Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حكايا التراث الشعبي الفلسطيني بطريقة عصرية

محاولة لإحياء مهنة الحكواتي في مواجهة التطور التكنولوجي 

من عروض سابقة (اندبندنت عربية)

"الصبح لما صحيت من النوم، لبست الغيمة طنطور (قبعة)، وتزنرت بالمئذنة، وحطيت الجامع تحت أباطي (الإبط)، ونظرت من خرم الإبرة، وقلت ما أوسع باب الدار".

هذه الجمل اللامنطقية تسمى الدهليز، وهي ما كانت النساء يبدأن به حكاياتهن في الماضي، للفت نظر الأطفال الملتفين حولهن على السجادة في انتظار قصة المساء أو في موسم الزيتون، أو حول النار في فصل الشتاء، والتي غالباً ما تكون حقيقية بهدف إيصال قيم معينة، أو خرافية، أو عن "الغيلان" التي تأكل الأطفال، وغيرها.

وتختلف هذه الدهاليز من سيدة الى أخرى وتعتمد على نوع القصة، واللهجة المحكية في كل منطقة، كما يقول الحكواتي الشاب حمزة العقرباوي.

البداية

"كل إنسان يولد حكاءً" هذا رأي حمزة، فهو بدأ عام 2006 في رواية القصص التاريخية والشعبية الفلسطينية لتوثيق التراث والأحداث القديمة في قريته عقربا قرب نابلس، ولم يكن يعرف حينها من هو الحكواتي، فهو يحكي القصص، لأنه اعتاد على سماعها منذ طفولته من جده، ولأن القصص كانت وسيلة للتسلية وتعبئة الوقت للصغار والكبار، في ظل غياب قنوات التلفاز والتكنولوجيا الحديثة.

ويوضح العقرباوي أنه بدأ بهذه المهنة بعد تلقيه اتصالاً لحضور أسبوع حكايا فلسطين الأول، وفوجئ بمقدّمة المهرجان تطلبه للمسرح ليحكي قصة للجمهور، تبعها مشاركة في الأردن للحكواتيين المخضرمين في الوطن العربي أمثال حسن الغرتلي وعارفة عبد الرسول وغيرهما، ومن ثم قيادة فريق حكايا فلسطين عام 2013، وعروض أخرى يقدمها بالزي الشعبي القديم، ويستخدم فيها الشعر المغنى أحياناً.

"الإنسان مكون من حكايات"

تأسس فريق حكايا فلسطين عام 2012، كجزء من فريق حكايا في الملتقى التربوي العربي في مصر ولبنان والمغرب والأردن وفلسطين، ونشأ لاستخدام هذا الفن في التعليم والتواصل، وإعادة إحياء المهنة التي اندثرت مع النكبة الفلسطينية عام 1948، ومن ثم النكسة عام 1967، وظهور التكنولوجيا الحديثة.

ومع تأسس الفريق، لم يقتصر الانضمام لهذا المجال على الشباب، بل للنساء دور كبير فيه، وهم يخرجون بين الحين والآخر في عروض متعددة في كافة المناطق يختلف نوعها وشكلها باختلاف الفئات العمرية.

في المقابل، بدأت هبة سعيدة حكواتية الأطفال تروي القصص حين كانت طفلة، بعد أن اتخذت لها ركناً صنعت فيه مكتبة لتؤجر كتبها للفتيات في الحي، مقابل الحلوى أو البطاطس المقلية مثلاً، ومن ثم تعلمت تدريجياً عن هذا الفن خلال الجامعة والعمل.

وتجد في القصص وسيلة لتعريف الناس بالثقافات المختلفة والعادات والتقاليد الخاصة بكل مجتمع، وإذابة بعض الاختلافات، فالحكايا كلها متشابهة، ولكن تختلف ببعض التفاصيل.

