"أمبير متروبوليس"... الصالة السينمائية ماتت لكن مشروعها الثقافي حيّ

الأزمة اللبنانية تنعكس سلبا على مرافق الفن... إفلاس وإقفال

صالة "أمبير متروبوليس" موقع الثقافة السينمائية في لبنان (اندبندنت عربية)

أثار إقفال صالة "أمبير متروبوليس" الواقعة في مركز صوفيل في منطقة الأشرفية (شرق بيروت) ضجّة كبيرة في الأوساط الثقافية والفنية. وعلى الرغم من مرور أكثر من شهرين على توقّف كافة نشاطات الصالة المذكورة، أي بعد نحو شهر على قيام انتقاضة 17 تشرين الشعبية، لم يكن أحد على علم بهذه الكارثة التي حلّت بالحياة السينمائية في لبنان. الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي ألقت بظلالها على الواقع اللبناني جعلت الاهتمام بأي شيء غير الأولويات المعيشية، ترفاً لا يملكه المواطن حالياً. في ظلّ انهيار شبه كامل لكل شيء، لم يعد إقفال سينما أمراً مستغرباً.

على الرغم من ذلك، فإن إغلاق آخر متنفس للسينما غير التجارية في بيروت كان له وقع الصدمة على كثر، خصوصاً على الجيل الذي له فيها ذكريات كثيرة، وكوّن فيها ثقافة سينمائية على مدى سنوات. فصالة "أمبير صوفيل" التي افتُتحت عام 1983، قبل ان تتحوّل إلى سينما مخصصة للأفلام "المستقلة" بإدارة جمعية متروبوليس بدءاً من عام 2008، أتاحت للمشاهدين طوال أربعة عقود التعرف إلى أعمال لا تُعرض في المجمّعات السينمائية الكبيرة التي تراعي ذوق الجمهور العريض. هؤلاء المشاهدون شعروا أنفسهم وقد باتوا يتامى، بلا أب وأم، جراء إقفال آخر منبر للسينما المغايرة. 

ينبغي التمييز بين صالة "أمبير صوفيل" وجمعية متروبوليس التي تديرها وتقدّم البرمجة منذ عام 2008. "أمبير" هي أقدم سلسلة صالات في لبنان، وقد احتفلت العام الماضي بمرور مئة عام على تأسيسها. أما صالة متروبوليس فانطلقت قبل يوم واحد من اندلاع حرب يوليو (تموز) 2006. حينذاك انطلقت في مسرح "المدينة" (شارع الحمراء)، إلا أن نشوب خلاف بينها وبين مديرة المسرح، جعلها تنتقل إلى الـ"صوفيل" التي بدت الخيار الأفضل نظراً لموقعها الاستراتيجي في قلب العاصمة. المشروع الذي بدأ كمغامرة غير مكفولة النتائج، استمرت، وعاصرت على مدار سنوات كلّ الأزمات السياسية والخضّات الأمنية في لبنان.

ثقافة التواصل

كانت "أمبير متروبوليس"، علاوة على كونها صالة تنطق بلغات العالم أجمع وتستضيف أفلاماً لسينمائيين أحياء وراحلين، حضناً تسقط فيه الفوارق الاجتماعية والاصطفافات السياسية والاختلافات العقائدية، وذلك أمام متعة المشاهدة وثقافة التواصل وغريزة الفضول. طوال سنوات، تمكّن هذا المشروع الثقافي من إنشاء قاعدة شعبية لا يُستهان بها. تقول مديرة جمعية متروبوليس هانية مروة بأن الجمهور بات مع الوقت يتابع ويتقبّل أكثر من قبل، تنوّعت خياراته. أما الصالة فما عادت تعتمد على جمهور المهرجانات فقط، بل سعت إلى جلب مشاهدين من خارج دائرة عشّاق السينما".

كانت مروة تقول دوماً أنه ينبغي فعلاً أن يقع المرء في غرام بيروت ليجازف في مشروع يحمل الكثير من الأخطار. إلى هذه الدرجة كانت الصالة مرتبطة بهوية المدينة. فمروة أمضت سنوات تبحث عن مكان مناسب لعرض الأفلام قليلة الانتشار يستجيب لحاجاتها. المشكلة التي كانت تعاني منها دائماً هي أن صالات بيروت التي رسمت ملامحها في زمن مضى، أقفلت أبوابها مند نهاية الحرب. تلك التي ظلت صامدة، تحوّلت مراكز تجارية، في حين أن أصحاب الصالات التي كانت لا تزال "تحت نصيبها" ينتظرون مستثمراً ثرياً ليبتاع منهم العقار مقابل ثمن باهظ جداً. أصحاب هذه السينمات القديمة التي لا يمكن إعادة افتتاحها من دون تأهيل وصيانة، لا تعنيهم السينما البتة، ولا يهمّهم حتى سماع أي خطاب عن أهمية وجود صالة مستقلة أو عن ضرورات التنوع الثقافي أو التصدي للعولمة.

نقطة النهاية

صحيح أن الصالة لم تقفل بسبب انتفاضة 17 تشرين، إلا أن الأحداث التي توالت منذ قيامها سرّعت الوصول إلى نقطة النهاية، فاسدال الستارة على معبد هواية السينما الأول والوحيد في لبنان. والأزمة كانت بدأت في أوائل العام الماضي، ما اضطر إدارة متروبوليس إلى إطلاق حملة لجمع التبرعات فقط أسبوعين قبل الانتفاضة، وذلك بعدما كان مصيرها في خطر، وبعدما انعكس تردي الوضعين المالي والاقتصادي على المؤسسات الثقافية التي بدأت تفتقد للدعم والتمويل. لكن الحملة التي كان الهدف منها جمع التبرعات لمواجهة الأعباء وإكمال المسيرة في ظل الشح الذي يعانيه البلد والتباطؤ في تدفق رؤوس الأموال، لم تستطع أن تنتشل السينما من المصير الأسود. 

ضف أن خلافاً بين مستثمر الصالة (الـ"أمبير") وأصحاب الملك (سنتر "صوفيل" المملوك من مصرف عودة) على خلفية تراكم مستحقّات غير مدفوعة، كان القشة التي قصمت ظهر البعير. راحت متروبوليس ضحية هذا الخلاف، أو "فرق عملة" كما يُقال في اللغة اللبنانية المحكية. الصالة باتت تخسر، ولم يعد استمرارها ممكناً، بالنسبة لإدارة الـ"أمبير". لذلك، في ليلة بلا ضوء قمر، ضرب مَن ضرب وهرب مَن هرب. ولكن، على الرغم من هذا كله، وعلى الرغم من الضائقة الاقتصادية الحادة وتراجع الإقبال على السينمات بشكل كبير، تصر إدارة متروبوليس على إكمال المسيرة، وهي تبحث حالياً عن مكان آخر تنطلق منه مجدداً.

يحدث هذا كله في لحظة يسطير فيها اليأس على البلاد، فنبدو معها وكأننا ذاهبون إلى تحقيق المزيد من الخسائر على كل المستويات. وكالعادة، الثقافة هي الضحية الأولى، في دولة تركت هذا القطاع الأساسي والحيوي إلى المبادرات الفردية والتمويل الأجنبي. نشاهد الثقافة وقد غلبها المال وتحقيق المكاسب السريعة في ظلّ سلطة لا ترى أبعد من اللحظة وتحاول مواجهة الاعتراض الشعبي على أدائها السيئ طوال العقود الثلاثة الماضية.

المزيد من فنون