بندر بن سلطان : جيمس بيكر قال عن حكومة الدوحة "أغبياء دعهم يتعلمون" و محمد بن زايد أنقذ أمير قطر من مواجهة عاصفة في قمة الرياض (الحلقة 4-5)

رئيس الاستخبارات السعودية السابق يكشف معلومات خاصة عن أسباب انسحاب الضباط السعوديين من غرفة عمليات أنقرة ويتحدى من يثبت أن بلاده متورطة في دعم أو إنشاء جماعات إرهابية في سوريا

في الحلقة الثالثة، تحدث الأمير بندر بن سلطان رئيس الاستخبارات السعودية وأمين عام مجلس أمنها الوطني وسفيرها الأشهر لدى الولايات المتحدة الأميركية بإسهاب عن القضية الفلسطينية ومعاهدات السلام التي سعت السعودية لإتمامها ودفع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات للمضي قدما بها، ومنها مبادرة سلام في عهد الرئيس كلينتون. وكشف الأمير لأول مرة عن تفاصيل المبعوثين الخاصين الذين أرسلهم الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبدالعزيز إلى رئيس النظام السوري بشار الأسد، في بداية الثورة السورية، ومبلغ 200 مليون دولار، دعما للإصلاحات بعد حديث الأسد عن الحاجة للمال للبدء في تغيير داخل البلاد.

وفي الحلقة الحالية، وهي قبل الأخيرة، يواصل الأمير بندر الحديث عن القضية الفلسطينية بذكر تفاصيل الخلاف بين الراحل عبد الله بن عبدالعزيز والرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش في مزرعة الأخير. ويتحدث الأمير أيضاً بإسهاب عن قطر، وعن أمير قطر السابق المعروف بالأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة، و عن رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها السابق حمد بن جاسم، وعن مواقف جمعتهما قبل حرب تحرير الكويت وبعدها.

وفي هذه الحلقة، يتطرق الأمير إلى الاتهامات الموجهة له بإنشاء تنظيم "داعش" الإرهابي في سوريا والعراق، وعن دقة ما يتداول عنه وعن تمويله للجماعات المتطرفة في سوريا منذ 2010.

 

الخلاف في مزرعة بوش على القضية الفلسطينية

في عام 2002، حين كان الملك عبدالله ولياً للعهد، زار الرئيس الأميركي الأسبق بوش الابن، لكن هذه المرة في مزرعته في كروفورد بتكساس، حيث سبق أن زار الأمير عبد الله بوش في البيت الأبيض، وحين زار بوش السعودية، أخذه الملك إلى مزرعته في الجنادرية، ومن هنا جاء اختيار مزرعة بوش كمقر للقاء الثاني.

يقول الأمير بندر : "أخبرت الملك أن لا مطار في مدينة كروفورد التي تقع فيها المزرعة، وسنستقل السيارات إلى هناك. وافق الملك، وطلب رؤية  بوش الأب كذلك، لكنني أخبرته أنه بروتوكوليا يجب أن يلتقي الرئيس أولا ثم يلتقي الأب"

ويعود الأمير بندر للحديث عن الحادثة، ويصف منزل بوش الابن بقوله أنه عبارة عن "تاون هاوس" متواضع وسط المزرعة مخصص لاستقبال الزائرين. ويضيف : "اتفقت مع المسؤولين على الترتيبات بشأن الوفد السعودي ليستقل الملك حافلة بعد وصوله إلى هيوستن ترافقه فيها كونداليزا رايس".

يستذكر الأمير من كانوا مع بوش الابن، وهم نائب الرئيس ديك تشيني، و كبير مستشاري الأمن القومي كونداليزا رايس، ووزير الخارجية كولن باول، ويقول : "حين دخلنا استقبل بوش الابن الملك عبدالله عند الباب. كان البيت صغيراً ومتواضعاً، ويتضمن مطبخاً وصالة طعام. وعند المدخل هناك تقسيمات كثيرة للأمن الخاص وغير ذلك".

 

وفور وصول الملك عبد الله - ولي العهد آنذاك - عرض بوش الابن عليه أن يستقلا بمفردهما سيارة "بيك أب" أثرية، ويتجولان لدقائق في المزرعة. سأل الملك - حسب الأمير بندر - من سيترجم، فكرا ثم أجلا الجولة، ومازحا بعضهما وقالا سندع بندر يترجم ولأن لا مكان له سيستقل "حوض" السيارة ويترجم لنا مع النافذة.

بعد الغداء في مزرعة بوش الابن، تحدث الملك عبد الله معه عن اعتداء الجندي الاسرائيلي على المسنة الفلسطينية وغضب الملك وقال لي "جهز الموكب" ورفض أن يجلس، وحاولنا تهدئة الأمر.

كان أحد الأهداف الرئيسية للزيارة، القضية الفلسطينية وملف السلام العربي الإسرائيلي.  يقول الأمير بندر "هناك قصة شهيرة، حين شاهد الملك عبدالله خبرًا من الضفة الغربية وفيه سيدة مسنة ألقى بها عسكري إسرائيلي على الأرض، ووضع قدمه على يدها أو كتفها، ويتضح في الصورة كأنه يضع قدمه على رقبتها، طلب الملك حفظ نسخة من الفيديو  والصور، وحين هممنا بالذهاب إلى أميركا طلب الملك أن نأخذ النسخة معنا.وحين بدأ الرئيس بوش الحديث قال للملك : طعامنا قطعة لحم وبطاطا وخضار، وزوجتي هي من تمسك بزمام الأمور بالمطبخ وتقترح أن نبدأ الأكل الآن، وبعدها نجلس الوقت الذي نحتاجه، وفعلاً بدأ الغداء".

كان الملك غير مرتاح. يقول الأمير بندر إن الجميع يشعر أن الملك سيقول شيئاً في أية لحظة، منذ دخوله للمزرعة وهو يريد أن يتحدث بشيء في داخله قبل بدء أي نقاش ويضيف : "انتهينا من الأكل وقال الرئيس: نحن والفريق السياسي نقترح أن نذهب إلى الصالون حتى نتحدث في القضايا المشتركة، فأجابه الملك: لا لنجلس على انفراد أولاً، وحين سأل بوش عن المترجم قال الملك بندر يترجم لنا. ذهبنا إلى الصالون وبدأ الملك كلامه قائلاً: فخامة الرئيس لم أرد فتح الموضوع احتراماً للغداء … لقد تابعت مشهدًا، ومن كان لديه احترام للمرأة أو المسن لن يقبل به، ثم شرح الملك الموقف الذي شاهده والذي يظهر فيه العسكري الإسرائيلي الذي وضع قدمه على كتف مسنة فلسطينية، فرد بوش قائلاً: هل هذا معقول؟ ثم سأل أين شاهدتها؟ فرد الملك: ألم تشاهدها؟ وأجابه بوش أنه لا يشاهد التلفاز، ثم استطرد قائلا: سأسأل. طلب مني الملك فوراً نسخة عن الفيديو، وصورا فوتوغرافية توضح بشاعة ما يقوم به الإسرائيليون، بما في ذلك صور أشلاء لأطفال ومسنين، شاهدها بوش ثم قال الأمر غريب لكن الفيديو سيوضح اللقطة أكثر من الصورة الثابتة، فرد الملك: كيف تتضح أكثر؟ فأجابه بوش بأن هناك فرق بين الفيديو والصور الثابتة، فالصورة تظهر اللحظة، والفيديو يظهر ما قبل وما بعد المشهد. فرد الملك: ماذا تتوقع أن تشاهد؟ قال بوش: قد يكون معها مسدس أو سكين؟ ثم انفعل الملك وقال: أين حقوق الإنسان والإنسانية؟ كيف تتوقع أن يتقبل العالم العربي والإسلامي، بل العالم بأسره بهذا الظلم والضيم والإذلال؟ وأكمل الملك انفعاله بمواصلة طرح التساؤلات على بوش، ثم التفت إلي وطلب تجهيز السيارات للمغادرة. طلب بوش من الملك البقاء لكنه رفض. قلت له الرئيس يريد أن يكمل حديثه فالتفت الملك إلي وقال اذهب وجهز السيارات، ذهل بوش من انفعال الملك لأجل السيدة الفلسطينية".

