Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أكبر تراجع في إقراض الأعمال ببريطانيا منذ 2008

البنوك تتشدد في شروط الائتمان خوفا من فقاعة ديون رديئة... وتوقعات متزايدة بخفض الفائدة

أرقام الاستهلاك ومبيعات التجزئة في بريطانيا تشير إلى تباطؤ واضح وإحجام عن الإنفاق (أ.ف.ب.)

أشار مسح ظروف الائتمان، الصادر عن بنك إنجلترا (المركزي البريطاني)، إلى تراجع واضح في إقراض البنوك للشركات بدرجة كبيرة مع تشديد الشروط خوفا من الزيادة المضطردة في نسبة الديون الرديئة، والتوقعات بركود اقتصادي وانفجار فقاعة دين عالمي تُعرّض البنوك والمؤسسات المالية لمخاطر غير مسبوقة.

وحسب نتائج المسح، تراجعت القروض للشركات والأعمال في الربع الأخير من 2019 بأكبر درجة منذ الأزمة المالية العالمية في 2008. كذلك زادت الضغوط على سوق بطاقات الائتمان، وتراجع إصدارها بمعدل مضطرد على مدى السنوات الثلاث الأخيرة.

وحسب كثير من المحللين والاقتصاديين، فإن تلك النتائج تذكّر بالوضع وقت الأزمة المالية العالمية السابقة، حين أحجمت البنوك عن إقراض الأعمال الصغيرة التي كانت بحاجة ماسة للائتمان لتتمكن من الاستمرار.

وحذر بنك إنجلترا من أن زيادة القروض الميسرة للشركات والأعمال التي تعاني من مديونية بالفعل تمثل خطرا على النظام المالي وعلى الاقتصاد بشكل عام. وكان أحدث "اختبار قدرة تحمل" للبنوك أظهر أن ديون الشركات مصدر الخطر الرئيس، الذي قد يجعل البنوك والمؤسسات المالية في وضع هشّ وعرضة لخطر الانهيار في حالة ركود اقتصادي.

البداية من أميركا

وكما حدث في 2008 حين بدأت الأزمة من الولايات المتحدة بانهيار فقاعة القروض العقارية نتيجة التوسع في مشتقات الدين الاستثمارية، تبدو أزمة الائتمان المقبلة وكأنها تبدأ من أميركا أيضا. فمع سنوات من الإفراط في الإقراض بدأت في الولايات المتحدة أنماط ائتمان جديدة، مثل القروض المميزة وغيرها التي تقدم للشركات الكبرى التي تعاني من مشاكل مديونية أصلا كي تصلح دفاترها المالية. وتلك قروض بشروط ميسرة بلا تشدد في ظروف الائتمان، ما يجعل احتمال عدم تسديدها كبيرا ويزيد من مخاطرة اعتبارها ديونا رديئة أو معدومة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لذا بدأت البنوك ومؤسسات الإقراض في بريطانيا تشديد شروط الإقراض تحسبا لانفجار فقاعة الدين، التي ما إن تبدأ في اقتصاد رئيس، كالاقتصاد الأميركي، حتى تنتشر العدوى في بقية اقتصادات الدول الرئيسة.

ومما يزيد من احتمالات المخاطر، ما يشهده الاقتصاد البريطاني من تباطؤ، وكذلك الاقتصاد العالمي، حيث جاءت أرقام ثاني أكبر اقتصاد في العالم محبطة أيضا. فقد شهد الاقتصاد الصيني في 2019 أبطأ معدل نمو في 30 عاما، مع نمو الناتج المحلي الإجمالي الصيني بنسبة 6.1 في المئة.

وجاءت نتيجة مسح بنك إنجلترا لسوق الائتمان لتظهر أن عدد البنوك التي تشدّد شروط إقراض الشركات زاد عن عدد البنوك التي تقرض الأعمال بشكل ميسر بنسبة 9 في المئة. وتلك أكبر نسبة منذ عام 2008 بالمقارنة بأرقام السنوات السابقة.

ويستهدف التشديد الشركات الكبرى، التي غالبا ما تكون في بؤرة الضوء بالنسبة إلى سلطات مراقبة الائتمان ومخاطر الديون. وبدأت البنوك بالفعل تركّز على صناعات معينة توفر مردودا أفضل ومخاطر أقل، وبالتالي تحجم عن إقراض صناعات أخرى لا توفّر مردودا مغريا وتشكل مخاطر مديونية.

بطاقات الائتمان

الملمح الأهم في أرقام بنك إنجلترا هو  تشديد إصدار بطاقات الائتمان، وكذلك تشديد قواعد اختبار التاريخ الائتماني للأفراد، الذي على أساسه تمنح القروض الشخصية والعقارية وتصدر بطاقات الائتمان. ويعني ذلك أن تشديد شروط الإقراض والائتمان لا يقتصر على الشركات والأعمال فحسب، وإنما أيضا الإقراض الشخصي والعائلي الذي يغذي الإنفاق الاستهلاكي، وهو بدوره أكبر مكوّن في الناتج المحلي الإجمالي.

ويعني هذا الانكماش مزيدا من تباطؤ النمو الاقتصادي، في الوقت الذي يتطلع فيه البريطانيون إلى فترة نمو وإنفاق استثماري واستهلاكي مع استقرار حكومة المحافظين بقيادة رئيس الوزراء بوريس جونسون بعد الانتخابات العامة الشهر الماضي.

ويشير مسح بنك إنجلترا إلى أن السنة المنتهية بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي شهدت أقل نسبة إصدار للبطاقات الائتمانية ذات الفائدة الصفرية. كما أصبحت البنوك والمؤسسات التي تصدر بطاقات الائتمان أكثر تشددا في فحص الوضع الائتماني لمن يطلب إصدارها.

وخلال العام الماضي، زاد دين بطاقات الائتمان بنسبة 3.9 في المئة ليصل إلى 94 مليار دولار (72.3 مليار جنيه إسترليني)، وتلك أقل نسبة زيادة في دين بطاقات الائتمان في بريطانيا في 6 سنوات.

وبدا تأثير ذلك واضحا في أرقام الاستهلاك ومبيعات التجزئة التي صدرت اليوم الجمعة في بريطانيا، وتشير إلى تباطؤ واضح وإحجام المستهلكين عن الإنفاق، إذ شهدت مبيعات التجزئة لشهر ديسمبر (كانون الأول) تراجعا بنسبة 0.6 في المئة. وعلى الرغم من أن نسبة التراجع قد لا تبدو كبيرة، فإنها ذات دلالات، بالنظر إلى أن ديسمبر يعد أكبر شهر تسوق في السنة مع أعياد الميلاد ورأس السنة، وكذلك شهر التخفيضات الكبرى في أسعار التجزئة.

ومن الأرقام الموحية أيضا، ذلك التراجع الواضح في مبيعات الأطعمة والأغذية خلال الشهر نفسه، وهو شهر زيادة استهلاك الطعام في الأعياد. إذ شهدت مبيعات الأغذية في ديسمبر انخفاضا بنسبة 1.3 في المئة مقارنة بشهر نوفمبر (تشرين الثاني)، وبنسبة 0.7 في المئة مقارنة بالشهر نفسه العام الماضي. وذلك أول انخفاض للمبيعات في شهر ديسمبر منذ عام 2013.

وتشير كل تلك الأرقام والظروف إلى توقع أن يضطر بنك إنجلترا إلى خفض الفائدة في اجتماعه المقبل لتنشيط الاقتصاد المتباطئ بشدة.