Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بري لاعب "الكرنبول" يصوب على "التكنوقراط" ليصيب "استئثار باسيل"

تضخيم حصة "التيار الوطني الحر" يؤخر تشكيل الحكومة

الرئيس اللبناني ميشال عون ملتقياً رئيس الوزراء المكلف حسن دياب ورئيس البرلمان نبيه بري في القصر الرئاسي في بعبدا (أ.ف.ب)

دخل لبنان كما في كل مرة يكون أمام استحقاق تأليف حكومة، في حالة "كوما" نتيجة الصراع على النفوذ في السلطة السياسية وعلى التحكم بالأكثرية داخل مجلس الوزراء، ما يضيف إلى مأزقه الاقتصادي والمالي والنقدي أسباباً أخرى للمخاوف من انهيار أوضاعه نتيجة تأخير الخلافات السياسية المعالجات المطلوبة لتخفيف الأضرار المعيشية على المواطنين.

وطفت على السطح في اليومين الماضيين مجموعة مواقف تؤشر إلى صعوبات جدية في الاتفاق على الحكومة الجديدة برئاسة حسان دياب، الذي جيء به من الجامعة الأميركية في بيروت التي يشغل فيها منصب نائب الرئيس، على أنه من التكنوقراط، والذي جرى تكليفه بالمهمة في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2019، بعد حصوله على تأييد 69 نائباً من أصل 128، هم من قوى 8 مارس (آذار) الحليفة لـ"حزب الله" ولرئيس الجمهورية العماد ميشال عون ولـ"التيار الوطني الحر" برئاسة صهره الوزير جبران باسيل.

الخلافات المتشعبة

وبرز على السطح ثلاثة أنواع من الخلافات المتشعبة التي عرقلت تأليف الحكومة:

الأول أن رئيس البرلمان نبيه بري طالب بحكومة تكنو سياسية في وقت يردد دياب منذ البداية أنه يعمل لحكومة تكنوقراط. وبرر بري في تصريحات خلال الأيام الثلاثة الماضية موقفه، بأن التطورات في المنطقة بعد مقتل اللواء قاسم سليماني تفرض ذلك، مدافعاً عن مبدأ تمثيل الحزبيين لأن من بينهم اختصاصيين مطلوب توزيرهم للإسهام في إنقاذ الاقتصاد، ومكرراً اقتراحه تمثيل الحراك الشعبي الذي كان وراء الإصرار على الاختصاصيين واستبعاد أي من ممثلي الطبقة السياسية الحاكمة. وذهب بري إلى حد القول إنه "إذا لم يعجبهم رأيي في الحاجة إلى حكومة تكنوسياسية، فليخرجوا حكومتهم كما يريدون... لكني لن أشارك فيها إلا أني سأمنحها الثقة كي لا يُقال إنني أعرقل..."، وفُهم هذا الكلام على أنه ينزع الغطاء عن الحكومة.

النوع الثاني من الخلافات على صيغة الحكومة هو ما تسرب عن أن التشكيلة الحكومية التي قدمها دياب للرئيس عون مطلع الأسبوع من 18 وزيراً، لم تلق موافقته ويريد أن تكون من 24 أو من 30 وزيراً لتوسيع التمثيل. ورفض عون بحسب مصادر مطلعة على موقف الرئاسة، تمثيل وزراء سابقين في الحكومة معترضاً بذلك على تسمية دياب الوزير السابق دميانوس قطار (ماروني) وإيكال حقيبة الاقتصاد إليه بعد أن اعترض الوزير باسيل على توليه حقيبة الخارجية من قبل الرئيس المكلف.

