بطلات أريج جمال المقموعات يمارسن التسلط الذكوري على أنفسهن

"أنا أروى يا مريم" رواية مصرية عن عالم العلاقات المأزومة

الروائية المصرية أريج جمال (يوتيوب)

من عالم مضطرب، تطل علينا شخصيات رواية "أنا أروى يا مريم" (دار الساقي- 2019) للروائية المصرية أريج جمال، فهي حافلة بالروئ المأساوية التي ينظر بها الشباب العربي إلى العالم بعد انهيار "الثورات" التي حلم معها بعالم أفضل، لكنه أدرك في النهاية حكمة قول أمل دنقل "لا تحلموا بعالم سعيد، فخلف كل قيصر يموت قصير جديد".

وتتعدد مستويات هذا الاضطراب داخل الرواية، فهناك اضطراب سياسي بفعل الثورة التي يتم إجهاضها على أيدي قوات الأمن وهو الزمن الذي يحتضن لقاء البطلتين؛ "أروى" و"مريم"، واضطراب نفسي  تتعدد أسبابه بفعل ماضي الشابتين اللتين عاشتا حياة أسرية لا تخلو من كوارث. فقدت "مريم" والديها في حادث سير، والثانية فقدت أباها الحقيقي "ميشيل" على أيدي عناصر أمنية. كما عاشت البطلتان طفولة منعزلة، فـ"مريم" كان والداها يتركانها وهي في عمر السابعة في شقة ضيقة، ويغلقان عليها الباب، فتصنع عالمها الخاص مع لعبها وتحكي عن والديها فتقول: "أما بابا وماما فكانا يعرفان أكثر مني أن أوقات رضاهما قليلة كأن خناقهما جزء من الحياة". و"أروى" تعيش في قصر معزول ولم يكن لها أصدقاء سوى العصافير والشجر. وهناك اضطراب ثالث، جسدي، تعاني منه "مريم" تكثر معه زيارتها للأطباء. كلها اضطرابات تحدو بمريم أن تكرر قولها: "كانت أياماً عادية أتلقى فيها الخيبات كهدايا عيد الميلاد، في العمل، في الصداقة، في الحب، وفي صعود السلم وهبوط السلم... أنام ست عشرة ساعة من دون حلم واحد"، ويجعل "أروى" تصف حياتها بأنها "الجحيم". تنظران إلى الحياة بشكل عدمي، فالإنسان يولد ويعيش ويموت كالسابقين، تاركاً ذكريات مأساوية. "مريم" تبكي وهي في رحم أمها، وتبكي بعد ذلك من دون توقف، "لأنها عرفت أن العالم أبله وخبيث وسريع النسيان". وتحرص الرواية على أن تكشف الجوانب النفسية والاجتماعية والزمانية والمكانية لبطلتيها بضمير المتكلم. ففي الجزء الأول الذي يمثل ثلثي الرواية، تتحدث "مريم" عن حياتها من الرحم حتى لقائها بـ"أروى"، بلغة سردية أنيقة تعبر عن شخصية البطلة التي تكتب الشعر. وفي الجزء الثاني تتحدث "أروى" بلغة يدخل فيها الكثير من التعابير العامية، بما أنها تعلمت في مدارس أجنبية وهجرت مصر وهي في مرحلة المراهقة. كلتا البطلتين تنقلان الأحداث المشتركة بينهما. حياتهما تتشابه في أشياء وتختلف في أشياء. كلتاهما عاشتا حياة الوحدة. "مريم" انطوائية تخاف من العالم، تتحكم فيها الجدة وتقاليد المجتمع. بينما "أروى" تتمتع بجرأة تجعلها تخلع ملابسها وتتعرى داخل مدرستها أمام الجميع. "مريم" ولدت في السعودية، وبعد وفاة والديها وعادت وهي بعمر التسع سنوات إلى مصر. "أروى" ولدت في مصر وفي فترة المراهقة هربت من قيود المجتمع إلى ألمانيا. كلتاهما تحبان الآلة الموسيقية نفسها "الأوبوا". "أروى" تجيد العزف عليها، و"مريم" عشقتها منذ الطفولة حين رأت عازفة يونانية في التلفاز. تلك الصفات المتشابهة والمختلفة تولد بينهما قصة "حب"، كتلك التي تولد من أول نظرة. تنجذبان إلى بعضيهما كانجذاب قطبي المغناطيس.

