كيف تحول موقف الجزائر من "متحفظ" إلى "منفتح" على تركيا؟

علاقات حكمتها التجارة وملف ليبيا امتحان لها

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مستقبلاً وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو (وكالة الانباء الجزائرية)

يسجل الموقف الجزائري الرسمي في تعامله مع السلطات التركية حالة انفتاح ملحوظة قياساً لتحفظات جزائرية في فترة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، حين كان الوزير الأول السابق أحمد أويحي قائد جوق السياسيين الرسميين الرافضين لتعاطي تركيا مع الملف الجزائري، وعلى الرغم من "انفتاح" الجزائر خطوات إلى الأمام مع أنقرة، إلاّ أنّ رأي مراقبين جزائريين يقول بـ"استمرار هذا التحفظ".

دعوة تبون

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ثالث زعيم أجنبي يهاتف الرئيس المنتخب عبد المجيد تبون لتهنئته بفوزه في الانتخابات، التي نُظمت في 12 ديسمبر (كانون الأول) 2019، بعد كل من الرئيس التونسي قيس سعيّد والملك السعودي سلمان بن عبد العزيز.

ووجه تبون دعوة لأردوغان لزيارة الجزائر، وقد وافق الطرف التركي على ذلك في انتظار تحديد تاريخ واضح لها، وجاءت دعوة الرئيس في سياق مساعي الجزائر لـ"صد" تدخل تركي عسكري مباشر على الأراضي الليبية، مقابل مسعى تركي يعمل على جمع كل الأطراف المؤثرة في ليبيا حول حل سياسي سلمي.

انفتاح أم اضطرار؟

قبل سنوات، نهت السلطات الجزائرية رجب طيب أردوغان عن إقحامها في خلافات بين تركيا وفرنسا، في ما يتعلق بملفات الذاكرة، وكان أردوغان يصفّي خلافات مع باريس بخصوص "مجازر الأرمن"، مستدلاً بـ"الماضي الاستعماري" لفرنسا في الجزائر. وشكّل الوزير الأول السابق أحمد أويحي، أحد أبرز الرسميين ممن خاصموا سياسات أردوغان علناً.

ويتهم كتاب "جزائريون" "نظام بوتفليقة" بإبقاء العلاقات الجزائرية التركية اقتصادية مكبلة بعراقيل، لا سيما في فترة الوزيرين الأولين السابقين، أحمد أويحيى وعبد المالك سلال، لذلك يعتقد كثيرون من المراقبين الجزائريين أن علاقات الجزائر بتركيا سواء في الماضي أو الحاضر، تكتفي بجوانب اقتصادية ولم تكن يوماً علاقة تحالفات سياسية أو إقليمية. ومع ذلك، فقد فتحت الجزائر باب التشاور على مصراعيه مع أنقرة في سياق محاولات الرئيس الجديد عبد المجيد تبون إيجاد منفذ سلمي للإشكال الليبي على الحدود. وكانت تركيا طرفاً مباشراً معنياً بـ"نهي" جزائري عن أي تدخل عسكري مباشر في بلد تشترك معه بحدود برية تقارب الـ1000 كلم.

وبرأي الكاتب الصحافي رضا شنوف، فإن "دعوة تبون لأردوغان لزيارة الجزائر تعكس نوع العلاقات بين الجزائر وتركيا، البعيدة من التشنج أو التصادم حول الملفات التي تعرفها المنطقة وأعني الملف الليبي". لكن شنوف لا ينفي في الوقت ذاته وجود خلافات حول ليبيا بالخصوص، ويشرح لـ"اندبندنت عربية"، أنه "لا يمكن أن نغفل أن للجزائر تحفظات حول الدور العسكري التركي في ليبيا، خصوصاً في ما يخص استعانته بالمرتزقة من سوريا، وهو يغذي مخاوف جدية لديها حول انعكاسات وجودهم على البلاد أمنياً، ولا أستبعد أن يكون جاويش أوغلو قد تناول الموضوع مع الطرف الجزائري وقدم التطمينات اللازمة".