يصف الأمير بندر الوضع كما كان، ويقول إن صغر البيت وتواضعه، يجعل أي شخص خارج هذا الصالون يسمع النقاش، وكان انفعال الملك بسبب ما فعله الجندي الإسرائيلي واضحاً. ويكمل الأمير : "وكان وزير الخارجية الأميركية كولن باول ووزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل خارج القاعة، وأخبرتهم أن النار بدأت في العشب، فرد باول مستحيل أن يتم ذلك، ومهمتنا أن لا يخرج الملك غاضباً، قلت لباول اذهب أنت وقل له، ثم طلب باول مني مرافقته إلى الملك وبوش، فعلت ذلك بعدما طلبت منهم تجهيز موكب الملك. عدنا وأخبرت الملك بما فعلت وقلت له وزير الخارجية كولن باول يريد أن يقول شيئاً، التفت الملك لباول وقال حتى أنت يا باول لا تشاهد التلفاز؟ قال باول لم يخبرني أي أحد بشيء، ثم أخبرته أنا. قال له : أمير عبدالله، هذه غلطتي، السفارة الأميركية في الرياض أبلغتني بالمشهد وكنا نعد تقريرًا عنه لنرسله للرئيس، لكن لأن الرئيس في المزرعة، ولأن الحدث جرى وغير مستمر، قلنا سنخبره به لاحقاً، وهو مع الملف الذي عند الرئيس لكنه ليس ضمن الأولوية. قال الملك لباول، أسمع عنك أشياء جيدة وأعرفك منذ حرب تحرير الكويت، هل تكذب علينا أم فعلاً حدث ذلك؟ قال لا أجرؤ على الكذب عليك. التفت الملك إلي وقال أخبر الرئيس بوش بأنني أخرجت ما بداخلي وأصبح لديه، واشكرهم على الغداء وأنا مضطر لتوديعه والذهاب للسلام على بوش الأب. ودع بوش الملك وقال له أعدك بالاهتمام بالموضوع شخصياً وسأبلغ بندر بالنتائج لكي ينقلها لك".

وقبل أن ينتقل الأمير بندر إلى ما حدث أثناء زيارة بوش الأب، قال لي : "ولو تذكر حين تحدثنا عن القضية الفلسطينية ماذا كان يقول جورج بوش لي حينما اتصلت أسأله عن مبادرة السلام التي يسعى إليها كلنتون؟ قال لو وجدت شيئاً وقعه رئيس قبلي سأباركه، وإذا لم يكن أمامي شيء سأبدأ من الصفر، ولو تتذكر أيضاً أنه تحدث أن منطقة الشرق الأوسط ليست من أولوياته كذلك…".

الزيارة إلى بوش الأب

بعد الجو المتوتر، انطلقت سيارات الملك عبد الله والوفد المرافق لهيوستن و لمكتبة جورج بوش الأب، ولزيارته وزيارة زوجته باربرا.  يقول الأمير : "وحين دخلنا قال لي بوش الأب : اطلب من الملك أن يطلب من باربرا مسامحة ابنها، وصلنا خبر إغضاب جورج للأمير عبدالله قال فرد الملك عبدالله : هذا طبيعي و يحدث بين الأصدقاء، ثم قال بوش الأب هل تمانع لو اتصلنا بالابن جورج الآن؟ اتصل الملك وقال  لبوش الابن  طلبت مني والدتك مسامحتك ... فشكره بوش الابن، ثم استغل الملك المكالمة وقال: السيدة الفلسطينية التي تعرضت للأذية هي أم لأحدهم أيضًا". ويختم الأمير بندر : "وسأتحدث لاحقأ عن كيف نسفت الجهود التي قام بها الملك عبدالله والسعودية ابتداء من تلك الزيارة  بفعل مجموعة إرهابية لو بحثنا عن ألد أعداء الأمة والدين لن نجد مثلهم".

 

قطر … العلاقة مع الوالد والابن

حين سؤال الأمير بندر عن قطر، انطلق بالسرد طويلاً. وكانت فرصة المقاطعة الوحيدة هي لتأكيد معلومة أو إعادة سؤال عن نقطة. بدأت العلاقة بين قطر والأمير بندر في الستينيات الميلادية، فقد شاءت الصدف أن يدرس اللغة الإنجليزية مع الشيخ حمد بن خليفة والمعروف في الدوحة بالأمير الوالد، وتدرجت العلاقة واستمرت بين مد وجزر، وأحداث متعددة، حتى وصلت إلى لقاء جمعه بأمير قطر الحالي الشيخ تميم بن حمد في 2012.

يقول الأمير : "حمد بن خليفة، أمير قطر السابق المعروف بالأمير الوالد، وحمد بن عيسى آل خليفة، ملك البحرين وأنا و إخوتي الأمير خالد بن سلطان وفهد بن سلطان كنا زملاء في انجلترا. وحمد (أمير قطر) خاله من آل عطية، علي العطية، كان يسافر معه دائما ويحرص عليه، وكان معنا محمد بن خالد بن حثلين. كنا نذهب للسينما ومدن الألعاب سويا، كانت أعمارنا تترواح بين 15 - 16 سنة تقريبا عام 1965 ميلادي هذا ما أتذكره، لأنه بعدها بسنة دخلت كلية الطيران، وكان عمري وقتها 16  سنة وذهبت للمستشفى العسكري في الرياض وغيرت عمري إلى 17 حتى أتمكن من استيفاء جميع الشروط".

 

بعد الغداء في مزرعة بوش الابن، تحدث الملك عبد الله معه عن اعتداء الجندي الاسرائيلي على المسنة الفلسطينية وغضب الملك وقال لي "جهز الموكب" ورفض أن يجلس، وحاولنا تهدئة الأمر.

ويواصل الأمير سرده عن زملاء الغربة : "وكان خال الشيخ حمد بن خليفة لا يرتدي الزي الغربي حتى في إنجلترا، بل يرتدي الزي القطري الشعبي، ووقتها لم يكن الأمير الوالد بضخامة جسمه السابق، وكان يستعد لدخول كلية سانت هيرست، والأمير خالد بن سلطان يستعد لذلك أيضاً، وأنا كنت أجهز لدخول كلية الطيران. وذهب كل منا في طريقه وتخرجنا".

يصف الأمير بندر الصداقة بينه وبين الشيخ حمد بن خليفة بدء من دراسة اللغة الإنجليزية في لندن بأنها "كانت لطيفة"، حتى بدأ موضوع الحكم يراود حمد بن خليفة. ويضيف مسترجعاً الذكريات : "العلاقة كانت متشعبة، وفي الستينات حين كنت ضابطًا في الجوية ذهبت لقطر واستقبلني حمد بن خليفة في المطار، ومكثت في فندق ودعانا في المساء خاله علي العطية. خاله الثاني شقيق علي، اسمه عبدالله العطية، وكان ضابطا، وتخرج إما من الكويت أو البحرين، وكان قائد الجيش، حتى أصبح حمد بن خليفة وزير دفاع...وقتها لم تتغير الرتب العسكرية لديهم، كانت الرتب قائد وكيل قائد الخ .. حتى زعيم ! وكانوا يسمونه الزعيم عبدالله، وحين حضر العشاء أصر أن أبقى ليوم آخر حتى يكرمني بالعشاء".

ويتحدث الأمير أثناء سرده لعلاقته مع حمد بن خليفة، وبدايات العلاقة، عن بساطة التفكير ذلك الوقت ويقول : "ونحن على العشاء، قال لي (العطية): أخوك يا بندر والضباط معه "خبلان". قلت له: يا الزعيم! - وقلتها بتعجب ضاحك على كلمة "خبلان" تابع محمد العطية بعد تعجبي :  يريدون أن ندفع 100 مليون من أجل مواقف لدبابات اشتروها من بريطانيا. وواصل العطية وقال لنا : أملك أرضا للإبل، وبنيت فيها عدة مواقف، يمكن أن نضع الإبل في مكان آخر ونضع الدبابات مكانها. هذا الموقف هو نبذة عن المجتمع الذي كانوا يعيشون فيه، وأسرده كما هو".

 

حمد بن جاسم … الورقة الغامضة !

من الصداقة إلى الورقة الغامضة فجأة، استطرد الأمير بندر حتى وصل للشيخ حمد بن جاسم. يقول : "كان هناك ورقة غامضة في كل هذا، وهو حمد بن جاسم. الشيخ الراحل خليفة تزوج أخت حمد بن جاسم، وعينوه مدير مصلحة الجمارك تقريباً، ورويدًا رويدًا أصبح وزير مالية. الأب في هذه الفترة، خليفة بن حمد، كان يقضي نصف السنة في سويسرا وجنوب فرنسا. وكان يتولى كل شيء، وعيّن ابنه عبدالعزيز وزيرًا للبترول شكلاً. حين عين حمد بن جاسم وزير مالية وحمد بن خليفة وزير دفاع، وجدوا طريقة كي يتخلصوا من عبدالله آل عطية بسبب شخصيته القوية وما يحظى به من هيبة واحترام وهو والد خالد العطية، وزير الدفاع الحالي".

