عمر شبانة رومنطيقي الشعر الحرّ… بأبعاد رعوية وصوفية

"يمشي كنهر دونما ضفاف" ديوانه السابع يكرس انتماءه الغنائي

الشاعر الفلسطيني الأردني عمر شبانة (يوتيوب)

يتقدّم الشاعر الفلسطيني الأردني عمر شبانة بمجموعته الشعرية السابعة، بعنوان "يمشي كنهر دونما ضفاف" بعد مجموعاته الشعرية الست: احتفال الشبابيك بالعاصفة (1983)، غبار الشخص (1997)، الطفل إذ يمضي (2006)، رأس الشاعر (2013)، سيرة لأبناء الورد (2017)، حديقة بجناحين (2018)، ومختارات من شعره بعنوان "تحولات طائر الفينيق" (2018). وهو يخطو في شعره خطوات صوب مطارح الطفولة وصوَر الانتماء والهويّة، وإن تكن مستعادة، ربما، فإنّها تدلّ على هواجس الشاعر الذي يبني بها عالمه، ويشكّل رؤيته إلى الموطن الأول والمرأة والطبيعة وإلى بعض من سيرته التي يورد محطّاتها العزيزة على قلبه، بين السَّلط وغوْر الأردن وعمّان المدينة التي سقط إليها من الغوْر.

ولكن، قبل عرض مضمون العمل الشعري الجديد للشاعر شبانة، وقبل استخلاص السمات العامة لأسلوبه ، بل لكتابته الشعرية، لا بدّ لي من الإشارة إلى الصعوبة الكبيرة التي تعترض القارئ الناقد الموضوعي إذ يعالج عملاً شعرياً تاماً، يفترض أن يكون بحسب الناقد رويت،"متّسقاً في مضمونه، ويتمتّع بقدر كبير من الإبداعية والخصوبة وبالقدرة على خلق عوالم وعلى استثمار ثنائيات ضدية كثيرة ...". ولا تراه يحصر درسه في قصيدة واحدة أو اثنتين، على الأكثر، كما درَج على ذلك النقد الأدبي التقليدي والكثير من النقد الحديث والمعاصر.

وحتى لا يقال إن كاتب هذه العجالة، عنيتُ المقالة النقدية عن شاعر مبدع، هو الشاعر عمر شبانة، يكاد يحوّل جهده النقدي التبسيطي إلى عمل نظريّ لا يقدّم الكثير للقرّاء، أعتزم، في المقام الأول، التعريف بمحتوى المجموعة الشعرية، وبعناوين القصائد وحجمها. ومن ثمّ أتناول أهمّ الموضوعات أو الهواجس التي شغلت الشاعر، على امتداد القصائد الثماني عشرة، وانتقل بعدها إلى درس الرومنطيقية التي تفرّد بها الشاعر شبانة، والغنائية الوجدانية التي صبغت شعره، وأنتهي إلى النظر في لغة الكتاب الشعرية، إيقاعاً وثنائيات متقابلة ومتعاكسة، وصوراً شعرية متفاوتة، وتناصاً مع شعر محمود درويش الذي لا يخفي الشاعر تأثّره به ومعارضته في بعض صيغه الشعرية وأفكاره والتي أوردها لاحقاً، واستراتيجيات أسلوبية لافتة في داخل الشعر الحرّ الذي ينتمي له هذا النوع من الشعر.

أناشيد غنائية

إذاً، تحفل المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر عمر شبانة، والتي عنوانها "يمشي كنهر دونما ضفاف" بثماني عشرة قصيدة، يتبيّن للقارئ إذ يباشر قراءتها، أنها أناشيد شعرية في الغالبية العظمى منها، وأن القصائد المفردة فيها طويلة؛ أما الداعي إلى اعتبارها أناشيد، فهذا يعود برأيي إلى اقتباس شعراء النهضة هذا النوع الشعري من التراث الشعري الغربي الحاصل في القرن السادس عشر، بعد تحوّله، على لسان الشاعرين الفرنسيين دوبلّلي ورونسار من نزعته الدينية الكنسية إلى نزعته الغزلية الرعوية. وكان الشاعر قد أفاد من كثيرين من الشعراء العرب الحديثين قبله، من مثل خليل حاوي، وأدونيس، ويوسف الخال... وعليه، فإنّ الشاعر وعلى امتداد ثمانية عشر عنواناً: طفولة أولى، مدينة أولى، في الأغوار، فاطمة، طفولة 2، في المرعى، وجوه وأرواح، ضفتان لنهر القلب، في شارع الأزهار، في مملكة الحنّون، وشيطانة حبّ وهلاك، وحمّالة الذّهب، وأسماء الزّيتون، والطفل لن يمضي، والمدينة أخيراً، وشذرات، ونهاية الطواف، وأنوثة، تراه ساعياً إلى أعادة سرد سيرته أو أهمّ محطات هذه السيرة- شعراً- وناسجاً، في الآن نفسه، ملامح ذلك الفردوس الأول من حيث تحدّرت الأنا، ذات الشاعر، تحيط بها صورٌ هي الآن أطياف هاربة؛ عنيت طيف الأمّ والمرأة الحبيبة، والمنقذة (فاطمة)، وملامح المتاه حتى لا أقول الجحيم الذي ينتهي الشاعر-الكائن إليه في المدينة.

