"مغارة جبل درنكة" في مصر... من هنا مرت العائلة المقدسة

الدير يقع بمحافظة أسيوط جنوبي القاهرة... وبابا الفاتيكان يعتمده مساراً مقدساً ومكانا للحج المسيحي

"إذاً ملاك الرب قد ظهر ليوسف النجار في الحلم قائلا: قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى أرض مصر"، هذا ما ورد في إنجيل "متى" بشأن رحلة العائلة المقدسة عقب ميلاد المسيح، التي كانت بمثابة أول رحلة للاجئين في تاريخ مصر هربا من بطش "هيرودس"، ملك اليهود آنذاك، بعد أن أخبره عدد من مجوس المشرق أن ثمة مولودا يولدُ سيكون مَلِكا لليهودية بعدما رأوا نجمه ظهر في السماء، الأمر الذي دفع "هيرودس" لذبح جميع الأطفال الرّضع في ذلك العام وهو ما عرف بـ"مذبحة الأبرياء". 

وتعد مغارة جبل درنكة الواقعة داخل دير العذراء مريم التي تبعد 8 كيلو مترات عن محافظة أسيوط (جنوبي القاهرة)، آخر محطات رحلة العائلة المقدسة في مصر، وأيضا نقطة الانطلاق والعودة إلى فلسطين، وتحظى بمكانة خاصة لدى مسيحيي ومسلمي صعيد مصر جنوب البلاد، خصوصا بعد إدراج الفاتيكان لها كأحد أهم مسارات الرحلة المقدسة. "اندبندنت عربية" ذهبت في زيارة ميدانية إلى المغارة لتتقصى الأثر.
مكانة مقدسة 

مدير هيئة تنشيط السياحة بأسيوط عثمان الحسيني، ذكر، "مغارة العذراء مريم بقرية درنكة، تهفو قلوب وعقول مسيحيي العالم من مختلف الطوائف إلى زيارتها، خصوصا بعد مباركة البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، لها باعتمادها أيقونة لمسار رحلة العائلة المقدسة في مصر، ومكانا مقدسا يحج المسيحيون الكاثوليك إليه، في قداس رسمي بشهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2017 بحضور وزير السياحة الأسبق يحيى راشد".

وأضاف، "حرصت مصر والكنيسة الكاثوليكية على إعادة تدشين الدير، وما يضمه من كنيسة مغارة رحلة العائلة المقدسة بقرية درنكة في يوليو (تموز) 2018، بحضور سفير الفاتيكان "برونو موزارو" سفير دولة الفاتيكان بالقاهرة". وأشار إلى "أن الحكومة المصرية أنفقت 25 مليون جنيه مصري (1.6 مليون دولار أميركي) لتطوير الخدمات والطرق المؤدية إلى دير العذراء مريم بدرنكة".

جولة في الدير

راعي دير السيدة العذراء بدرنكة بأسيوط الأب فرانسيس سليمان، اصطحبنا في جولة داخل الدير الذي يتكون من بانوراما شمولية لمحطات رحلة العائلة المقدسة في مصر، التي انتقلت خلالها في 22 محطة مدعمة بالصور، أبرزها، العريش، والفارما، وتل بسطة، ومسطرد، وبلبيس، ومدينة سمنود، وسخا، و وادي النطرون، وبابليون بمصر القديمة، والمطرية، ومنف، والمعادي، والبهنسا، وجبل الطير، والاشمونين، وفيليس، وجبل قسقام، وجبل درنكة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وذكر الأب فرانسيس "أن مغارة جبل درنكة هي المحطة الأهم في مسار رحلة العائلة المقدسة، فهي آخر محطات الرحلة التي مثّلت موطن الاستقرار والأمان إليهم، ونقطة البداية للعودة إلى أرض فلسطين مرة أخرى، لذا يقدس ملايين المسيحيين حول العالم هذه البقعة المباركة من صعيد مصر".

وأضاف، "أن المغارة تتكون من عدة غرف تحتوي على نماذج ومجسمات تحاكي حياة العذراء مريم ويسوع المسيح ويوسف النجار داخل هذه المغارة المقدسة، كما تضم كنيسة المغارة على حجر صخري جلبته العذراء مريم عليها السلام من الناصرة بأرض فلسطين، وعدد من المخطوطات الأثرية التي تحكي تفاصيل قصة رحلة العائلة المقدسة".