ويتحدث الأمير بندر عن قصة متداولة في الخليج، لكن بإسهاب، وهي عن تخرج وزير الدفاع القطري الحالي خالد العطية من كلية الملك فيصل الجوية في السعودية والخلاف بينه وبين والده ويقول : "غضب محمد العطية من ابنه خالد وطرده، وجاء خالد إلى السعودية وعاش في كنف والدي الأمير سلطان بن عبد العزيز رحمه الله، ودرس في كلية الملك فيصل الجوية، وقبل التخرج، أرسل الأمير سلطان إلى الزعيم محمد دعوة لحضور حفل التخرج بالإضافة إلى رؤساء الأركان في جميع دول مجلس التعاون، ولم يخبره بأن من ضمن الخريجين ابنه خالد وكانت هذه رغبة من الأمير سلطان أن يصلح بين الأب والابن وطلب الأمير سلطان من محمد العطية الجلوس بجانبه، وحين جلس قال له : لدي طلب شخصي منك ، ورد العطية : أنت تأمر لا تطلب، قال الأمير سلطان :  إذًا اطلبوا الابن خالد، وجاء خالد العطية وقال له الأمير سلطان قبّل يد والدك فرفض الأب وبعد شد وجذب صالح الأمير سلطان بينهما. وهذا الموقف هو أحد الأمثلة لأشرح لك كيف كان شكل العلاقة، وأن الإصلاح والتقارب والمودة كانت الأساس قبل وصول حمد بن خليفة للحكم".

الشيخ حمد بن خليفة والشيخ حمد بن جاسم تخلصا من محمد العطية لأن شخصيته قوية، ووزير الدفاع القطري الحالي عاش في كنف الأمير سلطان وهو من أصلح بينه وبين والده بعد أن طرده وجاء إلى السعودية ثم تخرج من الكلية الجوية.

يقول الأمير بندر، أن قطر منذ عقود تريد لعب دور سياسي كبير. ويتطرق لفترة فتور العلاقات بين السعودية ومصر في فترة الملك فيصل وجمال عبد الناصر ويكمل سارداً : "ظن القطريون أن بإمكانهم لعب دور الوساطة، وهذا غريب طبعاً. حمد بن خليفة وقتها ذهب إلى مصر وتلقى دورة لا أعرف ماهي، وبدأ يلتقي بمصريين من الإخوان المسلمين متنكرين كمثقفين، وكان حمد بن جاسم صديقاً لهذه المجموعة. وهذه قصة جانبية أيضاً، ولكن قد تكون هذه شرارة تأثر القطريين بالإخوان المسلمين".

ويعود الأمير بندر للحديث عن الشيخ حمد بن خليفة والشيخ حمد بن جاسم، ويقول : "ومن القصص على بداية العلاقة بين حمد بن خليفة وحمد بن جاسم، أن حمد بن خليفة طلب ميزانية إضافية لوزارة الدفاع، واستغرب والده الطلب، لسبب أو لآخر. حمد بن جاسم أقنع حمد بن خليفة وقال له: أنت طلبت الميزانية والأمير لم يوافق، وبدأ حمد بن خليفة يقول هذا صحيح والوالد مشغول عنا، فقال له حمد بن جاسم، أن يقترح على والده خليفة بن حمد أن يستريح ويأخذ منزلاً في سويسرا أو جنوب فرنسا، وإذا وافق، نقول له ولي العهد يصبح رئيس وزراء أو وزير دفاع، وأنا وزير مالية، وحين تأمرني أدفع ولست بحاجة للذهاب لأمير البلاد. الأب رفض الفكرة، فكرروها عليه، وقال أنا موافق على الاقتراح وعلى مجلس الوزراء وعلى كل شيء إلا على المالية والبترول. وهنا بدأ التحضير لإزاحة الوالد. فإما أن يتحكم حمد بن خليفة بالبترول والمالية حتى ينفذ كل الأفكار الجديدة التي بدأت تطرأ عليه أو لا شيء.". ويقول الأمير بندر أن هذه من خفايا الإزاحة للأمير الراحل خلفية بن حمد.

 

الخلاف على جزر "حوار" وحزم الملك فهد

الخلاف القطري البحريني على جزر حوار، ممتد من عقود وحسم بتحكيم دولي، لكن مواقف حدثت جعلت الرياض تقف إلى جانب البحرين، وتطلب من قطر وقف التجاوزات. ويحكي الأمير بندر أن الأمير الراحل الشيخ خليفة بن حمد تعهد للملك فهد بعدم حدوث أي مناوشات حول الجزر، حتى يتم الاتفاق. الأمير الوالد في قطر الشيخ حمد بن خليفة كان ولي عهد آنذاك، يقول الأمير بندر عن تلك الحادثة : "وفجأة، أبلغنا البحرينيون أن الجانب القطري بدأ يردم البحر لإرسال تعزيزات حماية وردم فأمر الملك فهد الأمير سلطان بن عبد العزيز بأن تذهب طائرة سعودية وتستطلع ما يحدث، وتبين فعلاً وجود طابور طويل من الشاحنات ينقل الرمل لردم البحر. غضب الملك فهد وقال للأمير سلطان الآن تذهب وتبلغ قطر أن يتوقف الردم خلال 24  ساعة، وتأتي جرافات لإزالة ما فيه، وإذا لم يتم ذلك أرسل طائرات لإزالة كل هذا واضرب المطار وأغلقه". وحسب الأمير بندر، كان التوقيت سيئاً ولم يتوقع الملك فهد أن يأتي من دولة شقيقة هذا التصرف، خصوصاً بعد التعهد بعدم تحريك أي أمر في هذا الملف حتى يتم الصلح أو الاتفاق.

يكمل الأمير بندر : "كنا جميعا وقتها في روضة خريم المنتزه البري الشهير، وقال الملك فهد: أنت يا سلمان - مخاطبا الملك سلمان أمير الرياض آنذاك -  أبلغ الأمير عبدالله بالاستعداد - رئيس الحرس الوطني و ولي العهد آنذاك - ، وأنت يا بندر اذهب إلى البحرين وكن على اتصال معنا. أول ما وصل الخبر للقطريين، بعد أن أقلعت الطائرات من الظهران، وشاهدتها "أجهزة الرصد" القطرية، اتصل الشيخ خليفة بالملك فهد فلم يرد عليه، وطلب ولي العهد فلم يرد - يقول الأمير أن هذا كان في الفترة ما بين آخر قمة خليجية قبل حرب الكويت حتى حدوث الحرب - لأنني أتذكر في قمة خليجية للتصويت، قام الشيخ حمد بن خليفة ووالده جالس في القمة وقال قطر ليست موافقة على موضوع الكويت وتحريرها بعد. التفت الملك فهد وقال: من يتحدث؟ وقف حمد بن خليفة وقال أنا طال عمرك، لن نتفق حتى نحل موضوع جزر "حوار".

ويعود الأمير لقصة ماحدث بعد إقلاع الطائرات السعودية وتفهم الجانب القطري معنى إرسال السعودية إشارة تحذير جدية، وبعد محاولات اتصال عدة يشرح بندر بن سلطان : "الشيخ خليفة بن حمد تحدث مع ولي العهد، قال أريد أن أقوم بزيارتكم عاجلا، لم يعطه  الأمير عبدالله إجابة وقال لا أعتقد أن الملك فهد سيقبل باللقاء، قال أعطوني الإذن لإرسال حمد بن خليفة ولي العهد ووزير الدفاع، ومستعدون للقبول باقتراح المملكة. وكان اقتراح المملكة هو تشكيل لجنة ثلاثية تضم قطر والبحرين ومحكّم ثالث، السعودية أو جهة دولية، ويناقش الخلاف (بشأن جزر "حوار") ويشترط القبول بالنتيجة، وإذا لم توافق قطر يلجأ الأطراف إلى محكمة العدل الدولية، قال له الأمير عبدالله سأستأذن الملك فهد وأعود ، وقال الأمير للملك بما أنهم عرفوا أن المسألة جادة، لا أعتقد أننا سنخسر لو قمنا باقتراح الحل. وافق الملك فهد وهدأ الموضوع".

 

حمد بن خليفة في روضة خريم

وجاء الشيخ حمد بن خليفة إلى السعودية، وكان في المقابلة الملك فهد والأمير عبدالله والأمير سلطان، ويرافق حمد بن خليفة بعض المسؤولين القطريين. يقول الأمير بندر : "وفي الاجتماع، نقلاً عن الملك عبدالله شخصياً لأنني لم أكن معهم، قال حمد بن خليفة: الوالد أوصاني لك يا فهد، نحن موافقون على شروطكم، لكن يا فهد، أنتم لستم وسيطا عادلا. وقام حمد بن خليفة يكرر يا فهد يا فهد ... كان الملك فهد يلتفت إليه ولا يرد، والتفت الأمير عبدالله إلى الشيخ حمد بن خليفة وقال له: أنت تقول يا فهد؟ كيف تتجرأ، قل يا عمي يا سيدي....". حاول الشيخ حمد التهدئة وقال أنا منكم وولدكم وأخطأت. وهدأ الموضوع. وانتهى الرأي أن يذهبوا للمحكمة. ومن ثم عقدت القمة الخليجية، والتي فيها قام حمد بن خليفة وقال أنه ليس موافقاً على التصويت على موضوع تحرير الكويت حتى يتم النظر في جزر حوار، حينها سأل الملك فهد من يتحدث وإذا بالشيخ حمد يقف ويقول أنا طال عمرك، وخرج الملك فهد من القاعة متجاهلاً ما قاله الجانب القطري ولحق به الشيخ زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الراحل وطلبه أن يعود وعاد. وجاء حمد بن خليفة وقبل رأسه واعتذر. صحيح أن هناك قوة قطرية شاركت في حرب الخليج، إلا أنه خلال تلك الفترة وبعد هذه المواقف، بدأ تخطيط حمد بن خليفة لإزاحة والده، وبدأت أهدافه بتضخيم دوره السياسي".