نقاط تلاقي

وبالنسبة إلى الجزائر، يعتقد أن "هناك نقاط تلاقي مع تركيا، بحكم أنهما يعتبران حكومة السراج هي الحكومة المعترف بها دولياً، كما يرفضان أن تسقط طرابلس عسكرياً في يد حفتر، وهذا ما أشار إليه بيان وزيارة الخارجية الجزائرية بقولها إن طرابلس خط أحمر. غير أن الجزائر ترفض الحل العسكري وتدعو إلى توافق ليبي ليبي، وإن كان الدور التركي إلى جانب حكومة السراج يخدم إلى حد ما الجزائر، التي تسعى إلى أن يكون الحل يشمل الجميع ولا يكون هناك منتصر وخاسر عسكرياً".

ويضيف "في نظري، دائماً كانت الجزائر على علاقات منفتحة مع تركيا والتحفظات المرفوعة سابقاً التي عبّر عنها أحمد أويحي، خصوصاً في ما يتعلق بتوظيف أردوغان  الجزائر في أزمته مع فرنسا، لكن اليوم ما يمكن الحكم عليه في عهد تبون أن الجزائر لم تعارض الوجود العسكري التركي فقط، بل كل الوجود الأجنبي، ولم يكن لها رفض قاطع للدور التركي في ليبيا، لا سيما بالنسبة إلى دعمها لحكومة السراج"، موضحاً أنه "في الأيام المقبلة ومع التحديات التي يرفعها الملف الليبي، يمكن التعرف أكثر على حقيقة العلاقات بين الجزائر وأنقرة، وكيف سيكون حجم التعاون وطبيعته".                             

انفتاح تجاري

ومن الشخصيات التي تؤمن بأن علاقات الجزائر بأنقرة لا تحكمها الخلفيات السياسية، وزير التجارة الجديد كمال رزيق، الذي سبق وقال قبل تعيينه في أول حكومة لعبد المجيد تبون عن مستقبل العلاقات الجزائرية التركية، "تركيا تربطها علاقات اقتصادية قوية بالجزائر، مقارنة بباقي بلدان المنطقة المغاربية، إذ تُعتبر الشريك الاقتصادي الرئيس في شمال أفريقيا خارج الفضاء الأوروبي".

ويضيف "الاستثمارات بين البلدين لا تحكمها خلفية سياسية، كما هو الشأن بالنسبة إلى العلاقات الاقتصادية مع دول أوروبية وآسيوية"، ويمثل رأي رزيق موقف قطاع واسع من المسؤولين الجزائريين الذين ظلوا دائماً ينظرون بعين اقتصادية بحتة إلى الملف التركي".

"عسكرة المنطقة"

ويؤمن أستاذ كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية رضوان بوهيدل بأن الملف الليبي سيكون أبرز "مواجهة جزائرية تركية بما أن نهاياته ستحدد طبيعة العلاقات السياسية بين الدولتين"، ويقول لـ"اندبندنت عربية"، إن "موقف الجزائر هو أكثر من متحفظ من محاولة عسكرة المنطقة، بخاصة على حدودنا الشرقية، حيث يعرف هذا الإقليم وضعاً متأزماً منذ 2011 وأي تدخل أجنبي عسكري سيزيد تفاقم الأوضاع وستكون التداعيات وخيمة على الجزائر وتونس بشكل كبير".

ويشرح دواعي ما نقله الرئيس تبون لوزير الخارجية التركي الأسبوع الماضي، برفض قوة عسكرية أجنبية في ليبيا، قائلاً "وجود جيش نظامي أجنبي على الأراضي الليبية مؤشر خطير ومستفز في الوقت ذاته لقوات خليفة حفتر وعدد من المجموعات المنتشرة في ليبيا، ما قد يُحدث تصادمات قد تنقل النزاع بين مجموعات مسلحة إلى حرب شاملة بين دول تمارس الحرب بالوكالة في ليبيا، لصالح قوى كبرى هدفها بقاء الوضع على ما هو عليه".

لذلك، فإن الموقف الجزائري كما يشير بوهيدل، "ثابت والقوى الفاعلة تعلم ذلك، وما تعرفه الجزائر من إنزال دبلوماسي غير مسبوق هذه الأيام هو رد فعل على خطاب تبون الذي أعلن فيه أن الجزائر ستفعّل دورها في طرابلس مستقبلاً، وهو ما استجابت له مختلف الفواعل الإقليمية والدولية في ظل استحالة تجاوز الموقف الجزائري مستقبلاً، بخصوص الملف الليبي بعد ركود دبلوماسي لسنوات".

المزيد من الشرق الأوسط