من أجلها النهضة المباركة بقيادة المغفور له بإذن الله، وذلك لما ارتكز عليه من تأكيد واضح ورصين، وسير على الحق المبين والوعد المتين الذي قطعه قابوس بأن تكون عمان كما كانت دولة ذات شهرة وقوة، وتاريخ وحضارة، ونماء ورخاء واستقرار وسلام، وموئلًا للباحثين عن السلام والأمان والاستقرار، وعن الدعم والمساعدة في حل القضايا والمشكلات".

 وعلى منوال التفاؤل نفسه، سرت "ايكونوميست" البريطانية، وكذلك  مجلة "فورين افيرز" الأميريكة التي أكدت أن "الإرادة السياسية التي عبر عنها السلطان هيثم كافية لحل ومواجهة مختلف التحديات التي تواجه  ليس فقط السلطنة، بل مختلف دول المنطقة في الآونة الحالية، الأمر الذي  سوف يؤهل  عمان للحفاظ على مصداقية دورها على الصعيد المحلي  والمكانة الإقليمية التي تتمتع بها"

ووصفت المجلة التي يصدرها مجلس العلاقات الخارجية  الأميركية في تقرير نقلته عنها "أونا" العمانية بن طارق بأنه "قائد هادئ استهل عهده بالالتزام باتباع نهج  السلطان الراحل والمبادئ التي أكدها للسياسة  الخارجية للسلطنة، في التعايش السلمي بين الأمم والشعوب، وسلوك حسن  الجوار بعدم التدخل في شؤون الآخرين".

ملفات معلقة

لكن هذا لا يعني أن هيثم سيتوقف عند ما أنجزه سلفه، إذ لا يمكن له إلا أن يسعى لمزيد من الابتكار وكسب الرهانات، ليضيف إلى منجزات شعبه نقطاً جوهرية عدة، لا يزال يتطلع إليها مثل العديد من شعوب المنطقة والعالم.

ويرى الكاتب الدكتور أحمد مصطفى أن عمان التي عرفت بوساطاتها لم تزل مجهولة بالنسبة إلى الكثيرين في كثير من جوانبها، وهي مطالبة أو مؤهلة على الأقل للانفتاح أكثر لتُعرف العالم بنفسها ثقافياً واجتماعياً. وكأنه يشير إلى حالة الانزواء والمحافظة التي طبعت الشخصية العمانية منذ القدم حتى بعض أن فتح قابوس أسوارها نسبياً على العالم.

وتعوّل الحكومة السعودية على عمان أن تلعب دوراً إيجابياً في الملف اليمني مع المتمردين الحوثيين، في سياق مفاوضات مقبلة ينتظر منها أن تنهي الحرب التي مزقت البلاد وشردت الملايين من سكانها وقتلت الآلاف، على اثر انقلاب الحوثي على الحكومة الشرعية في البلاد. وكان السلطان الراحل استقبل قبل أسابيع من وفاته نائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان للمباحثات في هذا الملف، لكن جهود الوساطة لا يبدو أنها ستتوقف، خصوصاً مع دفء العلاقة بين البلدين، على النحو الذي جعل الملك سلمان يتجه شخصياً إلى السلطنة للتعزية في الفقيد واستكمال التعاون مع وارث الحكم الجديد السلطان هيثم بن طارق بن تيمور البوسعيدي.