كيف تلتزم بقراراتك للسنة الجديدة؟

يكمن السرّ في تغيير سلوكنا ونوايانا على حد سواء

عرض الألعاب النارية في لندن في ليلة رأس السنة (رويترز)

نحن البشر عبيد لعاداتنا. تُقدر بحوث علمية أن ما يتراوح بين ثلث سلوكنا ونصفه  هو عبارة عن أفعال اعتياديّة متكرِّرة نألف القيام بها. لكن لسوء الحظ، تهدّد عاداتنا السيئة صحتّنا وثروتنا وسعادتنا.

يستغرق في المتوسط تكوين أو اكتساب عادة ما 66 يوماً. بيد أنّ التغيير الإيجابيّ في السلوك أصعب مما تحاول كتب المساعدة الذاتية أن تقنعنا به. وتفيد الأرقام بأنّ  40% فقط من الناس يستطيعون الاستمرار بالتزامهم بـ"قرارات العام الجديد" بعد مضي ستة أشهر من السنة، في حين ينجح 20%  فقط ممن يتّبعون حميات غذائيّة بغرض التنحيف في الحفاظ  على وزنهم الجديد على المدى الطويل من دون أن يستعيدوا الكيلوغرامات التي خسروها.

بشكل عام، لا يشجع التثقيف على تبني سلوكيات بديلة عن سلوكنا المعتاد. وأظهرت مراجعة أُجريت على  47 دراسة، أنّ تغيير أهداف المرء ونواياه أمر سهل نسبياً، بينما تبقى عمليّة تعديل سلوكه شديدة الصعوبة. في الغالب، تعمل عاداتنا القديمة الثابتة بصورة لا إرادية، وذلك استجابةً لإشارات اجتماعيّة أو بيئيّة. مثلاً، نقصد محال السوبرماركت حوالي 211 مرة في السنة، حسب الإحصاءات، بيد أنّ معظم مشترياتنا يبقى من السلع المألوفة نفسها التي اعتدنا ابتياعها.

وإذ نأخذ ذلك كله في الحسبان، فإننا نقدِّم لك خمس طرائق تساعدك في الالتزام بقرارات العام الجديد، سواء أردت أن تولي جسمك أو رصيدك المصرفيّ مزيداً من الاهتمام:

رتّب أهدافك حسب الأولويّة

لا شكّ في أنّ لقوة الإرادة حدوداً فهي طاقة تنفد بسرعة. هكذا، تستنزف مقاومة الإغراءات التي تحيط بنا قوّة إرادتنا، لتتركنا عرضة للتأثيرات التي تعزِّز سلوكياتنا التلقائيّة.

من هنا، يعتبر الطموح المفرط، في قراراتنا للعام الجديد، واحداً من الأخطاء الشائعة التي نرتكبها. لذا يُفضَّل ترتيب الأهداف حسب درجة أهميتها بالنسبة إلينا، والتركيز في خطوة لاحقة على تغيير سلوك واحد بعينه. في الواقع، تشتمل الطريقة المثاليّة لتعديل بعض جوانب سلوكنا المألوف على إجراء تغييرات صغيرة تدريجيّة تُخلصنا من العادة التي نريد التحرر منها وتُحل محلها سلوك يوفِّر مكافأة مماثلة لتلك التي كانت تقدمها لنا العادة السابقة. نشير هنا إلى أنّ الأنظمة الغذائيّة الصارمة، على سبيل المثال، تستلزم قدراً كبيراً من الإرادة.

غيِّر روتين حياتك

العادات جزء لا يتجزأ من أفعالنا الروتينيّة. لذا يمكن أن يدفعنا كسر الروتين بما فيه من رتابة وتكرار إلى تبني عادات جديدة. هكذا تشجعنا التطوّرات الكبرى في حياتنا، من قبيل تغيير الوظيفة أو الانتقال إلى منزل جديد أو إنجاب طفل، على تبني عادات جديدة تجبرنا الحاجة للتكيف مع ظروفنا المستجدة على الاستعانة بها.