لكن النوع الثالث من الخلافات كان الأهم بنظر الأوساط السياسية وهو ما جاهر به بري في حديثه للصحافيين، عن تباين موقفه مع موقف الرئيس عون، إذ كشف عن أن الأخير، بعد أن كان يؤيد توجه دياب لحكومة تكنوقراط، بعث له رسالة قبل أسبوع، يقترح فيها العودة إلى حكومة سياسية بحجة التطورات الحاصلة في المنطقة، فتمسك بري برأيه أن تكون تكنو سياسية، لكنه كما قال بري، عاد عون بعد ثلاثة أيام وعدّل رأيه وبات يقول بالتكنوقراط. ورأى بري في تصريح نشر السبت أن "ما لم أوافق عليه للرئيس الحريري لن أوافق عليه لحسان دياب"، في إشارة منه إلى رفضه إصرار الحريري حين كانت تجري الاتصالات معه كي يعود إلى الرئاسة الثالثة، على الاختصاصيين التكنوقراط، بحجة إرضاء الحراك الشعبي الذي نادى بإسقاط حكومته لمصلحة حكومة من المستقلين الاختصاصيين.

ما وراء الأكمة وبيان الرئيس المكلف

وعلى رغم من الصمت الذي لاذ به الرئيس المكلف دياب، خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، بحجة انشغاله بالبحث عن مرشحين اختصاصيين، أصدر بياناً ليل الجمعة بدا أنه للرد على بري وعون معاً، متمسكاً بما سماه "اتفاقاً مع الأطراف كافة" على صيغة اختصاصيين غير حزبيين، وبحكومة الـ 18 وزيراً المصغرة، وفصل النيابة عن الوزارة، ومشاركة المرأة بحصة وازنة، وإلغاء منصب وزير دولة. لكن اللافت في بيان دياب قوله إن "الضغوط مهما بلغت لن تغير من قناعاتي ولن أرضخ للتهويل... ولن أقبل أن تصبح حكومتي مكسر عصا". وردّ على تكهنات إعلامية بأن هناك اتجاهاً ليعتذر عن المهمة، مؤكداً مواصلته اتصالاته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ورد عليه وزير الرئاسة سليم جريصاتي نافياً أن تكون رئاسة الحكومة مكسر عصا، ومؤكداً أن "رأي رئيس الجمهورية وقراره وازنان في التشكيلة الحكومية وحاسمان، وليس ساعي بريد أو صندوق الاقتراع في عملية التكليف والتأليف... كفانا حرب صلاحيات ومهاترات ونصرة مزعومة لمواقع في الدولة".

ويقول مصدر نيابي بارز لـ"اندبندنت عربية"، إن هناك افتعالاً لبعض المواقف هدفه التغطية على مكامن التباعد الجوهري في عملية التأليف، وإن هناك مناورات تحصل خلف الحديث عن صيغة الحكومة والتباين في شأنها، تخفي حقيقة الصراعات الجارية، فوراء الأكمة ما وراءها.

صمت "حزب الله"

ويشترك المصدر النيابي البارز مع مصدر وزاري في طرح السؤال عن أسباب صمت "حزب الله" حيال كل ما يجري من تناقضات تؤخر الحكومة، على الرغم من أنه مثل سائر الفرقاء يشدد على ضرورة تسريع إنجازها. ويعتبر المجتمع الدولي تأخيرها عملاً "غير مسؤول"، نظراً إلى إلحاح التصدي للأزمة الاقتصادية المالية. وتتراوح الأجوبة عن السؤال بين الحديث عن تفضيل الحزب ترك المناورات في شأن تأليف الحكومة لحليفه المحنك بري، وبين من يقول إن الحزب منهمك بالوضع الإقليمي وإن هناك تخبطاً لدى الثنائي الشيعي في التعاطي مع الوضع الداخلي، مع ترجيح التفسير الأول لأن الحزب لا يريد الدخول في خلافات مع حليفه الثاني الرئيس عون، الذي يحتاج إليه في ظل المواجهة الحرجة التي يخوضها على الصعيد الإقليمي بعد اغتيال سليماني.

باسيل والثلث المعطل...