إذاً، يمكن القول إنّ ثمة موضوعات ترد، في هذه المجموعة الشعرية، على نحو هاجسي، من مثل سيرة الطفولة والفتوة، وصوَر الفردوس الأوّل الذي سقط إليه الشاعر الراوي وقد كان ذاتاً قيد التكوّن، فراح يستعيد ذلك الفردوس، يستحضره من خزين ذاكرته المضيئة، فيرى إليه أنه "سماويّ"، و"ريفيّ"، وتكاد تكفيه بعض الملامح التي تثبت انتماء الذات (أنا) إلى ذلك الفردوس، ومن ثمّ ليعبّر عن عظيم أسفه لبعده عن "جنّته الريفية" حيث كان "يرعى ماعزاً بين الحقول": "أنا منْ وُلدتُ/ على ضفاف الغيمِ/ أحملُ ألفَ عمّان على كتفيّ،/ أعرفها جميعاً كالخطوط على يديّ"…"في البدء كانت جنّتي/ وصعدتُ فيها، في روابيها/ أسرّحُ ماعزاً بين الحقول، وأشرب الماء العذوبَ من العيون"… "وساقتِ الأقدارُ خطواتي/ كما ساقتْ أعاصيرٌ سفينه".

ثمّ إنّ الشعر، على يدي الشاعر عمر شبانة، يمكن أن يكون سجلاّ لسيرة ذاتية أو لبعض محطّات هذه السيرة تكون فيها الأنا في مستهلّ الكلام ("في البدء/ كنتُ أنا...")، ولتروي تحوّل مسارها (أي الأنا) نحو المدينة التي تمثّلت لديه أنثى، تغريه بجمالها ("باغتني عريُها صارخاً/ أيقظت فيّ ماء غريباً). ومن ثمّ يروي كيف تسنّى لفتوّته أن تتآلف، في الأغوار، مع الأجواء "الريفية" السائدة، ومع البيئة "الصوفية" التي كان جدّه واحداً منها، ومع المناخات الثورية التي كان يوفّرها الفدائيون، في ذلك المكان. وكيف قُدّر لهذا الفتى أن يحمل في تضاعيف كيانه سمات التقوى والجوع ("ويسرق حين يجوع رغيفاً")، والمتعة الفنية ("في سينما الحمراء") في آن واحد. وبمثل هذا الإيجاز البليغ في السّرد الشعري والوصف اللمّاح الآخذ بأميَز الملامح، يمضي الشاعر شبانة في وصف الأنثى (الفتاة) فاطمه فيجعلها صنواً لروحه ومحطّ أمان له بعد المتاه والظلمة والغياب والفقد والطّرد، إثر حوارية شيّقة بين كيانين:"في البدء كنتُ أنا/ وكانت في حقولي فاطمه... "ونقول للجسدِ انفجرْ… "يا سيّدي/ روحين في جسدٍ بدأنا /جسديْن في روحٍ وصلنا".

ولو كان عليّ أن أجمل الكلام على شخوص المجموعة الشعرية لأوجب أن أذكر الأمّ التي خصّها الشاعر بصفات روحانية ترقى بها إلى النموذج المثالي، على طريقته الأثيرة في الوصف والإعلاء. ولكن، هل يعدّ الشعر سرداً ووصفاً واستعادة لفردوس مفقود، وإيحاءات دالّة على موضوعات هي كناية عن عالم الشاعر المعنوي أو الفكري فحسب؟ بالطبع لا. فماذا عن الرومنطيقية المستعادة في حلّتها المشرقية التي يوشّح بها الشاعر شبانة أناشيده؟ إنها، في الواقع، رومنطيقية على قياس التجربة أو الرؤية التي يخلص إليها الشاعر؛ إذ جعل الشاعر إطار تجربته، طفلاً، وفتى، وشاباً، وعاشقاً، في الريف، عامراً بالحقول والغيوم، والنهر المقدّس ، والأزهار والشجر، والفراشات، والطيور، وهي مما يؤثث، في الغالب، عالم التجربة الرومنطيقية، منذ أن تناهت إلينا من الغرب، أواخر التاسع عشر، وشرع العرب في اتباعها أوائل القرن العشرين (خليل مطران). غير أنّ لشبانة شأناً آخر مع الرومنطيقية؛ فهي لا تقتصر على تأثيث العالم الريفي السالف ذكره، بل تتعداه إلى بثّ القصائد والأناشيد أبعاداً أسطورية وقدسية، من شأنها أن تسبغ على التجربة الشعرية قدراً من الصدقية والعمق والديمومة في الزمن، على حد ما يظنّه الرمزيون. ومن هذا القبيل، إيراد الشاعر شبانة شخصيات أسطورية وتاريخية من مثل: قايين، لوط، إيثاكا، بينيلوبي، عشتار، زنوبيا،أفلوطين، أرسطو، المسيح… وجعلها تؤدّي دلالاتها المعتبرة في سياق عرض الشاعر تجربته الروحية والعشقية والفكرية العابرة للزمن والأجيال، من أرض هي موئل الحضارات ومنبت إحدى الديانتين السماويتين، عنيت الديانة المسيحية، وموطن عمادة المسيح (نهر الأردن).