يتوجّب علينا أن نختار أفعالنا الروتينيّة بعناية، على الرغم من أنها تستطيع أن تُعزّز إنتاجيتنا وتضفي الاستقرار على حياتنا الاجتماعيّة. ويتميز الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم  بأن لديهم أفعالاً روتينية  أكثر رسوخاً، لذا إن كنت واحداً منهم ربما تساعدك المجازفة بالخروج على التراتبيّة الروتينيّة التي تعتمدها عادة في عملية اتخاذ القرارات على كسر عاداتك.

كذلك، تؤثر بيئتنا في عاداتنا اليوميّة. على سبيل المثال، من دون أنّ نفكِّر في الأمر، نأكل البوب كورن في السينما بينما نمتنع عن فعل ذلك في غرفة الاجتماعات. وبشكل مشابه، قد يساعدك استعمال  أوعية أصغر لحفظ الطعام وصحون صغيرة لتناوله، على التصدِّي لعادة الإفراط بالأكل.

راقب سلوكك

يبدو أن "المراقبة المتيقِّظة" هي الإستراتيجية الأكثر نجاعة في مواجهة العادات الراسخة. فالأشخاص يرصدون من خلالها أهدافهم عن كثب وبصورة مستمرّة ويعدِّلون سلوكياتهم بما يتناسب مع المواقف المختلفة التي تواجههم. في هذا السياق، خلُص تحليل شمولي أُجري على مئة دراسة، إلى أنّ المراقبة الذاتيّة كانت الأسلوب الأفضل من ضمن 26 أسلوباً مختلفاً يُستخدم للتشجيع على تناول الطعام الصحيّ ومزاولة التمارين البدنية.

ويشير تحليل شمولي آخر لـ 94 دراسة إلى أنّ استراتيجيّة "العزم على التنفيذ" بدورها ذات فاعليّة مؤثِّرة. ومن الممكن ضبط التفعيل اللإرادي للعادات من خلال تطبيق ما يُعرف بقواعد السبب والنتيجة، التي تُلخص عموماً بصيغة ثنائية " إذا كان هناك إكس- سيكون هناك واي"، تطبيقاً يناسب حاجات الشخص المعني. مثلاً، إذا "شعرت برغبة في تناول الشوكولاتة" (إكس/ السبب) اختر فعلاً من قبيل " سأشرب كوباً من الماء" (واي/ النتيجة ) ، وذلك بدلاً من "سأتناول الشوكولاته" الذي يمثل الفعل اللاإرادي المألوف بالنسبة إليك كـ "نتيجة" في حالة كهذه.

في الواقع، تبقى استراتيجيّة "العزم على التنفيذ" مع ما يرافقها من خيارات بديلة فاعلة جداً نظراً إلى أنّها توفِّر المرونة للتكيّف حسب الحالات. هكذا، "إذا ما أردت تناول الشوكولاتة، سأشرب كوباً من الماء، أو (ب) آكل بعض الفاكهة؛ أو (ج) أذهب في نزهة سيراً على الأقدام".

أمّا اتباع طريقة "العزم على التنفيذ" على نحو سلبي (بمعنى أنّي "عندما أرغب في تناول الشوكولاتة، لن آكل الشوكولاتة")، فيمكن أن تأتي بنتائج عكسيّة، ذلك أنّه في هذه الحال يتوجّب على الناس كبح رغبة ما تخالجهم ("لا تأكل الشوكولاتة"). وإحدى المفارقات، أنّ السعي إلى كتمان ميل ما يجعلنا أكثر عرضة للتفكير فيه، ما يفاقم خطر وقوعنا في براثن عادات مؤذية على غرار الشراهة في الأكل والافراط في التدخين وشرب الكحول.