 

ويذكر الأمير بندر قصة جانبية، وهي أنه بعد إزاحة الشيخ حمد لوالده من الحكم، جاء رئيس الوزراء القطري ووزير خارجيتها الأسبق الشيخ حمد بن جاسم إلى السعودية وطلب منها عدم استقبال الشيخ خليفة. رفضت الرياض ذلك، بل إن الملك فهد - حسب رواية الأمير بندر - قال إنه سيستقبله اسقبالاً رسمياً ويسكنه في قصر الضيافة وقال لمن كانوا متواجدين بمن فيهم حمد بن جاسم : "قبل أسبوع كان أمير قطر والآن أصبح عدواً؟". فرد الشيخ حمد بن جاسم بأنه لا مانع، لكن عدم إظهار ذلك في الإعلام، فكان الرد من الملك فهد بالاستقبال الرسمي وإسكان الشيخ خليفة في قصر الضيافة وبث الاستقبال على القناة السعودية الرسمية.

 

حمد بن جاسم وقصة القاعدة الأميركية

يستذكر الأمير بندر بن سلطان، قصة مع الشيخ حمد بن جاسم، حين كان الأمير سفيراً لبلاده لدى واشنطن. ويقول إن وزير الخارجية الأميركي في عهد الرئيس جورج بوش الأب، جيمس بيكر، اتصل به وقال أريدك في موضوع، ويضيف الأمير : "القصة أن حمد بن جاسم مثلاً، وهذا من المواقف التي بينت لنا أن ما يسمى بـ "الحمدين" وهما الشيخان حمد بن خليفة وحمد بن جاسم، بدءا يفكران بالتمرد على البيت الخليجي. ذهب بن جاسم إلى واشنطن وطلب من جيمس بيكر رأيه في استعداد الدوحة لاستضافة القوات الأميركية في الخليج بعد انتهاء حرب تحرير الكويت، ومن سوء تدبير حمد بن جاسم أنه ظن أن بيكر سيخفي الأمر. قال له إن قطر مستعدة لاستضافة قواتكم وتجهيز قاعدة عسكرية وندفع مبلغاً سنوياً لكن بشرط لا تخبروا السعوديين". ويتوقف الأمير ضاحكاً ثم يكمل : "ضحك بيكر من طلب حمد بن جاسم وقال له هذا ليس اختصاصي بل من اختصاص وزير الدفاع. خرج بن جاسم، وفورًا اتصل بي جيمس بيكر وقال: إذا لديك وقت قم بزيارتي، فزرته. جلست وقال لك عندي سر وأريد إخبارك به. مازحته ووضعت يديٍّ على أذنيَّ، وقلت له غير متقبل لأي أسرار إضافية، لدينا من المشاكل ما يكفينا. قال: جاءني حمد بن جاسم ثم أخبرني بما دار بينهما".

 

يكمل الأمير : "كان تفكير القطريين أن أي مكان فيه تواجد أميركي لا يمكن المساس به، وإذا كان هناك ضمانة مثل هذه، يمكن تنفيذ أي سياسة خارجية نريدها. واستغرب بيكر وقال لا أعرف كيف يفكر هؤلاء، وطلب مني بيكر عدم إخبار أحد حتى يتصرف".

ويواصل الأمير بندر : "قال بيكر لي : أخبرت الرئيس بوش وديك تشيني واتفقنا أن أبلغ حمد بن جاسم إنه لا داعي للانتظار لأن الجميع مشغولون بالانتخابات، وكذلك نحن نتظر رد السعودية لو كان لديهم اعتراض. ضحكت من تصرف بيكر، وقلت له "فشلتوا الرجال"، كان رد بيكر عن تصرف القطريين : "أغبياء دعهم يتعلمون". انتهى لقائي مع بيكر، واتصل بي عبدالرحمن بن سعود آل ثاني سفير قطر في واشنطن حينها. وقال لي معالي وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم يريد زيارتك، قلت له يتفضل. لكن توقفت وفكرت أنه إن جاء هو لن أستطيع أن أنهي اللقاء، بينما لو ذهبت أنا إليه أستطيع التحكم بالوقت".

في هذه الأثناء، لم يكن يعرف حمد بن جاسم أن لدى بندر بن سلطان تفاصيل الطلب الذي تقدمت به الدوحة للخارجية الأميركية ويكمل الأمير القصة : "قلت للشيخ عبد الرحمن بن سعود آل ثاني عن طلبه له : أنا سأزوره، وذهبت ووجدت حمد بن جاسم ومعه سفيرهم في أميركا. وبدأ يفاتحني بالموضوع وكأنني لا أعرفه، وقال هناك موضوع حساس وطلبت مني القيادة القطرية أن أخبرك كي تخبر الملك فهد والأمير عبدالله والأمير سلطان".

عض الأمير على شفتيه، وبدت علامات السخرية على وجهه، ثم أكمل : "قلت له .. يا حمد، أليس من الأسهل أن تذهب من الدوحة إلى السعودية وتخبرهم بدل قطع كل هذه المسافة لتخبرني لأخبرهم أنا؟ ثم قال لي الموضوع متعلق بالأميركيين، وكانت هذه المحادثة في جناح حمد بن جاسم في فندق الـ"فور سيزون" في واشنطن. وقال لي: عرضنا على الأميركيين إذا أرادوا وضع طائرات حربية عندنا لحماية المنطقة كاملة فقطر مستعدة، ولا يهمنا انتقادات الباقين كما فعلنا في علاقاتنا مع إسرائيل وغيرها. قلت له فقط؟ قال نعم فقط ! قلت له بيكر اتصل بي أمس وأخبرني بكل شيء … قال لي حمد بن جاسم: أمس ؟ قلت نعم، وحين أخبرته كنت أود إيصال رسالة له أنه لا فائدة من اللعب خلف ظهرنا مع الأميركيين أو أي قوة أخرى في العالم".

 

سألت الأمير بندر هنا، عن دقة تواريخ القصة، حيث إن العلاقات القطرية - الإسرائيلية رسمياً بدأت في 1996 بعد افتتاح المكتب التجاري الإسرائيلي في الدوحة وزيارة رئيس الوزراء شمعون بيريز إلى قطر، فقال إن العلاقات بدأت مباشرة بعد مؤتمر مدريد عام 1991 وهو ما أثار جلبة على قطر حينها.

ويبدو من سرد الأمير للتفاصيل، أنه كان متذمراً بسبب سوء التوقيت، ويضيف : "قلت له حمد توقعت أن تخبرني شيئا جديداً! قال لا هذا … قلت سبقك جيمس بيكر وأخبرني بالتفاصيل، وبصراحة بودي أن أقوم بواجب الغداء أو العشاء معك لكنني منشغل جداً هذا الأسبوع. وقال إذا أتكل عليك تبلغ "طوال العمر" في السعودية ؟! قلت له اقترح عليك أن تبلغ الأمير سعود الفيصل وهو يخبرهم، فهو نظيرك في العمل ولست أنا".

ويستشهد الأمير بقصة بين الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز حين بدأت قطر بزيادة تصرفاتها المناوئة لسياسات مجلس التعاون لدول الخليج. يقول : "الملك عبدالله في إحدى المرات قال للشيخ حمد بن جاسم، ما بكم دائماً تخالفون آراء الإخوة والأشقاء، أنتم مثل القزم الجالس على كرسي أكبر منه، فأجابه حمد بن جاسم : معك حق، ولو لم نصرخ لن ينتبه أحد أننا على الكرسي الكبير".

 

زيارة بندر بن سلطان إلى الدوحة في 2012

من أوائل المتصلين على الأمير بندر حين أعلن تعيينه رئيساً لجهاز الاستخبارات السعودية في 2012 كان الشيخ حمد بن خليفة، وبارك له ثم قال له : "الله يعين المنطقة عليك". زار بعدها الأمير قطر ويقول : "وزرت قطر، وكان هناك الشيخ تميم ورئيس الاستخبارات القطرية. الزيارة كانت في العام 2012، قبل تنازل حمد لتميم. وكان نصف الزيارة عمل ونصفها ودي. الجزء العملي كان يتعلق بسوريا، قبل أن أتولى الاستخبارات كان هناك اتفاق بشأن غرفة عمليات في تركيا فيها السعودية وقطر وآخرين لكن حدث بها ماحدث . وعندما توليت الجهاز تقرر إقامة غرفة عمليات في الأردن فيها السعودية والإمارات وآخرين".

