طهران ترفض "مفاوضات جدية" وترمب يضغط على الاتفاق النووي

تجنب البلدان حربا بينهما الآن ويبقي للدبلوماسية حل القضايا الكبرى بينهما

متظاهر أمام البيت الأبيض بقناع يسخر من ترمب، ويرفع شعارات ضد الحرب على إيران (أ.ب.ف.)

أبدت إيران والولايات المتّحدة عِبْرَ رسائل ديبلوماسية مشفّرة وكذلك بواسطة رسائل حملها وسطاء، إضافة إلى تصريحات قادة الجانبين، رغبتهما في التراجع أقلّه حتى الآن، عن المواجهة التي أثارت مخاوف من صراع أوسع.

في المقابل، قضت تطوّرات الأسبوع الماضي على كل أمل ولو ضئيل في أن تخفّف الديبلوماسية من التوترات ما بين العدوّين. وأدّى مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني على يد الولايات المتّحدة والضربات الصاروخية الانتقامية الإيرانية على قواعد أميركية في العراق، إلى زيادة الضغوط على الصفقة النووية التاريخية بين طهران والقوى العالمية في 2015، التي أقرّ المجتمع الدولي إلى حدّ كبير بأنها كانت تعمل كما يجب.  

وفي مبادرة وُصفت بأنها مقدّمة تستهدف تخفيف حدّة التوتر، أكّدت الولايات المتحدة يوم الأربعاء الماضي أنها مستعدة للدخول في "مفاوضات جدّية" مع إيران. وأعربت كيلي كرافت المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة في رسالةٍ وجّهتها إلى مجلس الأمن الدولي، عن استعداد الولايات المتّحدة للتحدّث "من دون شروط مسبقة"، بهدف "منع حدوث مزيد من الأعمال التي قد تعرّض السلام والأمن الدوليّين للخطر أو التصعيد من قبل النظام الإيراني".

وجاءت هذه الرسالة الأميركية بعد ساعات من تصريحات مماثلة أدلى بها الرئيس دونالد ترمب في أول خطابٍ علني له منذ أن أمر باغتيال قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" الإيراني قبل نحو أسبوع. ووفق كلمات ترمب، "علينا أن نعمل سوياً من أجل عقد صفقة مع إيران تجعل العالم مكاناً أكثر أماناً وهدوءً". ووجّه في المقابل اللوم إلى الاتفاق النووي الموقّع في 2015، بأنه شجّع طهران في الشرق الأوسط، بحسب رأي ترمب.

من ناحية اخرى، سارع كثيرون إلى التشكيك في مصداقية دعوة سيد البيت الأبيض إلى إجراء محادثات مع الحكومة الإيرانية، التي جاءت في الخطاب نفسه الذي أعلن فيه أن الولايات المتّحدة ستفرض "مزيداً من الإجراءات العقابية" في حقّ إيران.

وأكّدت طهران رفضها الشديد لهذا الاحتمال، بعد مقتل قاسم سليماني واستمرار العقوبات الأميركية التي تشلّ الاقتصاد الإيراني. وأفادت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إيرنا"، أن ماجد تخت رافانشي المندوب الإيراني في الأمم المتّحدة، وصف الاقتراح الأميركي إجراء محادثات جديدة مع بلاده بأنه "غير قابل للتصديق".

وفي ما بدت أنها أول ردّة فعلٍ رسمية من السلطات الإيرانية على خطاب الرئيس الأميركي، فقد نُقل عن أحد مسؤوليها إن "واشنطن بقتلها سليماني بدأت سلسلةً جديدة من التصعيد والعداء ضدّ إيران". وأضاف، "ما دامت الولايات المتّحدة تواصل أعمالها العدائية، فإن الحديث عن تعاون بين الدولتين يظلّ غير مفهوم، ولن يخدع الشعب الإيراني بمثل هذه التصريحات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ورأى محلّلون أيضاً أن المفاوضات مع إيران قد لا تكون أولوية بالنسبة إلى العاصمة الأميركية الآن. ووصف آرون ديفيد ميلر المحلّل السابق في وزارة الخارجية الأميركية والمفاوض لدى إداراتٍ "ديموقراطية" و"جمهورية" والزميل البارز في "مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي"، كلام الرئيس دونالد ترمب، بأنه "مزيج من التبجّح والاتّهام والتهديدات الصريحة بإضافة مزيدٍ من العقوبات". واعتبر أيضاً أن "هذا خطابَ مواجهةٍ مستمرّة، والرسالة التي يوجّهها إلى النظام الإيراني هي تغيّر وإلا".

وبحسب ميلر، "بمجرد تفنيد المحتوى والقراءة ما بين السطور، يصعب العثور في خطاب ترمب على أثر لنيةٍ جدّية في التفاوض مع إيران. وفي الولايات المتّحدة، يتأرجح مؤشّر الوضع داخل أوساط طبقات الثرثرة بين احتمالين، إما حدوث حرب عالمية ثالثة، أو اللجوء إلى المفاوضات". ورأى ميلر في حديثٍ مع "إندبندنت" أن المفاوضات الجادّة "تتطلّب استثماراً هائلاً وفريقاً من الأفراد الذين يعرفون ماذا يفعلون،" ويمثّل ذلك أمراً لم تعمل إدارة دونالد ترمب على التحضير له.

 وعلى الرغم من إبداء الإدارة الأميركية استعداداً علنياً للمصالحة مع طهران، يبدو أن هناك إشاراتٍ قليلة على نيتها الخروج عن نهج "الضغط الأقصى" الذي تمارسه بهدف إجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات.