في السياق نفسه، يأتي صرف الانتباه كنهج آخر يمكنه أن يعيننا على التحرر من عاداتنا. ومن المجدي أيضاً  التركيز على الجوانب الإيجابيّة التي تتميّز بها العادة الجديدة، في مقابل سلبيّات العادة التي تمثِّل مشكلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تخيل كيف ستكون في المستقبل

في سبيل اتخاذ قرارات أفضل، لا بدّ من أن نتغلب على ميلنا إلى تفضيل الفوز بالمكافآت في الوقت الحاضر وليس في وقت لاحق، ويُطلق علماء النفس على هذه العمليّة "الانحياز إلى الحاضر". أمّا محاربة هذه النزعة، فتكمن في طريقة واحدة ألا وهي تحصين قراراتنا ضدّ أيّ تغيّرات تطرأ في المستقبل. بشكل عام، تطمح ذواتنا المستقبليّة إلى الكمال، وتتبنّى أهدافاً طويلة المدى. في المقابل، وعلى النقيض من ذلك، تسعى ذواتنا في الزمن الحاضر غالباً إلى تحقيق أهداف ظرفيّة قصيرة المدى. ولكن  هناك وسائل تساعدنا على حل هذا الاشكال.

على سبيل المثال، يعدّ الطلب إلى البنك إجراء عملية تحويل أتوماتيكية للمال في موعد محدد كل شهر من حسابك الجاري إلى حساب التوفير خطوة ناجعة، لأنّه قرار لا ضرورة إلى إعادة اتخاذه في كل مرّة. في المقابل، تمثِّل القرارات التي تتعلّق بتناول الطعام مشكلةً لأنها لا تنفك تتكرّر. وغالباً، تتعرّض خياراتنا الغذائيّة للخطر جرّاء الأحوال أو الضغوط الناجمة عن الظروف التي تواجهنا. بناء عليه، يُعتبر التخطيط للمستقبل خطوة مهمة نظراً إلى أنّنا نعاود اتبّاع عاداتنا القديمة عندما نجد أنفسنا تحت ضغط من نوع ما.

تحديد الأهداف والمواعيد النهائيّة

يساعدنا تعيين مواعيد نهائيّة أو أهداف على تغيير سلوكنا واتخاذ عادات جديدة. مثلاً، لنفرض أنّك ستوفِّر مبلغاً محدّداً من المال كل شهر. في هذه الحال، تعمل المواعيد النهائيّة بشكل جيد، خصوصاً عندما تُربط بنظام المكافآة والعقاب المفروض ذاتياً على السلوك.

أخيراً، ثمة طريقة أخرى لتعزيز الدوافع لدى الإنسان، وهي الاستفادة من قوة الضغوط التي يمارسها أقرانك عليك. وقد يُسرك أن تعرف أن ثمة مواقع إلكترونيّة على غرار "ستيك كي. كوم" stickK. com تتيح لك الفرصة لإعلان التزاماتك عبر الإنترنت كي يتسنّى للأصدقاء متابعة تقدّمك عبر الموقع الإلكترونيّ أو منصات التواصل الاجتماعيّ (ربما يكون أحد الالتزامات مثلاً على شاكلة، "سأخسر 350. 6 كيلوغرامات من وزني بحلول شهر مايو (أيار) المقبل"). اللافت، أنّ مثل تلك الالتزامات تكون بادية للعيان وتؤكِّد نيَّتنا التمسّك بقرارنا حتى النهاية. في الحقيقة، لعل فرض غرامة ماليّة في حال الإخفاق (ويفضل أن يذهب المال لصالح قضية لست من مؤيِّديها) سيمدك بقوة دفع إضافيّة.

(*براين هارمان محاضر في التسويق في جامعة "دي مونتفورت" البريطانيّة، وجانين بوساك أستاذة مشاركة في علم النفس التنظيميّ في جامعة "دبلن سيتي" في أيرلندا. نُشر هذا المقال للمرة الأولى في "ذي كونفرزيشن")

© The Independent

المزيد من ترفيه وسفر