يواصل الأمير سرد تفاصيل زيارته للدوحة. استأذن الأمير الوالد من الأمير بندر، وقال له إنه لا يشعر بصحة جيدة بسبب مرض السكر وأن لديه نظام غذاء معين ويطلب من الأمير قبول دعوة الشيخ تميم للغداء ويكمل بقوله : "لهذا أرجوك يا بندر اعذرني أنا أتبع نظاماً غذائياً والأمير تميم يدعوك للغداء. قلت له لا يحتاج هذا الأمر، وأنا أول مرة أرى تميم، بالعادة أرى أخاه الأكبر، رد علي: لا ما عليك سيعجبك الولد، ومازحته قائلا "إن شاء الله ما يطلع على أبوه". خرجت ووجدت تميم ينتظرني، وذهبنا لصالة الطعام، وكان الحديث عاماً. واتصلت بحمد بن جاسم لاحقاً وقلت له سألت عنك ولم أجدك، قال كنت مصاباً بالانفلونزا. وبعدها تم تعيين الأمير تميم أميرًا بعد تنازل والده".

 

قمة الرياض بعد الأزمة الخليجية الأولى

بعد أشهر من وصول الشيخ تميم للحكم، ودعم قطر المتصاعد لجماعة الإخوان المسلمين ودورها في أحداث الربيع العربي، واضطرار السعودية والإمارات والبحرين لسحب سفرائها من الدوحة اعتراضاً على سياسات الدوحة، عقدت القمة الخليجية التي دعا إليها الملك عبد الله في الرياض في عام 2014. يقول الأمير بندر عما دار خلف الكواليس : "قال تميم للقادة لا تحاسبونني على ما حدث قبلي. والقصة هي أن الملك عبدالله تحدث في القمة وقال له يا ابني نود معرفة سياساتك وهل هي مشابهة للسياسات القديمة وسياسات والدك، وأنت هنا بين آباء وإخوة، تحدث بما تريد، نحن أعددنا اللجنة الوزارية وقاموا بتحضير اتفاق من عدة نقاط والجميع وافق عليها، هل قرأتها؟ قال الشيخ تميم نعم، قال الملك عبد الله هل أنت موافق عليها؟ رد أمير قطر بالإيجاب ورد عليه الملك عبدالله: الله يبشرك بالخير. وفجأة قال تميم بس طال عمرك، فقال الملك عبدالله عندها: فيها بس!".

 

لا أرى المصالحة مع قطر ولا أميل لها، وهذا رأيي الخاص بي والشيخ محمد بن زايد أنقذ الشيخ تميم من مواجهة عاصفة مع الملك عبد الله وقال له : لا تخسر السعودية.

شعر الوفد الإماراتي، وتحديداً ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد أن الاجتماع قد يخرج عن مساره بسبب تراجع الشيخ تميم، ويروي الأمير بندر ما حدث مكملاً : "كان الوفد الإماراتي برئاسة الشيخ محمد بن راشد، ويرافقه الشيخ محمد بن زايد. وقام الشيخ محمد بن زايد إلى الشيخ تميم وهمس في أذنه ثم عاد إلى كرسيه، وقال الملك عبدالله رحمه الله "طحنا في الهمس"، قال تميم بودي أن أقول شيئاً: أنا معكم، لا تحاسبوني بما حصل قبلي، حاسبوني على كل شيء من وقت استلامي للحكم وما بعد ذلك، وبحول الله لن أشذ عن رأي الإخوان والجماعة. وحين خرجنا من القمة، طلب مني الملك أن أسأل الشيخ محمد بن زايد عن ما حدث والهمس، وسألته: أبو خالد ماذا هناك؟ قال: قلت له اسمع كلامي يا تميم، لا تمزح مع عبدالله ولا تخسر السعودية إذا كان لديك ملاحظات على الاتفاق قلها له الآن، وإذا لم يكن لديك أي ملاحظات وافق ولا تعترض عليه".

 

يحكي رئيس الاستخبارات السعودية السابق الأمير بندر، أن سبب غضب الملك عبد الله على قطر هي ادعاءات الدوحة المتكررة سراً وعلناً أن المملكة تفرض عليهم قيوداً وشروطاً وأن قطر دولة ذات سيادة ويضيف الأمير :"نحن نقول لهم نحن مجموعة واحدة في مجلس التعاون، واسمه "تعاون" وهدفه التعاون، وهذا يعني أن كل دولة لديها سيادة، لكن لا تقوم بأي عمل يضر بالآخرين. نحن لم نضع أي شروط، الوزراء اجتمعوا ووضعوا النقاط واتفقوا عليها، والملك سأل أمير قطر أمام الجميع هل قرأتها هل أنت موافق؟ وأجاب بالإيجاب. ولم يطلب من قطر أي شيء سوى تنفيذ ما وقعت عليه، وإذا لم تستطع فعل ذلك فيعني أننا لا نستطيع أن نقيم علاقات طبيعية معها".

 

قطر والإخوان المسلمون

يقول الأمير بندر، إنه ليس متأكداً من أقنع الآخر، لكن إما الشيخ حمد بن جاسم أقنع الشيخ حمد بن خليفة أو العكس بالشيخ يوسف القرضاوي، الداعية الإخواني الشهير، والقرضاوي هرب قديماً من مصر إلى السعودية، ثم أخرجته السعودية، ويبدو أن حمد بن جاسم بدأ يتساءل : لماذا لا يستضيفون القرضاوي وتستفيدون منه ويصبح حلقة الوصل مع جماعة الإخوان في كل أنحاء العالم. يسرد الأمير بندر القصة : " أرادوا أن يكون هو حلقة الوصل مع الإخوان في جميع أنحاء العالم، لا سيما أن التنظيم ليس حزباً تستطيع أن تتفق أو تختلف معه، بل منتشر في كل مكان وله سياساته وطرقه، يشبه أحزاب إيران وتحديداً حزب الله. ولماذا أقول أن الجماعة كيان منتشر وغير ثابت، لأن لهم خططاً واستراتيجية، وانتشاراً، وحين يبايعون يكون الأمر في الظلام. وحين تم طرد الإخوان من مصر وسوريا وغيرها استضافتهم السعودية، وبدأوا بالانتشار والتغلغل، وأول بوابة لهم كانت في وزارة التعليم، بدأوا بالتغيير في المناهج رويداً رويداً. مثلاً، في منهج معين  يغيرون سطراً، وفي العام المقبل سطرين، وهكذا حتى قاموا بتغيير المناهج كاملة بحسب ما يوافق هواهم. وكان هذا خطأ منا، وحين حدثت حادثة جهيمان (حادثة الحرم المكي 1979 )، لم نبحث عن الخلل، وبعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بدأنا نحاسب أنفسنا ونراجع ما نحن فيه  لأننا كنا نرى أخطاء الآخرين ولا نرى أخطاءنا".

ويتوقع الأمير بندر أن تكتوي قطر بدعم الجماعات الدينية مثل الإخوان وغيرها، في أي لحظة، ويكمل عن خطأ السعودية القديم الذي لم تستفد منه الدوحة : "حين حصلت حادثة  11 سبتمبر جاء وقت المراجعة الجادة، وفتشنا في كتبنا ومناهجنا وبدأنا نستغرب من تطرف بعض ما ذكر في المناهج والذي لا علاقة له بالإسلام وسماحته".

يكمل بندر بن سلطان حديثه عن قطر، وأن حساباتهم خاطئة ويقول : "القطريون يعتقدون أن ثلاثة أشياء تجعل من قطر صاحبة شأن عظيم، الأول والأهم التواجد العسكري الأميركي فيها، الثاني الدعم واستخدام المصالح المتبادلة مع التنظيمات الإخوانية في العالم. والثالث، الإعلام. والجميع يعرف قصة إغلاق رخصة بث الـ"بي بي سي" عربي حين أغلقت وكان ترخيص تشغيلها لشركة سعودية، اشتراها بعد ذلك  حمد بن خليفة، وصار فيها بعد شراء قطر لها كل من هب ودب من اليسار المتطرف إلى اليمين المتطرف... و لو لاحظت لم أقل إن البترول والغاز من أهم الركائز في سياسات قطر، لأن البترول والغاز ليسا حكراً على أحد، ولا يمكن التلاعب بهما في العالم مع تغير المعادلات السياسية".