واعتبر علي فايز مدير "مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية"، في حديثٍ مع "إندبندنت"، أن "باب الديبلوماسية قد أقفل الآن ولا توجد طريقة لعقد لقاءٍ بين الرئيس الإيراني حسن روحاني ونظيره الأميركي الذي أمر باغتيال قاسم سليماني". وأشار إلى أنه "إذا نحيّنا الوهج الذي تُحدِثَه القمة، يبدو أن دونالد ترمب غير مهتمّ بالتعامل مع طهران".

من غير الواضح ما الذي يحدث الآن للاتّفاق النووي الموقّع في 2015 والمعروف سابقاً بإسم "خطّة العمل الشاملة المشتركة". فقد أخرج الرئيس الأميركي بلاده من هذه الاتفاقية في 2018، على الرغم من إصرار حلفاء الولايات المتحدة على أنها كانت ناجحة في هدفها الأساسي المتمثّل في وقف القدرة الإيرانية على إنتاج أسلحة نووية ومنع طهران من امتلاكها. وشكّلت تلك الخطوة نقطة انطلاق لتصاعد التوتّرات بين إدارة دونالد ترمب والسلطات الإيرانية، وقد بلغت ذروتها هذا الأسبوع.

وفي سياق متصل، طالبت إدارة الرئيس الأميركي غير مرّة القوى العالمية الاخرى التي وقّعت على الصفقة بضرورة التخلّي عنها أيضاً، وكرّر ترمب هذه الدعوة مرّة جديدة يوم الأربعاء الماضي. بحسب كلماته، "لقد حان الوقت لأن تعترف المملكة المتّحدة وألمانيا وفرنسا وروسيا والصين بهذا الواقع... يجب أن تقاطع هذه الدول الآن بقايا الصفقة مع إيران".

وعلى نحوٍ مُشابِه، ضاعف نائب الرئيس الأميركي مايك بينس توجّه تلك التصريحات يوم الخميس الفائت في مقابلة مع البرنامج الصباحي "فوكس أند فريندز" الذي تبثّه قناة "فوكس" الأميركية. ووفق رأي بنس، "سيدعو الرئيس ترمب حلفاءنا في الأيام المقبلة إلى الانضمام إلى الولايات المتّحدة في خطوتها الانسحاب من الصفقة النووية الكارثية مع إيران، ويطالب طهران بأن تتخلّى عن تاريخها الطويل في زرع العنف الإرهابي، وتتراجع عن طموحاتها النووية وتنضمّ إلى الأسرة الدولية".  

من زاوية اخرى، قاومت القوى الأوروبية وما زالت تلك الدعوات وأمثالها. ونأى رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بالمملكة المتّحدة عن موقف حليفتها عبر الأطلسي يوم الخميس الفائت عندما أجرى مكالمةً هاتفية مع الرئيس الإيراني حسن روحاني. وأوضح متحدّث بإسم جونسون أن رئيس الوزراء "أكد على الالتزام المستمر من جانب المملكة المتّحدة بالصفقة والحوار المتواصل مع طهران، من أجل تجنّب الانتشار النووي والحدّ من التوترات".

وتذكيراً، قدّمت الصفقة النووية في 2015 إلى إيران مكسب تخفيف العقوبات التي كانت مفروضة عليها في مقابل فرض قيودٍ على برنامجها النووي. وفي المقابل، أدّت العقوبات التي وضعتها واشنطن على طهران منذ تخلي الولايات المتّحدة عن الصفقة في 2018، إلى اتّخاذ طهران خطواتٍ خاصّة بها للانسحاب من أجزاءٍ من تلك الصفقة.

وغداة مصرع قاسم سليماني، أعلنت إيران أيضاً أنها ستتراجع عن مزيدٍ من التزاماتها في الاتفاق، ولا سيما لجهة التحرّر من القيود الموضوعة على عددٍ أجهزة الطرد المركزي التي يمكن أن تعمل مجدّداً، إضافة إلى زيادة مستوى تخصيب اليورانيوم.

وفي ذلك السياق، رأت هولي داغريس المتخصّصة في الشؤون الإيرانية والزميلة غير المقيمة في "مركز أبحاث مجلس الأطلسي"، أن "خطّة العمل الشاملة المشتركة دخلت في غيبوبة منذ انسحاب الولايات المتّحدة من الاتفاق النووي". وأضافت، "على الرغم  من هذا الوصف الذي أجريته، لم يمت الاتفاق. فقد أكّدت إيران مراراً أنها ستعود إلى جوانب من تلك الخطّة، إذا رفعت الولايات المتّحدة العقوبات عنها، أو في حال عادت إلى الصفقة". ومع ذلك، اعتبرت الخبيرة أن فرص حدوث ذلك ضئيلة.

وفي نفسٍ مُشابِه، أكّدت داغريس في حديث إلى صحيفة "إندبندنت"، أنها لا تنظر إلى دعوة الولايات المتحدة إيران إلى المفاوضات، بوصفها دعوة حقيقية، وذلك "نظراً إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترمب قد غيّرت باستمرار شروطها المسبقة". ووفق كلماتها، "لقد اتّبعت الحكومة الأميركية سياسةً متهوّرة وغير متّسقة، وكانت تتغيّر تبعاً للجانب من السرير يكون عليه الرئيس عند استيقاظه من النوم."

© The Independent

المزيد من تحلیل