مركّبات إزالة الأكسدة معروفة منذ قرون... وجدل حول فوائدها

أنواع من الشاي والمساحيق توصف بالـ"ديتوكس" وتعد بصنع المعجزات صحيا

ماذا يفيد الخبراء بشأن مستحضرات الـ"ديتوكس" والتنحيف؟ (براندليس/آنسبلاش)

إذا كنت تستخدم منصات التواصل الاجتماعيّ على غرار "إنستغرام"، يُرجّح أنّك اطلعت على حسابات تروِّج لأقراص وأنواع من الشاي باعتبارها تساعد في فقدان الوزن. غالباً ما تدَّعي هذه المنتجات أنّها "تخلص الجسم من السموم"، فضلاً عن خسارة كيلوغرامات زائدة من  الوزن في مقابل إعطاء المرء مزيداً من الطاقة.

خلال السنوات الأخيرة، حظيت هذه المنتجات بحملات ترويج واسعة، إلى درجة أنّ البروفيسور ستيفن بويس المدير الطبيّ لهيئة "الخدمات الصحيّة الوطنيّة" في بريطانيا، ذهب إلى أنّ منصات وسائل التواصل الاجتماعيّ عليها أن تمنع المنشورات التي تشجع على استهلاك تلك الحبوب والمكمّلات الغذائيّة بسبب "تأثيرها الضار في الصحة البدنيّة والعقليّة" معاً. وفي الأسابيع القليلة الماضية، أعلن "إنستغرام" أنّه سيزيل المنشورات كافة التي تدعم منتجات الحمية الغذائيّة المتصلة بفقدان الوزن وتدّعي أنّها تصنع "المعجزات".

وعلى الرغم من أدوية ومركبات كثيرة التنحيف استهدفت جيل الألفية بشكل خاص، فلطالما كان الترويج لأنماط غذائيّة تخفض الوزن، ومنتجات التخلّص من السموم (الـ"ديتوكس)، ومليّنات الأمعاء، موجوداً منذ قرون. في الواقع، في القرنين التاسع عشر والعشرين، حظيت مليّنات الأمعاء على غرار حبوب "بيتشام" و"بايل بينز" برواج خاص. وآنذاك، توفرت تلك المواد في الأسواق من دون وصفة طبيّة. ويشار إلى أنّها تحتوي مكوِّنات من بينها الزنجبيل ومسحوق الصابون الصافي واليانسون. ومع أنّها كانت في الأساس أدوية مليِّنة للأمعاء، إلا أنها ادعت أيضاً أنّها تزيد البشرة نضارة وتعزِّز المعنويات وتنقِّي الدم.

وعلى الرغم من كونها مثيرة للجدل، حظيت تلك المنتجات بشعبية واسعة. وفي مجلس اللوردات البريطانيّ 1938، صرَّح اللورد توماس هودر، الطبيب الرائد آنذاك، إنّ الناس ينفقون ما يتراوح بين 25 و30 مليون جنيهاً إسترلينياً على تلك المواد سنويّاً. وربما لم يكن المستهلكون على دراية بما كانوا يبتلعونه تحديداً، لأنّ كثيراً من شركات تصنيع الأدوية لم تكن ملزمة قانوناً بإدراج مكوِّنات منتجاتها على الغلاف أو العبوة قبل العام 1941.

الثقة في الإعلانات

على منوال الطريقة الحديثة المتّبعة في إعلانات حبوب الحمية وأنواع الشاي المنحِّفة، شهد القرنان التاسع عشر والعشرون إعلانات تتضمّن شهادات شخصيّة من مستهلكين تروِّج لأصناف أدوية تُباع من دون وصفة طبيّة، بدت أكثر خصوصيّة وجديرة بالثقة وآمنة للاستخدام، إلى جانب توصيات جاءت بصورة منتظمة ممن ليسوا خبراء.

في ذلك الوقت، خرجت نقاشات كثيرة حول صدقية الشهادات الشخصيّة في القرنين التاسع عشر والعشرين. صحيح أنّ الشهادات استندت على الأرجح إلى رسائل نزيهة من المستهلكين، ومع ذلك لم يكن إدخال التعديلات عليها أمراً مستبعداً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في يومنا هذا، من الصعب كذلك معرفة مدى صدقية توصيات الأشخاص المؤثِّرين ("إنفلونسرز" [على السوشيال ميديا]). بيد أنّ دراسة حديثة وجدت أنّ ثقة المستهلكين في "المؤثرين الرقميِّين" تفوق ثقتهم في العلامات التجاريّة نفسها. إذ تبيَّن أنّ قرابة 37 في المئة من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً كانوا أكثر ميلاً إلى الثقة في العلامات التجاريّة بعدما شاهدوا منشورات مدعومة من المؤثِّرين. وبشكل عام، غالباً ما تؤدي هذه الثقة إلى عملية شراء، إذ أبلغ 42 في المئة ممن شاهدوا محتوى برعاية مؤثِّر، عن أنّهم جرّبوا المنتج أو الخدمة الموصى بهما، فيما آثر 26 في المئة ابتياعهما.

وعموماً، قلبت الحملات الإعلانيّة التي تستعين بالمؤثِّرين معايير الإعلانات والتسويق الحديثين. في الواقع، أدّت إلى نشوء مجموعة جديدة من "الخبراء" الموثوقين الذين يتصدّرون العلامات التجاريّة ويجعلونها تبدو أكثر جدارة في الثقة وجاذبة وقريبة إلى المستهلكين. ويُعتبر ذلك عاملاً رئيساً في الترويج لاستخدام المنتجات الصحيّة والطبيّة التي تؤثر في الجسم إيجاباً أو سلباً.