يواصل الأمير بندر، مستطرداً وضارباً الأمثلة عن سياسات قطر بقوله : "أميركا مثلا كانت تستورد ثم أصبحت تصدر النفط، الغاز الروسي مثلا متوفر وروسيا الآن تمد أوروبا وغيرها بأنابيب غاز. في أي لحظة يهتز الوضع في الخليج العربي ومضيق هرمز وغيرها، انتهى دور قطر من ناحية الغاز والبترول، إلا إذا أرادت مد أنابيب عبر إيران ومن إيران للعالم، وأتذكر أنهم كانوا يريدون مد أنبوب غاز من قطر إلى الكويت ورفضنا، ولا يستطيعون مد الأنبوب إلى إيران في ظل وجود القاعدة الأميركية. وأعود للركائز الثلاث، والمضحك في الأمر أن أمير قطر الحالي لا يوجد لديه خباثة والده، لكنه ورث منه العناد، وأن تكون عنيداً دون دهاء فلا قيمة من ذلك. لدي إحساس مما أرى أنه ليس مسيطراً على الأمر بشكل كامل، وأن حمد بن خليفة وحمد بن جاسم خلفه وهما من يتوليان إدارة الشأن العام والسياسي في قطر. وكأنهما يقولان نفعل ما نفعل، وتميم في الواجهة".

 

هل يميل الأمير  إلى المصالحة مع قطر؟

هل يرى الأمير بعودة العلاقات مع قطر؟ حين سألته، شدد أن هذا رأيه الشخصي لا رأي الحكومة السعودية، وقال أنا خارج العمل ورأيي يمثلني شخصياً. يتحدث الأمير مجيباً على السؤال : "وجهة نظري، وأنا خارج العمل الوظيفي الحكومي، ورأيي يمثلني شخصياً، أعتقد أنه من الخطأ إعادة الأمور إلى ما كانت عليه مع قطر إذا لم تلتزم بما اتفق معها عليه، وأتوقع أن قطر إن طارت أو وقعت هي قطر، ولا يغترون بالتواجد الأميركي عندهم (الأميركيون)، أكبر قاعدة في الشرق الأوسط كان اسمها "ويلس" في ليبيا، وحين حدثت الثورة والانقلاب في ليبيا، ذهب أحد الضباط الذين قاموا بالثورة إلى القاعدة الأميركية، وحين هم بالاقتراب حذره الأميركيون من ذلك فرد الضابط الليبي بأنه جاء ليخبرهم أنهم نفذوا انقلاباً على الملك الليبي قال الأميركيون لهم هذا شأن داخلي المهم أن لا يقترب أحد من القاعدة، والقصد هنا، أن تضخم الوهم لدى الدوحة أن القاعدة الأميركية هي لحماية قطر، ولا يعرفون أنها لحماية مصالح واشنطن والتحرك من أجلها، ولهم في ما حدث بليبيا عبرة حين كانت قاعدة ويلس هي الأكبر في العالم، ولم تحم الملك من الانقلاب".

ويقول الأمير بندر، إن على القطريين التفكير أن السعودية باقية في مكانها، وقطر كذلك، أما الأميركان وتواجدهم العسكري فقد يبقى في المنطقة أو لا يبقى، ولا يوجد ضمانة لدى القطريين إذا كانوا يربطون الضمانة بالقاعدة الأميركية ويواصل : "يضخمون مثلاً من دور تركيا في الدوحة، الحقيقة أن تركيا ليس لديها المقدرة والصلاحية العسكرية والسياسية كعضو في الناتو إلا أذا أخذت بعين الاعتبار التزاماتها واتفاقاتها مع الناتو، و تواجد تركيا في قطر هو تواجد أمني، وقبلهم كان السودانيون وقبلهم اليمنيون وقبلهم السعوديون. والتواجد التركي أمنيا وليس عسكرياً، وما يحاولون التلويح به من ضمانات أميركية لهم بوجود القاعدة أو وجود تركيا هو وهم".

وسألت الأمير مرة أخرى، ماهي الأزمة مع قطر، فرد أن أزمة قطر قبل كل شيء هي أزمتها مع نفسها وقال : "قطر أزمتها هي أزمة انفصام في الشخصية، وأتذكر مستشرقاً صديقاً لي يقول: قطر مصرة أن تصبح آل أول وأنتم مصرون أن يبقوا آل ثاني، قلت له معك حق في هذا. مما لا شك فيه أنه من المؤلم أن نرى الوضع يصل إلى ما هو عليه مع دولة خليجية مثل قطر، والعلاقات العائلية مترابطة، نصف قطر في الأحساء والمنطقة الشرقية، لكن يقال ماذا دفعك إلى السيء قال الأسوأ منه. وندعو لقطر بالهداية، لكن الهداية ليست بأي ثمن، لأن ما يقومون به ليس جديداً، ولأننا تفاءلنا بالعهد الجديد الذي أكده تميم لكن النتيجة جاءت مختلفة".

 

قصة من حرب الخليج

سألت الأمير مجدداً عن المعلومة التي أوردها أعلاه عن الشيخ حمد بن جاسم ووزير الخارجية الأميركي في عهد الرئيس جورج بوش الأب جيمس بيكر، وعن تفاصيل إضافية، قال الأمير قبل أن يسهب في التفاصيل : "حتى إيران التي كانت تكن لنا العداء بسبب دعمنا لصدام ضدها لم تفعل ما فعلته قطر حين كانت تخطط لاستضافة القاعدة الأميركية أو تطلب مناقشة موضوع هامشي مثل جزر حوار قبل الحديث عن تحرير الكويت".

يقول الأمير بندر عن موقف الإيرانيين من حرب الخليج الثانية كما تسمى، أو حرب تحرير الكويت : "كنا في نيويورك أثناء الحشد للقرار الأممي لتحرير الكويت، والتقينا مصادفة بعلي أكبر ولايتي وزير خارجية إيران وقتها وقلت له سنقوم بتحرير الكويت، وطلبنا من الأميركيين والأوروبيين والسوفييت ألا يعارضوا قرار الأمم المتحدة... فما هو موقف إيران؟ قال ولايتي: نؤيدكم 100% ! قال لي الأمير سعود الفيصل هل هذه تقية إيرانية أم تتوقع أن إيران جادة؟ قلت له المنطق يقول إنهم سيؤيدون أي شيء ضد صدام".

ويواصل الأمير سرد القصة : "بعد يومين، وفي مقر الأمم المتحدة سأل صحافي غربي ولايتي هل توافق إيران على إرسال قوات أميركية إلى السعودية لتحرير الكويت، أجاب ولايتي بأن إيران لا تقبل بأي تدخل عسكري في المنطقة خاصة إذا كان من "الشيطان الأكبر". كنت في جناحي في الفندق، وإذ بالهاتف يرن والأمير سعود الفيصل يكلمني وقال: هل ستنام؟ أجبته: أشاهد الأخبار، ثم ذهبت إليه وأطلعني على الخبر وقلت له يبدو أن رأيك في محله، تقية. قلت له على كل حال تحصيل حاصل إن وافق الإيرانيون أم لم يوافقوا لا قيمة لرأيهم، قال الأمير سعود الفيصل: لا، يجب عدم تفويت الفرصة. اتصل الأمير سعود الفيصل بالسفير الإيراني وطلب ترتيب لقاء مع علي ولايتي، فقال له السفير الإيراني إن ولايتي في مبنى الأمم المتحدة".

طار الشيخ حمد بن جاسم إلى واشنطن والتقى بالوزير الأميركي جيمس بيكر وقال له نريد أن نستضيف قواتكم وطائراتكم لحماية المنطقة، ولا تخبروا السعوديين. قال له بيكر بل سنخبرهم وحين قلت للوزير الأميركي أنك أحرجتهم رد : "أغبياء دعهم يتعلمون".

في مبنى الأمم المتحدة في نيويورك، يوجد قطعة من ستار الكعبة أهدتها السعودية للأمانة العامة، اقترح الإيرانيون على الأمير سعود الفيصل أن يكون اللقاء تحت هذه القطعة من الستار ويشرح الأمير بندر ما حدث : "فقلت هل سيصبح اللقاء مقدساً؟ المهم التقينا به وقلنا له كيف تقول لنا أنكم لا تعارضون حشدنا للعالم لتحرير الكويت، ثم تخرج بهذا التصريح؟ قال نحن خائفون أن ينسحب صدام وإذا شعر بأن إيران قد تقف معه بشأن الوجود الأميركي، سيبقى في الكويت، نحن صرحنا بهذا الكلام حتى لا ينسحب ويتم طرده من الكويت. رد الأمير سعود الفيصل وقال هذه سياسة عجيبة غريبة، شكراً لكم".