التسلط الذكوري

ترسم الرواية من خلال أحداثها خيوطاً متشابكة للتسلط الذكوري. فمريم عانت في السنوات الأولى من طفولتها، من رغبة الأب في أن ينجب ولداً. أمها "صِديقة"؛ عانت كذلك في طفولتها من تسلط أخيها "علي" الذي ولد بإعاقة، وكان والداه يتحيزان له على حساب إخوته البنات. يكسر عرائسهن، وحين تأتي الحلوى يأكلها وحده وما يفيض منه يعطيه للطيور. جدتها "أم كلثوم" عاشت طفولة قاسية. لم يكن يهتم بها أحد. كانت تأكل من الفُتات الذي يسقط من فم إخوتها الذكور، وحين تمنَّت أن تنجب أنثى هدَّدها زوجها بأنه سيطلقها، بما أنه اختارها بعد أن طلق زوجته الأولى التي لا تنجب سوى الإناث. وحين تزوج ابنها من "صِديقة"؛ طلبت منه أن يتزوج عليها كي ينجب الذكور. مارست الضغط نفسه الذي مورس عليها من قبل. واختارت أريج جمال لهذا التسلط بيئة "صعيدية" حتى وإن عاش شخوصه في القاهرة إلا أنهم ما زالوا يحملون قيم تفضيل الذكر على الأنثى. تعبر "مريم" عن كرهها حتى للهجة هذه البيئة التي تظهرها بصورة غاية في السلبية.

وفي الجانب الآخر هناك "سارة" والدة "أروى"، السيدة الحالمة التي تعيش حياتها على الطريقة الفرنسية، أُجبرَت على الزواج من "صلاح العدل"؛ المسؤول في وزارة الداخلية، فكان يستخدم سلطاته في قمعها هي وابنتها التي ينسبها لنفسه رغم أنه يعلم أنها ابنة "ميشيل". الرواية تسلط الضوء على عالم ظالم للمرأة التي لا تستطيع حتى أن تطلب من زوجها أن يمارس معها حقها الطبيعي، بينما إن طلبَ هو فليس من حقها الرفض. هذا الأمر الذي يدفع "مريم" إلى التعاطف مع أمها "صديقة" لخيانتها أبيها مع المدرس "عبدالله". فقط يزعجها أن أمها تهملها حين تكون معه. وتسرد أريج في مشهد كاشف حين تذهب "أروى" إلى ألمانيا عن علاقة شاب بشابة طلبت منه أن يمارس الحب معها في الطبيعة وقد كانت أكثر جرأة منه وهي المتحكمة في العلاقة. هناك وجدت "أروى" حريتها في أن تمارس مثليتها من دون قيود.

ترصد الكاتبة التعديات التي تتعرض لها المرأة على يد الضباط الذين يغتصبون المتظاهرات، والبلطجية الذين يتحرشون بهن. وهناك حكاية الفتاة التي عُريت ولُقبت بـ"ست البنات". مجتمع ضاغط على المرأة في كل جانب من جوانب حياتها. وتناقش الرواية قضيتين شائكتين، الأولى تتمثل في العلاقات المثلية، التي تظهر في الرواية وكأنها رفض لعالم الرجال، فكلتا الفتاتين عانتا من هذه القبضة، كما تكشف أحداث الرواية وتبرر لمثل هذه العلاقة، التي تنقذ "مريم" من شعورها بالتلاشي وعدم الأهمية، وتُخرج "أروى" من ذكرياتها المؤلمة وتسلط "صلاح العدل" عليها، وكذلك احتجاجاً على إجهاض ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر. فـ"أروى" مثلها مثل الكثير من الشباب الذين هجروا مصر، وحين قامت الثورة عادوا أملاً في بناء مستقبل أفضل، فصدمتهم سيطرة قوات الأمن على مكاسب الثورة وشبابها. والقضية الثانية هي قضية زواج المسلمة من مسيحي، ف"سارة" والدة "أروى"  أحبت النجَّار المسيحي الفقير الذي يمثل الإنسان المصري، فتصفه الرواية على النحو التالي: "كان في سِنِنا يا "أروى" لكن أكبر بكتير، كان أقدم شخص في الحضارة واحد من بناة الأهرام الغلابة". وفي ذلك ما غيَّر نظرتها إلى الحياة، من التفاهة إلى العمق. علاقة حب انتهت بإلقاء "ميشيل" من شرفة شقتها في الطابق الرابع في وسط القاهرة.

نجحت أريج جمال في روايتها الأولى بعد مجموعتين قصصيتين، في تصوير العالم النفسي لشخصياتها الإناث وكيف يعانين، وكيف يمارس عليهن الضغط الذكوري، ثم يمارسن هذا الضغط على بنات جنسهن. ومن الملاحظات البسيطة التي لا تؤثر على أحداث الرواية، الزعم بأن نابليون بونابرت هو من كسرَ أنفَ "أبو الهول"، بينما رسوم المستكشف الدنماركي فريدريك لويس نوردين في العام 1737 التي نشرت عام 1755 في كتابه "الرحلة إلى مصر والنوبة" تظهر التمثال بلا أنف. وقد أشار المؤرخ المقريزي إلى أن أنف أبو الهول هشَّمه المتصوف صائم الدهر. والملاحظة الثانية قولها إن الأهرامات بنيت منذ سبعة آلاف عام، بينما هي بنيت ما بين 2480 و2550 ق. م أي منذ نحو 4 آلاف وخمسمائة عام فقط.

المزيد من ثقافة