مستهلكون مضلَّلون؟

انتقدت الدراسة نفسها المؤثِّرين الرقميِّين البريطانيِّين، بسبب عدم إفصاحهم عن منشورات على "إنستغرام" تتضمّن محتوى مموّلاً. أثار ذلك قلقاً بشأن تضليل الجمهور من جانب المؤثِّرين، إذ يمكن أن تبدو التوصيات حقيقيّة فيما يملك أصحابها المؤثرين دوافع ماليّة.

نتيجة لذلك، نال المؤثِّرون نصيباً وافراً من انتقادات "هيئة معايير الإعلان" (أي. أس. أي) في بريطانيا. وبناء عليه، أنشأت الهيئة  بالمشاركة مع "هيئة المنافسة والأسواق" البريطانيّة ما سُمي "دليل المؤثِّر" في سبتمبر (أيلول) 2018 حرصاً على أن ينبّه المؤثِّرون متابعيهم إلى المحتوى المموّل.

ولكن حتى عندما يكشف المؤثِّرون عن الإعلانات المدفوعة مستخدمين هاشتاغ "#آد"  (#ad)يبقى من صلاحيات "أي. أس. أي" التحقيق معهم في هذا الشأن. في 2017 مثلاً، نشرت صوفي كاساي، نجمة تلفزيون الواقع التي تابعها آنذاك ما يزيد على 2 مليون شخص على "إنستغرام"، صورة لها عبر الإنترنت وقد حملت بيدها مغلفات "فلات تومي تي" Flat Tummy Tea. في نهاية المطاف، أيّدت "أي. أس. أي" شكوى ضدّ الممثلة البريطانيّة استندت إلى حجة مفادها عدم توفّر أدلة علميّة على الادعاءات التي يتضمّنها منشورها. إضافة إلى ذلك، لم يتوافق اسم "فلات تومي تي" مع سجل الاتحاد الأوروبيّ الذي يفرض متطلبات معينة في مركبات التغذية والصحة.

فضح "الترّهات"

 

 

في هذا المجال [الترهات]، ظهرت مخاوف لدى "أي. أس. أي" من كون العلامات التجاريّة الحديثة قد طوَّرت طرائق جديدة ومتقدِّمة بشكل مطرد، بغية اجتياز العقبة المتمثِّلة في غياب التفاعل المباشر مع المستهلكين. وفي النتيجة، أدّت الثقة التي يستثمرها الناس في مؤثرِّي وسائل التواصل الاجتماعيّ إلى نشوء مدوِّنات صوتيَّة ("بودكاست") ومحتوى تحريريّ وأفلام وثائقيّة بغية "فضح" الصيحات الصحيَّة، والمنتجات الغذائيّة، والحميات. تتحرّى المدوّنات الصوتيّة التي تبثّها إذاعة "بي بي سي"، على غرار برنامج "أول هيل كيل"  All Hail Kale، عن "الأطعمة والعلاجات وأساليب الحياة التي يجب تبنيها، وتلك التي يجب أن تعتبر مجرد ترهات".

لا يختلف فضح زيف مثل ذلك "الهراء" مع النهج الذي اتبعته "الجمعيّة الطبيّة البريطانيّة" تجاه الأدوية التي تُباع من دون وصفة طبيّة في أوائل القرن العشرين. في عامي 1909 و1912، شرعت الجمعية في عملية "فضح" هذه المنتجات عن طريق إخضاع مكوِّناتها للاختبار. صحيح أنّ المسؤولين سعوا إلى تثقيف الجمهور، غير أنّ مقاربتهم تلك أعطته أيضاً صبغة الضعيف الذي لا يلتجئ إلى المنطق، بمعنى أنّه جاهز كي يُستغل عبر استخدام ما يُسمى "الدجل" أو الغش الصحيّ.

وبالأسلوب عينه، تسخر المدوّنات الصوتيّة والمقالات الصحافيّة من مثل تلك الادعاءات الصحيّة وتصفها بـ"الهراء"، معيدة إلى الأذهان استخدام مصطلح "غش صحيّ". لكنّ استخدام لغة غير مبالية كهذه لن يحملنا على فهم سبب الشعبيّة الواسعة التي تحظى بها مثل هذه المنتجات والعلاجات وأساليب الحياة.

في المحصلة، لعلّه من المستطاع القول إنّ فرض قيود على الإعلانات التي تروِّج لهذه المنتجات على "إنستغرام" لن يمنع الناس من شرائها. إذ تبيّن بعد فترة طويلة من محاولات "الجمعيّة الطبيّة البريطانيّة" التصدِّي للأدوية التي تباع من دون وصفة طبيّة في بريطانيا في أوائل القرن العشرين، أن الجمهور واصل شرائها. ونظراً إلى عدم المبالاة بهذه المنتجات ومن يستخدمونها، ثمة تقاعس عن فهم سبب استهلاك الناس لها في المقام الأول. وعلى العكس من ذلك، لا بدّ من بذل مزيد من الجهود في محاولة لفهم البنى المعقدة والمعتقدات والعادات والتقاليد التي تشجِّع على استهلاك هذه المنتجات في المقام الأول.

إرين إليزابيث برامويل طالبة دكتوراه في التاريخ من جامعة "لانكستر" البريطانيّة. نشر هذا المقال لأول مرة في "ذي كونفرزيشين".

© The Independent

المزيد من صحة