يواصل الأمير بندر سرد التفاصيل، ويقول إن الرياض لم تكن طامعة في وجود قاعدة أميركية على أراضيها قبل أو أثناء أو بعد حرب الخليج. يؤكد الأمير أنه داخل دائرة الملك فهد بن عبد العزيز، وإخوته ومستشاري الدولة السعودية ورجالاتها كان هناك استشارات مستمرة ويسرد القصة : "كان هناك نقاش في القيادة السعودية وبرأي الجميع واستشارة الجميع، هل نستعين بالأميركيين أم لا؟ وهل إذا جاؤوا سيبقون أم لا؟ وأتذكر الملك فهد رحمه الله بعد ما جاء وزير الدفاع ديك تشيني والجنرال الأميركي هربرت نورمان شوارزكوف  وشرحا التفاصيل، وكنت أترجم، قال لوزير الدفاع لحظة لو سمحت، التفت إلى الملك عبدالله حين كان ولياً للعهد وسأله ما رأيك؟ وسأل الأمير عبدالرحمن بن عبدالعزيز وكان نائب وزير الدفاع، قال موافق، وسأل الموجودين وكلهم وافقوا. الأمير سلطان كان خارج البلاد لإجراء عملية في الركبة. التفت الملك فهد لديك تشيني وقال له: نحن لا نبحث عن المشاكل ولا نشجع على الحروب، وقمنا بجهدنا كله لثني صدام عما فعل وحل الموضوع بسلم، لكن صدام هو من أصر أن نصل إلى هذه النتيجة. يقول ديك تشيني لاحقاً للأمير بندر: "حين بدأ الملك فهد يتحدث بالعربية مع الحضور، بدأت دقات قلبي تتسارع قلقاً، لأننا أخذنا موافقة شفهية منك وبناء على ذلك بدأت طائراتنا العسكرية بالتحرك وخفنا أن يعدل الملك عن قراره ثم نقع في ورطة".

كان الملك فهد يريد ضمانة عدم بقاء الجنود الأميركيين على الأراضي السعودية، ولذا وافق بعد الاستشارة لكنه وضع القيود والشروط، ويتحدث الأمير عن تلك اللحظات : "طلب مني الملك فهد إحضار ورقة وقال اكتب، وكتبت النقطة الأولى، تأتي القوات المسلحة الأميركية إلى السعودية  بناء على طلبنا، ثانيا تغادر القوات المسلحة الأميركية متى طلبنا ذلك، ثالثاً تحافظ القوات المسلحة الأميركية على عادات وتقاليد البلاد وتحترمها ولا تقوم بأي تصرفات منافية لعادات وتقاليد البلد. وقال الملك فهد الآن إذهب إلى قصر الضيافة وأخبر ديك تشيني وقل له أن يوافق عليها وأن يوقع في حال وافق. ويكون لدينا نسخة ولديهم نسخة، وسأذهب أنا لاستقبال والدك في المطار".

الموافقة الشفهية من الملك فهد بن عبد العزيز، نقلها الأمير بندر قبل هذا الاجتماع، وبناء عليه تحركت الطائرات الأميركية وناقلات الجنود، وكادت الورقة التي اشترطها الملك فهد أن تغير من كل شيء وتؤجل وصول القوات الأميركية في حال لم يوقع عليها الجانب الأميركي. يقول بندر بن سلطان عن هذه الورقة وتفاصيل توقيعها : "ذهبت إلى تشيني وأخبرته عن التوقيع، فقال: إذا أتت القوات المسلحة الأميركية أهم نقطة عندنا دائماً هي متى يعود الجنود إلى أهلهم وهذا لا إشكالية فيه، قلت صحيح لكن ليطمئن قلبي، وهذا سياسياً ينفعنا وينفعكم. قال تشيني لا صلاحية للتوقيع عندي وهذه تشبه المعاهدة. قلت له: إذًا أنا آسف إذا لم تستطع سأذهب للملك وأخبره. فأجابني تشيني لماذا يا بندر الطائرات أقلعت وB52  أقلعت، وسنتأخر، هل هذه الورقة مهمة؟ وهل لو لم يتم توقيعها نلغي تحرك الطائرات؟ قلت: نعم. خرج وزير الدفاع واتصل بالرئيس بوش الأب من هاتف مؤمّن، وقال له وقعها. وقعها تشيني وقلت له الأمير سلطان سيصل ويوقعها، وتم ذلك وأعطيت الملك النسخة بعد توقيعها".

 

هل ساهم الأمير بندر في إنشاء الجماعات الإرهابية ومنها "داعش" في سوريا؟

في أواخر 2014، بدأ الحديث عالمياً عن أن السعودية ضخت الأموال والأسلحة والسيارات لتنظيم "داعش" الإرهابي في سوريا والعراق، وأن الأمير بندر كان أحد مهندسي إنشاء جماعات إرهابية جديدة على الأراضي السورية. قال لي الأمير : "قرأت سؤالك"، وكنت قد بعثت إليه قبل الحوار ب 48 ساعة بأبرز المحاور والنقاط التي أريد محاورته عنها، وكان من بينها دوره في حرب سوريا.

وبعد أن سألت السؤال، قال : "على كل حال" ، ثم انطلق بالإجابة وقال : "لا يوجد رجل عاقل يحضر السم ويضعه في كأسه ويشربه ويدعو ربه ألا يموت، لا بل نؤكد أنك ستموت إذا شربت السم. "داعش" سم ليست لنا فقط، بل للدين الإسلامي والعالم. في 11 سبتمبر 2001، كان الرئيس بوش الابن سيلقي خطاباً في الأمم المتحدة ويعلن فيه حل الدولتين بين فلسطين وإسرائيل ويعترف بالدولتين، وجلسنا نعمل على نص الخطاب قرابة 10 أيام، مع وزير الخارجية الأميركي كولن باول ومستشارة الأمن القومي كوندليزا رايس ومدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية جورج تينيت، وهذه نتائج اجتماع المزرعة الذي تحدثت عنه سابقاً والجهود الإضافية التي بذلت، وحين انتهينا من النص الذي سيعلنه بوش، بعد أيام عمل متواصلة وصعبة، وبقيت الموافقة على النسخة النهائية لمسودة الخطاب والتي سيلقيها الرئيس في 12 أو 13 سبتمبر. ليلة 8 سبتمبر، اتصل بي جورج تينيت، وقال إنه استلم رسالة من كولن باول، ويأمل أن نؤجل الاجتماع النهائي الذي سنتفق فيه على الخطاب إلى 10 سبتمبر لأن لدى باول زيارة لبعض دول أميركا الجنوبية. وأعود وأقول لو أننا بحثنا عن أعدى الأعداء للعرب والمسلمين لن نجد من ينجح في تدمير الأمة كما فعل تنظيم القاعدة في 11 سبتمبر وأفسد كل ما تم الترتيب له لخدمة القضية الفلسطينية".

سألت الأمير مرة أخرى، ماذا عن تنظيم "داعش" الإرهابي، ثم أجاب : "أنت يا أخ عضوان تذكرني بالمنطق الإيراني، أو بالمعنى الأصح، بالتبرير اللامنطقي" ، استغربت مقاطعاً : "أنا" ؟ فقال الأمير دعني أشرح لك ما أقصد : " السؤال منطقه إيراني لا أنت"، واستطرد ، "كانت إيران تدعي أنها ضد التواجد الأجنبي لأساطيل الدول في الخليج العربي، وتنسى سبب تواجدها، وللتاريخ لم يكن هناك أي تواجد لأي قوات أجنبية في الخليج إلا سفينة واحدة فقط اسمها (لاسال) كانت في البحرين. وعندما قامت إيران بنشر الألغام في الخليج، مما أدى إلى عرقلة الملاحة الدولية، خاصة ناقلات النفط، قامت الدول مضطرة بعملية ما يعرف بتبديل الأعلام على سفنها ووضع الأعلام لعدد من الدول والتي أرسلت أساطيلها لحماية تلك السفن التي تحمل أعلامها وهذا هو سبب تواجد الأساطيل الأميركية والفرنسية والبريطانية والسوفييتية - الروسية. إذاً، كان هنالك فعل  وهو تلغيم الخليج نتج عنه رد فعل وهو قدوم الأساطيل".

ويعود ويكمل : "دعمنا للمقاومة السورية المعتدلة لم يكن سراً، كانت الاجتماعات علنية في الرياض واسطنبول وعمّان، لوزراء الخارجية ورؤساء الاستخبارات وغيرهم، ومثلما قلت لك، وكان الدعم اللوجستي للمقاومة السورية فقط أي الجيش السوري الحر. كان هنالك في غرفة العمليات ممثلون من كذا دولة ومن بينها السعودية وتركيا وقطر ودول غربية عديدة، وحين توليت رئاسة الاستخبارات، اقترحت فتح غرفة أخرى في الأردن. وكل ذلك علنياً وليس سرياً، وهذا مرتبط بتصريح لوزير خارجية قطر ورئيس وزرائها السابق حمد بن جاسم حين قال إن السعوديين حين شاهدونا أخذنا دور الريادة في سوريا بدأوا بالتدخل، وهو يعرف لماذا تركنا العمل معهم ومع الأتراك ونقلنا تنسيق الدعم عبر الأردن بصفة رئيسية مع استمرار الدعم عبر تركيا".

 

وكان الشيخ حمد بن جاسم قد تحدث عبر قناة قطر في أكتوبر (تشرين الأول) 2017 أن مساعدات الدول للمعارضة السورية كانت تتم عبر تنسيق مشترك وتمر بتركيا، وهو ما يتطابق مع حديث الأمير بندر، وأضاف حمد بن جاسم في تلك المقابلة أنه قد يكون هناك خطأ ما والدوحة دعمت فصيلاً معيناً - مؤكداً دعمهم لجبهة النصرة ونافياً دعم داعش - ويقول الشيخ حمد : "هذا حدث؟ ممكن"، ثم استخدم عبارة "الخندق الواحد".