لكنّ المعلَم الآخر في رومنطيقية شبانة المحلّية إنما يكمن في غنائيته الوجدانية التي يحاول الشاعر عبرها تذويت (من ذات) الكائنات الطبيعية والأسطورية وإحياءها في جدالية ثنائيات ضدّية، بين الوجود والغياب، وبين الإزهار والتصحّر، وبين الظلمة والنور، وبين المدنّس والمقدّس. هي غنائية مصفّاة أيضاً، غايتها الاحتفاء بكائنات الطبيعة الريفية، بل الرعوية، في عزّ نقائها، مستلّة من ذاكرة الشاعرة ومن حساسيته ووجدانه البريء والطفولي:"وأغنّي لغصون الزيتون/ وأزهار اللوزِ/وماءِ الينبوع./ وأغنّي لبناتِ الجوعِ / سأغنّي كلّ أغاني الحصّادين / وللفلاحاتِ أغنّي / منجلي يا مِنْ جلاه/ وأغنّي للورّدات/ كما غنّى جدّي لعيونِ الماءِ/ كما غنّى عمّي للنّهر...".

معجم شعري

ولربما يتسع المجال قليلاً للكلام على لغة الشاعر عمر شبانة، في مجموعته الشعرية هذه، والقول في معجم الشاعر أنه، وإن بدا شديد التوزّع بين عوالم معيّنة، مثل الأمكنة والأزمنة والشخوص، والعناصر الأربعة (الهواء، والنار، والماء، والتراب)، فيمكن الاستخلاص أن مفرداته فيها محدودة، قياساً إلى غيره من الشعراء، لا سيّما محمود درويش الذي يعتدّ الشاعر بالنسج على منواله ومعارضته أحياناً في بعض جمله الشعرية. ولعلّ هذه المحدودية في صالح كتابته الشعرية، ما دام الشاعر يتقن خلط الأبعاد وتركيب الثنائيات المبتكرة والتي ينتقي لها، بعناية، المفردات الملائمة في سياقات مطّردة أو منكفئة.

أما الإيقاع الخارجي الذي اكتفى الشاعر شبانة منه بالتفعيلات الوزنية الوسطى، لكل سطر شعري، كأن يكون ثمة تفعيلتان من وزن بحر مجزوء، بالحدّ الأقصى، أو تفعيلة واحدة مضافاً إليها سبب أو وتد، فكان الإطار الموسيقيّ الذي أخضعه لسلطان الشعر وتجربته الشعرية؛ حتى لا يسع القارئ الناقد أن يتبيّن التزام الشاعر وزن بحر معيّناً التزاماً كلّياً على مدى نشيد واحد أو حتى قصيدة واحدة، على امتداد المدوّنة المعتبرة، أي المجموعة الشعرية. وإنما يرى (القارئ) انتقالاً سلساً، أحياناً، من وزن شعري إلى آخر قريب منه، وانتقالاً مرتبكاً أحياناً أخرى، يعدّلهما ميلٌ إلى انتقاء العبارة والتخفف من زوائد السطر الشعري والتنبّه للقوافي الغريبة.

وبالمقابل، فإنّ الإيقاع الداخلي لشعر عمر شبانة- وهو الأوسع والأغزر حضوراً من الخارجي- هو ما يسم تجربته الشعرية، في آخر تجلياتها، بمياسم التجديد والتجريب، والتجاوز. وأول ما عنيت منها ظاهرة القلب أو العكس التي يستجلي الشاعر من خلالها إمكانيات الإيحاء الدلالي والإيهام واللعب بالطباقات والجناسات الناقصة والثنائيات الضدية المحكيّ عنها في السياق الشعري الأعم: "فراشةً للحقل كنتِ/ وكنتِ ضوءكِ/ فاشتعلنا… "يغيبُ عنّا في مياهِ هيامنا/ أو في هيام مياهنا…"روحينِ في جسدٍ بدأنا/ جسديْنِ في روحٍ وصلنا... "ونحن والماء أوّلنا

وآخرنا الهباء"… " قارئين على الظلام سلامَنا/ وعلى السّلام ظلامَنا..."

المزيد من ثقافة