Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

استبعاد اشتراك "حزب الله" بالرد على مقتل سليماني من لبنان

طالما الصراع يتركز على العراق ونصر الله استنفر "مجاهدي العالم"

سليماني كان له الدور الرئيس في رعاية حزب الله (أ. ب)

السؤال الأساسي الذي شغل المحللين في بيروت هو ماذا سيكون دور "حزب الله" في الرد الإيراني على اغتيال الولايات المتحدة قائد "قوة القدس" في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني؟

إذ لا يمكن فصل مفعول الضربة التي تلقتها إيران على هيبتها وقدراتها، عن المفعول الذي شعر به "حزب الله" في لبنان. فسليماني كان له الدور الرئيس في رعاية الحزب ومده بالإمكانيات، فعقد علاقة خاصة بالأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله، يقول العارفون لـ"اندبندنت عربية" إنها لم تقف عند حدود صلة الآمر بالمأمور، فكان المسؤول الإيراني يعتمد المشورة مع نصر الله، في التعاطي بقضايا المنطقة والدور الإيراني فيها، من لبنان وفلسطين وسوريا إلى العراق واليمن، (سلمت له طهران إدارة ملف العلاقة مع الحوثيين وتدريبهم وحضانتهم...) وغيرها من دول الخليج التي نفذ الحزب فيها اختراقات أمنية لصالحها.

العلاقة الخاصة بمغنية ونصر الله

نسج سليماني علاقة استثنائية مع القائد العسكري للحزب عماد مغنية، قبل اغتيال الأخير عام 2008 في دمشق، لأن كليهما يهتم بدقائق العمل الميداني. واعتبر أن تطلعاته تنسجم مع الفكرة العميقة للقائد الإيراني، بالتوسع الإقليمي. فالحافز عند سليماني في هذا السبيل كان ما تعلمه من الحرب العراقية - الإيرانية التي انتهت بشرب آية الله الخميني "كأس السم" وقبوله وقف النار مع بغداد بعد 8 سنوات من الاستنزاف لبلاده. استراتيجية سليماني ارتكزت على أن فكرة حماية إيران من جيرانها تتم باقتحام دولهم لتكون الحروب على أرضهم، بدلاً من أن تكون على أرضها كما حصل مع صدام، وبتطوير سلاح الصواريخ الذي افتقدته طهران إبان الحرب مع الأخير. واختار، متوسلاً العقيدة الدينية ودعم الحركات المقاومة للاحتلال في إطار الصراع العربي - الإسرائيلي، بناء شبكة من الأذرع الحليفة لطهران من أجل ضمان موطئ قدم حيث يستطيع. وكان "حزب الله" الذراع النموذجية و"المشروع الناجح" كما وصفه الخبراء الأميركيون ومنهم المسؤول السابق في الخارجية جيفري فيلتمان. فالحزب اختار تحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي بالمقاومة المسلحة، فشكّل تسليحه وتدريبه جاذباً لسليماني بعد تسلمه مسؤولية قوة القدس مطلع تسعينيات القرن الماضي.

الرد "على امتداد العالم"

لم يكن غريباً أن يعلن نصر الله في بيان التعزية بسليماني أن "القصاص العادل من قتلته المجرمين الذين هم أسوأ أشرار هذا العالم، سيكون مسؤولية وأمانة وفعل كل المقاومين والمجاهدين على امتداد العالم". فهذا تأكيد بأن الرد آت. ومع أن أي نقاش في شأن ما يمكن للحزب أن يقوم به ينتهي عند المهتمين برصد توجهات طهران إلى الاستنتاج بأن كل الاحتمالات مفتوحة وتتوقف على نوع الرد ومحدوديته، وما إذا كان سيؤدي إلى حرب لا تريدها الدولتان، فإن الأوساط المتابعة لتوجهات الحزب تشير إلى أن نصر الله استخدم عبارة مطاطة، فترك مسؤولية "القصاص" للمقاومين في "العالم"، ما يرجح عدم حصول الرد في لبنان أو انطلاقاً منه. وفي كل الأحوال، فإن نصر الله سيتحدث بعد ظهر الأحد لعله يوضح قصده، وربما ما تفكر به القيادة الإيرانية. إلاّ أنّ وجهة نظر أوساط سياسية تستبعد تضحية "حزب الله" بوضع لبنان الحالي، مستندةً إلى الحجج الآتية:

العراق مركز المواجهة الأميركية - الإيرانية

 أن المرحلة الراهنة من المواجهة بين أميركا وإيران تتركز في العراق وتدور حول دفاع الأخيرة عن موقع نفوذها فيه، حيث هي موجودة هناك بشكل مباشر والأميركيين الذين تمكنوا من الإفادة من جملة عوامل، تؤدي إلى تقليص النفوذ الإيراني، أبرزها الانتفاضة الشعبية التي أنبتت نقمة داخل الطائفة الشيعية العراقية على الطبقة السياسية التي أنتجها النفوذ الإيراني والتي ظهر جلياً فسادها وهدرها أموال الدولة ودورها في تراجع الاقتصاد والتردي الاجتماعي، فضلاً عن المظلومية التي أصابت مناطق أخرى سنية جراء الحرب على تنظيم "داعش"، التي أخذت طابعاً مذهبياً أدى إلى تهجير مئات الآلاف من السنة في أكثر من 4 محافظات عراقية. وتقارع إدارة دونالد ترمب الدور الإيراني في القرار السياسي في بغداد، ما جعل طهران تعتبر أن إسقاط حكومة عادل عبد المهدي نتيجة الانتفاضة هو عمل أميركي يستهدف تأثيرها المتنامي في السلطة.