 

حمد بن جاسم خبير نصف الحقيقة

سألت الأمير بندر عن الملف السوري وعبارة الشيخ حمد بن جاسم، وقال : "هو خبير في الحديث بنصف الحقيقة، وقد سبق أن فعل ذلك في موضوع تسجيلات القذافي الشهيرة، وقال إنهم كانوا يسايرون القذافي".

في مقابلة مع قناة قطر، وهي نفس المقابلة التي تحدث فيها الشيخ حمد بن جاسم عن موضوع الخلاف مع السعودية في سوريا، قال إن جزءاً من تسجيلات القائد الليبي الراحل معمر القذافي مع الأمير الوالد في قطر وابن جاسم صحيحة، وأنها كانت لمسايرة القذافي وقد أطلع الشيخ حمد بن جاسم الرياض حينها على ما حدث وأغلق الموضوع.

هذه قصة سحب ضباطنا من غرفة العمليات في أنقرة واستغرب من يتهم أنني وراء إنشاء تنظيم "داعش" الإرهابي، والدول التي كانت في غرفة أنقرة تعرف أننا كنا نحذر من عربات وأسلحة تصل للمتطرفين بدعم قطري وتركي وكل مرة يتعهد الأتراك والقطريين بعدم تكرار ذلك، ومحاضر الاجتماعات موجودة.

ويفصل الأمير في الإجابة ويقول : "ما حدث باختصار هو أن العالم كان يريد دعم السوريين ضد قمع ووحشية وجرائم بشار الأسد، وقطر وتركيا كانتا تريدان دعم فصائل معينة وتحديداً المتطرفين الإسلاميين، في اعتقاد منهم أن جماعة الإخوان المسلمين ستحكم سوريا بعد سقوط الأسد، وحين يتحدث عن شيء ما حدث، فهو يعرف ما حدث، وقد واجهنا الموجودين في غرفة التنسيق في أنقرة بهذا الشيء وفي كل اجتماع نحذر أن هناك دعماً يذهب لفصائل متطرفة، وحذرنا مراراً وتكراراً، وكان هناك ممثلون من كذا دولة غربية ومنها الولايات المتحدة في جميع الاجتماعات، وأتحدى أن ينكر مكاشفتنا لهم أحد...لاحظنا وتأكدنا من وجود تهريب أسلحة، وأخلينا مسؤوليتنا بسحب ضباطنا من غرفة أنقرة ، وتركنا قطر وتركيا يمولان المتطرفين، ونشرت الصحافة الغربية ذلك وتستطيع العودة لتقرير مفصل في نيويورك تايمز في 2013 والذي حذرت فيه الإدارة الأميركية الأمير الوالد لقطر مما يفعلونه من إمداد المتطرفين بالسلاح في سوريا، وتقارير أخرى عن سحبنا لضباطنا من غرفة عمليات أنقرة والأسباب وهي نفس ما شرحت لك.  وبعد ما حدث وأخبرتك به حصرنا المساعدات والتنسيق عبر الأردن، والتي تحملت كل ذلك مشكورة رغم الحمل الذي تتحمله في استضافة اللاجئين".

مكاشفة غرفة العمليات بوجود تهريب أسلحة للمتطرفين !

يرفض الأمير بندر الاتهام مجدداً، ويقول إنه يتحدى أي ممثل من ممثلي الدول المذكورة والذين كانوا يتواجدون أثناء الاجتماعات الدورية في أنقرة أن ينكروا أن السعودية كانت تحذر كل مرة وتخبرهم أن هناك تهريباً للأسلحة والعربات وغيرها وهذا خلاف المتفق عليه، ويقول : "كان هناك اجتماع دوري لرؤساء أجهزة الاستخبارات للدول المعنية بالشأن السوري وصار في الإمارات وباريس ولندن وتركيا ومن المهم أن نذكر من كان فيه وكان فيه رؤساء أجهزة أميركا وفرنسا وبريطانيا وايطاليا وقطر وتركيا والاردن والامارات والبحرين، وكان مرجع القلق السعودي نابع من تجربة دعم المملكة للمجاهدين في أفغانستان، لأنه بعد أحداث 11 سبتمبر تم اتهامنا أننا من كنا خلف ما يسمى "المدرسة" في أفغانستان أو المتطرفين في أفغانستان، وكنا في أفغانستان نعمل سويا مع الأميركان، واتهمنا زوراً وبهتاناً".

اكتوينا بنار الإخوان المسلمين والجماعات المتطرفة، وأعتقد أن قطر تكرر نفس الخطأ، واتهمنا زوراً وبهتاناً بدعم "المدرسة" في أفغانستان والكل يعرف من كان وراء إنشاءها.

ويكمل الأمير قصة الخلافات : "اتفقنا ألا يدخل أي دعم إلى سوريا من أي شيء، غذاء ملابس دواء أو غيرها، إلا بمعرفة وموافقة كل ممثلي الأجهزة في تلك الغرف. لنكتشف دخول أسلحة وذخيرة وعربات وأموال من قطر و تركيا و بعدم معرفة أو موافقة الدول المذكورة سابقا لك وممثليهم في غرفة العمليات. وعندما يجتمع رؤساء الأجهزة، أقوم بالاعتراض على ما يحدث، ويتعهد الطرف التركي والقطري بالتوقف عن ذلك، لنفاجأ باستمرارهم مرة في تمرير الأسلحة والذخيرة والعربات لفصائل معينة ولمجموعات إسلامية متطرفة في الشمال السوري خاصة، فأعيد وأطرح الموضوع في الاجتماع اللاحق، ومع التعهدات يستمر الوضع كما هو، و هذا حدا بنا إلى سحب مندوبينا من غرفة العمليات في أنقرة وإبلاغ الجميع أننا لا نتحمل تبعية ما يحصل من هناك بل يتحمله الآخرون ذلك".

تواصلت "اندبندنت عربية" مع مكتب التواصل الحكومي بحكومة قطر، عبر البريد الإلكتروني الرسمي المعلن على موقعهم للتعليق على ما ورد أعلاه دون رد. وتم إرسال تذكير مرة أخرى وتحديد مهلة زمنية قبل النشر، ولم يتم الرد.

كما تم إرسال طلب تعليق لمكتب رئاسة الجمهورية التركي، وعلى البريد الإلكتروني الشخصي للمتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين، دون حصول على إجابة.

طلب مني الأمير بندر العودة إلى تسجيل قديم لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في 2009، وفيه يطالب المالكي النظام السوري ورئيسه بشار الأسد بإيقاف إرسال المقاتلين عبر الحدود وكذلك الإرهابيين، ويضيف الأمير بعد ماطلبني العودة للقاء المالكي القديم، ويسرد هنا تطور تنظيم "داعش" حسب ما هو معروف : "بدأ تنظيم "داعش" بدعم من قبل النظام السوري من عراقيين وغيرهم من جنسيات مختلفة، لمهاجمة القوات الأميركية في العراق، وكانت سوريا تسمح بمرورهم، وجلبت مقاتلين من عدد كبير من الدول الإسلامية بما فيها السعودية، والجميع يعرف كيف اكتوينا بنار هؤلاء في داخل المملكة، وكان الجيش الحر حين يلقي القبض على بعضهم يكتشف أنهم يعرفون سوريا جيدا حيث أنهم يرشدون إلى معسكرات تدريبهم على الأراضي السورية، وقبل ذلك بدأ "داعش" على الأراضي العراقية تحت مسمى "الدولة الإسلامية في العراق" إلى جانب فصائل إرهابية أخرى، وحين بدأت الأحداث في سوريا، وسعوا نطاقه الجغرافي واسمه وأصبح "الدولة الإسلامية في العراق والشام" ومختصره "داعش"، ما علاقتي أنا بذلك؟ مشكلة البعض الكسل وأنهم لا يقرؤون ولا يتتبعون مسار نشأة التنظيمات حتى لو كانت واضحة".

ويختتم الأمير حديثه وإجابته عن السؤال : "ثم يا أخ عضوان، ربنا ما شفناه ، بالعقل عرفناه، عندما استولى التنظيم على مناطق آبار البترول في الشمال الشرقي من سوريا جهة القامشلي، واستمر في إنتاج وتصدير البترول، أنا أسألك … كيف يمكن تصدير بترول للعالم من تلك المنطقة؟ إما عن طريق النظام السوري أو عن طريق تركيا أو عن طريق السماء، وأترك الإجابة لكم… ثم ألم تلاحظ أن "داعش" لم يقم بعمليات ضد النظام وإنما عملياته ضد المعارضة، وهنا أترك الإجابة لك".

المزيد من حوارات