وأكد راعي الكنيسة "أن هذا المكان محاط بالعديد من الكرامات والبركات على مر السنوات الماضية، ويأتي المسيحيون والمسلمون معا له لقضاء حوائجهم ونيل البركة منه، كما تزايدت أعداد السائحين العام الماضي خلال أعياد الميلاد ومولد العذراء مريم لقرابة المليون ونصف المليون زائر، منهم العديد من المسلمين".
طقوس الزوار 

التبرّك وأشياء أخرى

جرجس ملاك، أحد زوار كنيسة المغارة، ويأتي إليها من مدينة الإسكندرية (شمالي مصر)، يقول، "إنه يحرص أن يأتي سنويا لمغارة جبل درنكة لنَيل البركة من هذا المكان المبارك"، وأشار إلى "أنه كان يعاني عدم الإنجاب هو زوجته لأكثر من 6 سنوات، وبعد صلاته بالمغارة رزق بعد عام واحد بطفلته مريم، من وقتها وهو يشد الرحال لهذه المغارة المقدسة سنويا".

هبة بطرس، زائرة المغارة التي جاءت من محافظة سوهاج المجاورة، قالت "إن يسوع المسيح وأمه العذراء مريم شرّفا صعيد مصر بقدومهما إليها، فمصر دوما ملاذا آمنا لكل المهمشين في الأرض، هي أرض الأمن والأمان".

أما مصطفى العربي، زائر مسلم من قرية درنكة، فيقول، "إنه يداوم على زيارة دير مغارة جبل درنكة اقتداء بوالده المتوفى منذ 7 سنوات، لأن في وجهة نظره، المسلمون والمسيحيون في مصر والصعيد نسيج واحد، يتشاركون في كل شيء بالأعياد والأحزان، وأنه ليس استثناءً وحيداً من المسلمين الذين يزورون الدير والمغارة، بل هناك مئات المسلمين من عشاق هذا المكان". 

شريان سياحي لصعيد مصر

من جانبه، ذكر محمد عثمان، رئيس لجنة تسويق السياحة الثقافية بصعيد مصر، "أن اعتماد الفاتيكان الحج لمصر ولمسارات رحلة العائلة المقدسة، وعلى رأسها مغارة العذراء مريم بدرنكة بأسيوط خلق شريانا اقتصاديا وسياحيا عظيما في صعيد مصر، مما دفع الدولة المصرية لرفع كفاءة كافة الخدمات والمرافق مما سيجلب استثمارات متنوعة خلال العقد الحالي، التي ستنال أسيوط الحجم الأكبر منها لا محالة". 

 

وأفاد الدكتور مصطفى وزيري، الأمين العالم للمجلس الأعلى للآثار، "بأن السياحة الدينية المسيحية نمطٌ جديدٌ ومهمٌ أثرى القطاعات الأثرية والدينية، خصوصا أن مصر زاخرة بخطى الأنبياء، ولعل في خطوة اعتماد الفاتيكان لمسار رحلة العائلة المقدسة إعلانا رسميا بأن مصر آمنة على غير ما تروج جماعة الإخوان الإرهابية". 

وأكد الخبير الأمني عادل عبد العظيم، مساعد وزير الداخلية لقطاع جنوب وسط الصعيد، أن إقليم صعيد مصر ومسار العائلة المقدسة مُؤمَّن بشكل عالي الكفاءة والجودة، وأن قرار تسيير رحلات حج المسيحيين الكاثوليك جاء بعد دراسة شاملة من قِبل الفاتيكان بعد التأكد من سلامة المنظومة الأمنية بصعيد مصر، التي تضم أشهر مسارات رحلة العائلة المقدسة". 

وتوقع المهندس نبيل الطيبي، سكرتير عام مساعد أسيوط، "أن تخرج المحافظة من قائمة المحافظات الأكثر فقرا خلال 10 سنوات المقبلة بفضل حجم الاستثمارات العملاقة التي ستشهدها على هامش تنشيط سياحة الفاتيكان، بل وستعود التنمية على كافة مدن ومحافظات الصعيد".

المزيد من ثقافة