الحكاية لا تطعم الخبز ولا تبني المنزل

يوضح الحكاؤون أن المهنة ليست سهلة، والمجتمع لا يعتبرها عملاً، وينظر لها بدونية اجتماعية وحتى على صعيد المردود المادي، فالإنسان من الأفضل له البحث عن وظيفة يعتاش منها، ليتزوج ويعيل أسرة.

فحمزة مثلاً وصفه أهل قريته في البداية بـ"أبو العجائز" لكثرة جلوسه مع كبار السن أثناء جمع القصص، وشابة أخرى حاول والدها ثنيها عن الاستمرار في العمل، بدعوى أنه غير مفيد، أو أن الحكواتي كالمهرج، ولكن تقول الحكواتية هيام أبو عرقوب إن الأمور تختلف مع مرور الوقت، وبعض وجهات النظر بدأت تتغير، وبات العديد من الأشخاص يسألون عن مواعيد وأماكن العروض المقبلة وتفاصيل أخرى، مشيرة إلى أن الفريق لا يسعى لتغيير عادات المجتمع، بل يتماشى معها وما يناسبها.

هل نهذّب الأدب الشعبي؟

بعض من يصعدون على المنصة يروون الحكاية الشعبية ولكن مع بعض التغييرات، كإزالة مشاهد العنف، أو تغيير بعض المواقف التي تعزز الأدوار الاجتماعية.

ويقول العقرباوي إن المهتمين بدراسة الأدب الشعبي ينظرون إلى الأمر من زاويتين، الأولى أن القصص الشعبية لا يجب تشذيبها أو تعديلها بأي شكل كان، لأن الموروث الشعبي له قوام وسياق معينين، ويمكن للراوي اختيار أي حكاية أخرى تتناسب مع جمهوره، أما الزاوية الثانية، أنه بالإمكان التغيير ولكن مع عدم نسبها إلى القصص الشعبية، بل عرضها كمادة مسرحية فقط.

في سياق متصل، ترى الحكواتية سعيدة أنها في بعض الأحيان تحذف المشاهد العنيفة من القصص التي ترويها للأطفال، في حين توضح أبو عرقوب أن فهم الموقف الذي ظهرت فيه الحكاية، لا يجعل ذكر هذه المشاهد غريبة فيها، كما أنه لا يجوز الاستهانة بذكاء الأطفال، أو قطع أجزاء من القصة بدعوى أنهم لن يفهموها، لأن خيال الأطفال غير محدود.

الحكاية بشكل عصري 

يسعى الفريق لإحياء فن الحكاية عبر وسائل عدة منها إقامة المهرجانات والأمسيات الرمضانية، وإحياء يوم الحكاية العالمي الذي يوافق العشرين من مارس (آذار)، وسيكون هذا العام ضمن إطار الرحلات، إضافة إلى العمل على رقمنة القصص القديمة وعرضها بشكل يتناسب ويواكب العصر الحالي مثل الشاطر حسن.

ويعمل الفريق على إشراك الفتيات في رواية سير الملاحم والبطولات مثل الظاهر بيبرس، وأبو زيد الهلالي، وغيرهم، بعد أن كانت مقتصرة على الرجال فقط، عدا عن المخيمات الدورية الخاصة بفن الحديث.

الحكواتي يجب أن يطور من نفسه

بالنسبة إلى الفريق، فإن الإنسان حكاءٌ، ولكنه يجب أن يعمل دائماً على تطوير هذا الأمر، بالاطلاع والتدريب، ومحاولة التطور بكافة المهارات، من الصوت وحركات الجسم والتواصل مع الجمهور، وهذا الأمر ليس سهلاً لكنه ممكن بالنسبة إلى الشابة إخلاص أبو سارة، موضحة أن الحكواتي بإمكانه جذب اهتمام من حوله من كافة الأعمار بمهاراته وقوة قصته، لذلك فإنهم يجتمعون دائماً في الفريق لنقاش الكتب والنصوص القصصية، والاستماع إلى بعضهم بعضاً، وتبادل النصائح، واستقبال أعضاء جدد في الفريق.

المزيد من فنون