هنري ليفي ينعى "تنازل الإمبراطورية" الأميركيّة ويحذّر من"5 ملوك" بينهم الإسلامويّة المتطرّفة

في كتاب جديد، يرى المفكّر الفرنسي المُحِب للولايات المتحدة أن ترامب يمثّل انسحاباً أميركياً من عولمة النموذج الديمقراطي الغربي، وينبّه إلى 5 قوى عالميّة تسعى إلى ملء فراغات الانسحاب هي روسيا والصين وتركيا وإيران والإسلام الراديكالي.

قلق في رؤية المفكر الفرنسي المُحِبْ لأميركا، من قصور في الرؤية لدى ترمب. (موقع "برنار-هنري-ليفي.كوم")

مع مشارفته على السبعين من العمر، يبدو أن شيئاً ما عميقاً يتغيّر مرّة أخرى، في المفكر الفرنسي الشهير والإشكالي برنار هنري ليفي، بل يُلمس بجلاء في كتابه الجديد "الإمبراطوريّة والملوك الخمسة: التنازل الأميركي ومصير العالم" The Empire & the Five Kings: America’s Abdication & the Fate of the World. وصدر الكتاب أخيراً بالإنكليزية عن دار "هولت" الأميركيّة، بترجمة ستيفن كينيدي، في 261 صفحة.من هم أولئك الخمسة الذين يهجس بهم ليفي في كتاب "الإمبراطوريّة..."؟ إنهم روسيا والصين وإيران وتركيا والإسلام الراديكالي. لماذا؟ لأنهم يملكون أحلاماً إمبراطوريّة ضخمة، بل يعملون على تحقيقها، كما يبذلون جهداً إستراتيجيّاً منظّماً في ذلك الاتجاه. هل تبدو تلك الأحلام الإمبراطوريّة مبرّرة ومنطقيّة في الاستراتيجيا والسياسة؟ الإجابة هي نعم، وما يبررها هو التنازل المتواصل للولايات المتحدة كقائد للعالم الحر، وراعٍ رئيس وقوة دفع جبّارة في نشر النموذج الديمقراطي الليبرالي في العالم.

وإذ ارتفعت حدّة ذلك التنازل مع السياسة الشعبويّة المنغلقة التي تهيمن على التوجّهات الإستراتيجيّة للرئيس دونالد ترمب، يرفع ليفي الصوت لينبّه إلى أنّ أميركا ليست حرّة في أن تختار الانعزال عبر التنازل عن نشر النموذج الديمقراطي الغربي وقيمه، ببساطة لأن ذلك التنازل يهدد بسقوط ذلك النموذج عالميّاً، وظهور فراغ لن تتوانى قوى أخرى عن ملئه، بل إنها منخرطة فعليّاً في ذلك راهناً. واستطراداً، يقود ذلك إلى نشر نماذج أخرى تسعى إلى أن تكون بديلة للنظام الليبرالي العالمي.

إذاً، ليست الليبرالية والديمقراطية مجرد "قوّة ناعمة" عملت تاريخياً على الصعود بالدور العالمي للولايات المتحدة، خصوصاً منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، بل هي نظام عالمي شامل يتضمن علاقات في الاقتصاد والسياسة. ولكن الأهم هو أن "القوة الناعمة" هي ذلك النموذج الديمقراطي الليبرالي الذي آلت القيادة فيه إلى أميركا كقوة عظمى (بل إمبراطوريّة خيّرة)، خصوصاً بعد انتصارها على النموذج الاشتراكي في نهاية "الحرب الباردة"، وفق كتاب "الإمبراطوريّة...".وفي المقابل، تمثّل قيم الديمقراطية عنصراً أساسيّاً في الدول الغربيّة، وكذلك في الولايات المتحدة نفسها. ويعني ذلك أن التخلي الأميركي عن نشر قيم الديمقراطية، يهدّد العالم بأسره، بل الولايات المتحدة نفسها أيضاً. وفي ظل ذلك التهاوي، تتملك الأحلام الإمبراطورية قوى كانت إمبراطوريات في مراحل ما قبل ظهور الدولة الحديثة (روسيا والصين)، وأخرى كانت إمبراطوريات دينيّة، وهي تركيا بحلمها العثماني المعلن وإيران بسعيها الصريح إلى قيادة إمبراطوريّة إسلامية، وتيار الإسلامويّة المتطرفة التي لا تخفي لحظة سعيها إلى استعادة التاريخ الإمبراطوري السالف، ودوماً وفق كتاب ليفي.

ما زال بوسع "الإمبراطورية" الاستناد إلى "القوة الناعمة" في نموذجها الثقافي والسياسي وتعاود التفرد بقيادة  النظام العالمي