 واغتيال سليماني جاء وفق تسلسل لأحداث وعقب استهداف الميليشيات العراقية الموالية لإيران مركزاً أميركياً في كركوك أسفر عن مقتل متعاقد أميركي، للمرة الأولى منذ سنوات، والذي تبعه الرد الأميركي بقصف كتائب "حزب الله" العراقي على الحدود السورية - العراقية في محيط معبر القائم، وتلاه تطويق "الحشد الشعبي" العراقي السفارة الأميركية في بغداد الذي كاد يتحول إلى اقتحامها (في شكل يذكّر باقتحام السفارة الأميركية في طهران عام 1979، واحتجاز طاقم السفارة رهائن)، وسط معلومات استخبارية أميركية عن نية استهداف الحشد الشعبي المزيد من الأهداف الأميركية بتوجيه من سليماني نفسه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يضيف أصحاب وجهة النظر هذه أنه طالما مركز المواجهة في العراق، فإن الأخير يضم قواعد ومراكز أميركية فيها زهاء 6 آلاف جندي منتشرين في مواقع كثيرة يمكن لطهران أن تستهدفها في شكل موجع.

 وعليه، فإن تركيز "الحرس الثوري" الإيراني جهوده على الاحتفاظ بمكاسبه في بلاد الرافدين، يجعل لبنان في المرتبة الثانية من الأهمية من حيث الرد على اغتيال قائد قوة القدس.

إبقاء إيران على "احتياطي" لبنان

 يذكّر مصدر سياسي متصل بـ"حزب الله" بأن القاعدة التي اعتمدتها طهران ضد واشنطن حيال تصاعد الضغوط الأميركية والعقوبات عليها منذ نهاية عام 2018 (عقوبات صفر تصدير للنفط) وعلى امتداد 2019، هي إبعاد لبنان عن المواجهة العسكرية مع واشنطن، والاحتفاظ بـ"حزب الله"، القوة العسكرية الأكبر بين الأذرع الإيرانية في المنطقة، كقوة احتياط لإمكان حصول مواجهة كبرى قد ينزلق إليها العداء مع واشنطن، تشمل إسرائيل.

وكانت التوترات التي حصلت مرات عدّة مع الجيش الإسرائيلي في لبنان غلب عليها الانضباط طالما أن إيران ليست في وارد مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة، مثل الأخيرة التي لا تريد الحرب مع طهران. وهذا ما حصل أواخر أغسطس (آب) الماضي حين حرص "حزب الله" على توجيه رسالة عبر جهات دولية إلى إسرائيل بأنه لا يريد حرباً معها في رده الموضعي على إرسال الأخيرة طائرتين مسيّرتين إلى سماء الضاحية الجنوبية لبيروت، انفجرت إحداهما في مبنى يقع فيه مكتب العلاقات الإعلامية للحزب.

 أن "حزب الله" اتفق مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون كحليف رئيس له، على معادلة قوامها عدم شن عمل عسكري انطلاقاً من لبنان، إلاّ في حال الاعتداء الإسرائيلي عليه، لتجنيبه الإحراج أمام جمهوره بأن الحزب يمارس دوراً مرتبطاً بأجندة إيران وليس تحت شعار المقاومة في مواجهة أي عدوان إسرائيلي الذي أقنع عون هذا الجمهور به في تبرير تحالفه مع الحزب واحتفاظه بسلاحه.

 أن نصر الله اضطُّر في خطاب له الشهر الماضي إلى تصحيح ما قاله عن أن الحزب ومحور المقاومة لن يقفا مكتوفَيْ الأيدي إذا تعرّضت إيران لضربة عسكرية إثر إسقاطها الطائرة الأميركية المسيّرة فوق بحر عُمان في 20 يونيو (حزيران) الماضي ثم بعد الضربة التي وجهتها باسم الحوثيين لمنشآت شركة "أرامكو" في 15 سبتمبر (أيلول) الماضي في بقيق في السعودية، فأعلن أن ما قصده هو أن الرد ستنفّذه إيران بنفسها، نظراً إلى أن كلامه الأول لقي ردود فعل سلبية وسط الجمهور اللبناني العريض، لا سيما المسيحي الموالي لـ"التيار الوطني الحر" الحليف له، الذي يعتبر أن سلاح المقاومة هو لمواجهة أي عدوان إسرائيلي، ولا علاقة للبنان بالمواجهة الإيرانية - الأميركية.

الأوساط السياسية التي استبعدت لـ"اندبندنت عربية" أن يشترك الحزب في الرد على اغتيال سليماني، على الأقل انطلاقاً من لبنان، تضيف إلى الحجج المذكورة أن الهامش المعطى لـ"حزب الله" لتقدير الوضع الداخلي، قد يحول دون انخراطه في عمل كهذا، نظراً إلى أنه سيجر ردود فعل مدمرة عسكرية ودولية على بيروت تزيد على وضعها الاقتصادي المأزوم تدهوراً، والذي سيطال جمهور الحزب نفسه، فضلاً عن أن هذا سيعمق الانقسام الداخلي بين القوى الرافضة للنفوذ الإيراني في البلد وبين الأطراف المؤيدة لمحور المقاومة.

إلاّ أنّ هذه الأوساط تسارع إلى التأكيد أنه إذا طلبت طهران من الحزب عملاً عسكرياً، فسينفذه فوراً سواء خارج لبنان أو داخله.

المزيد من العالم العربي