لكن المصدر النيابي البارز يوضح أن الرئيس بري المعروف عنه بأنه لاعب "الكرنبول" يجيد ضرب الطابة بالعصا ليصيب طابة ثالثة، وأن وراء مواقفه على امتداد الأسبوع المنصرم الهواجس الآتية:

1-   إن دياب يؤلف الحكومة بالتشاور مع الوزير باسيل الذي يسعى إلى الحصول على الحصة المسيحية الكاسحة من أصل تسعة وزراء مسيحيين في حكومة الـ18 وزيراً، من أجل ضمان الثلث المعطل (سبعة وزراء وإثنان الآخران لتيار المردة بزعامة سليمان فرنجية وقطار سماه الرئيس دياب) فيها للسيطرة على قرارها تحت طائلة تهديد استمرارها إذا لم تلائمه قراراتها، خصوصاً أنه يريد العودة إلى وزارات له مصالح فيها مثل الطاقة والخارجية والاقتصاد والبيئة... على الرغم من نفيه ذلك بتأكيده أن تياره لن يشارك في الحكومة، في وقت يسمي لدياب وزراء تكنوقراط موالين له، ويصر عليهم بدعم من الرئيس عون. بل إن لدى بري شعوراً بأن باسيل يجنح صوب الاستئثار بنصف أعضاء الحكومة من طريق الوزير الدرزي القريب من حليفه طلال أرسلان ووزير سني لتولي حقيبة الاتصالات.

2-   إن دياب يتشاور بحسب بعض الأوساط، مع أحد النواب في عملية التأليف (ضابط سابق في الاستخبارات)، يحرص على افتعال صدامات وإشكالات مع بري، وعلى المشاركة في إدارة حركة الرئيس المكلف من وراء الستار لأخذ دور في عملية التأليف على حساب الآخرين. وسبق بيان دياب بتصريحات عن التمسك بحكومة التكنوقراط.

3-   إن دياب لا يتشاور مع بري في تسمية الوزراء بالقدر الذي يفعله مع الفرقاء الآخرين، وسعى إلى طرح أسماء وزراء شيعة عليه، فيما درج رئيس البرلمان على تسمية وزرائه عند صدور مراسيم التأليف.

4-   إن رئيس البرلمان بات متردداً إزاء دعم صيغة الحكومة نتيجة عدم حصول دياب على التغطية السنية لتوليه المنصب، بدليل استمرار حصول تظاهرات في بعض المناطق ضد تكليفه. وبري كرئيس لحركة "أمل"، حريص على تجنب العودة إلى أي حساسية سنية - شيعية خصوصاً في الظروف الإقليمية الراهنة.

فرنجية والحصة المسيحية

ويضاف إلى ذلك كله تطور مهم، إذ كشف رئيس تيار "المردة" النائب السابق سليمان فرنجية، عن مطالبته دياب بالحصول على وزيرين من حصة "التكتل النيابي الوطني" (خمسة إلى ستة نواب) وعلى حقيبة الأشغال في الحكومة. وقال أحد نواب التكتل لـ"اندبندنت عربية"، إن فرنجية التقى دياب الاثنين الماضي وأبلغه بمطلبه بعدما دعم توزير إحدى السيدات الأكاديميات، مشدداً على الحصول على الحقيبة الوزارية الثانية التي يطالب بها، لأنه لا يجوز أن يهيمن باسيل على الحصة المسيحية. وعلم أن موقف فرنجية هذا جاء بعد تشاوره مع حليفيه بري و"حزب الله". وموقف فرنجية هذا يحول دون حصول "التيار الحر" على الثلث المعطل، خصوصاً أنه أرفقه بالتأكيد أنه إذا لم يؤخذ بمطلبه قد لا يمنح الحكومة الثقة في البرلمان، ما يعني عدم حصولها على الأكثرية المطلقة.

هذه العوامل مجتمعة وغيرها تضع ولادة الحكومة الجديدة في غرفة العناية الفائقة، وكذلك الوضع الاقتصادي، من دون موعد لخروجها منها.     

المزيد من تحلیل