هل حُسِم الأمر وصار محتّماً اختفاء الإمبراطوريّة الأميركيّة وظهور الممالك الخمسة؟ لا شيء أبعد من ذلك عن الرؤية التي يقدّمها ليفي في "الإمبراطوريّة...". إذ يشدّد على أن المشكلة الأساسيّة في "الملوك الخمسة" أنهم يفتقدون لقوّة النموذج، وبالأحرى، فإنهم يمثلون منظومة من القيم تستبطن الاستبداد والحكم المتسلّط، بأشكال مختلفة. وإذ لا تنهض إمبراطوريّة في العصر الحديث من دون منظومة قيم تكون مقبولة عالميّاً، في الثقافة والسياسة والاجتماع والاقتصاد ومناحي الحياة كافة، يعتقد ليفي بأنّ "الملوك الخمسة" أبعد ما يكون عن صنع "بدائل" تاريخية للنموذج الأميركي- الغربي، لكن ذلك ربما لا يعيق توسّع نفوذهم وتمدّد مساحات سيطرتهم، استناداً أساساً إلى القوّة. وما زالت الولايات المتحدة في وضع تستطيع فيه استعادة زمام المبادرة، ودحر التطلعات الإمبراطوريّة الصاعدة لتلك الأقطاب الخمسة، شريطة أن تعاود انخراطها في صنع نظام عالمي تعددي مستند إلى قيم الحرية والديمقراطية والعدالة. وإذ يكثّف ليفي اللحظة التاريخية الحاضرة بأنها تؤشّر أيضاً إلى خللٍ في منظومة قيم النموذج الغربي وثقافته، يدعو إلى تجديد ذلك النموذج عبر استعادة خطوط في الفكر يرى أنها لم تعطَ أهمية ملائمة، مثل الإرث الهليني بمزيجه الإغريقي والروماني، والفلسفة الوجودية لجان بول سارتر، وفينومينولوجيا إدموند هوسرل وغيرها.  

 

على خطى فوكوياما... فشلَ الغرب في أن يكون "نهاية التاريخ"!

في كتاب "الإمبراطوريّة..." يتحدّث ليفي عن وجود معضلة في نموذج الحداثة الغربي، إذ يورد حرفيّاً أن "فكرة الغرب أضحت هزيلة ومسطّحة ومملّة... بل شرعت تذوب في الشمس كأنها هلام بحريّ". وترسم تلك الكلمات خيطاً يربطه مع الفيلسوف الأميركي الذائع الصيت فرانسيس فوكوياما، بمعنى الإقرار بأن الغرب فشل في أن يكون نهايةً للتاريخ. وكان مؤسس فلسفة التاريخ، الفيلسوف الألماني ج. فيلهلم هيغل (1770- 1831) أول من استعمل مصطلح "نهاية التاريخ" بالمعنى الثقافي الذي يحمله حاضراً. وفي مؤلفه "فينومينولوجيا الروح"، أورد هيغل أن الوعي الإنساني يتطوّر كظاهرة تاريخيّة، وهو ينتقل (بالأحرى، يتجسّد أو يتمثّل، وفق تعبيراته) عبر محطات بارزة في الحضارة الإنسانيّة. وإذ رصد هيغل أن "عصر النهضة" مثّل بداية انتقال ذلك الوعي الإنساني من الشرق إلى الغرب، تعامل بفرح فكريّ كبير مع الإصلاح الديني البروتستانتي الذي أطلقه القس مارتن لوثر في العام 1517. ووصل هيغل إلى اعتبار أن البروتستانتية هي شمس "عصر الأنوار" كله. ويُرجع ذلك إلى أسباب كثيرة، أبرزها، أنها وضعت حدّاً فاصلاً بين عقل الإنسان و"أعمدة السماء": السلطة الدينية التي تدّعي دوماً تمثيل السماء على الأرض.
وبالنسبة إلى هيغل، كرّست البروتستانتية أنّ الفرد لا يحتاج من الدين سوى التديّن، وينال العقل حريّة أن يكون هو المدبّر لحياة البشر ومساراتها. في ذلك المعنى، كانت الحداثة ومشروع العقلانية مساراً للفصل بين العقل الإنساني من جهة، والبعد الديني والميثولوجي من الجهة الثانية. وصار الفكر يتمحور حول الإنسان وحريته وعقله وتفكيره ووجوده، وهي الغايات التي تناولتها الفلسفة منذ بداية مشروع العقلانية، ربما مع ديكارت.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


إذاً، يعني القول بأن حداثة الغرب هي "نهاية التاريخ"، أن الحداثة (وفيها مفاهيم العقلانية والحداثة والحرية والليبرالية والديمقراطية وغيرها) هي المحطة الأخيرة للوعي الإنساني كله. بديهي القول بأن نموذج الحداثة تعرض لغير اهتزاز تاريخي، مثل النازية والفاشيّة وربما الشيوعية (وهي اهتزازات طالما أقرّها ليفي، لكنه قرأها بوصفها خروجاً عن الحداثة)، إضافة إلى الاستعمار والإمبراطوريات المؤسسة على "تفوّق الرجل الأبيض" (مثل الإمبراطورية البريطانية)، والفرض القسري للحداثة على الشعوب مع ما أثارته من تأثيرات سلبية وردود أفعال متفاوتة وغيرها.
ومثّلت هزيمة الشيوعية، بعد اندحار النازية والفاشية، لحظة مغوية. وأغرت فوكوياما، باستعادة مقولة هيغل عن "نهاية التاريخ" في كتابه الشهير "نهاية التاريخ والرجل الأخير" (1992) للقول بأن الغرب أثبت فعليّاً أنه كذلك.ومع صعود الشعبوية غرباً، أضطر فوكوياما إلى الإقرار علناً بأن لحظة إعلان "نهاية التاريخ" لم تأتِ بعد، في مقالات تداولاتها مجلات غربية عديدة في العام 2018. وقبل ذلك، وضع فوكوياما كتاباً عرض فيه قناعته بفشل الحداثة الغربية في أن تكون نهاية للتاريخ، في كتاب "النظام السياسي والاضمحلال السياسي: من الثورة الفرنسيّة إلى الوقت الحاضر" (2014). أليس مثيراً كل ذلك التشابه بين ذلك العنوان، وعنوان "الإمبراطوريّة..." لليفي، بل إن ما كتبه فوكوياما في العام 2014 كان عرضاً لمدى التآكل الداخلي للنموذج الليبرالي الأميركي، وهو من الأفكار الأساسيّة في كتاب ليفي؟

المزيد من كتب