Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تسكت الصراعات السياسية صوت ساحات الاحتجاج؟

"الحوار الدائر الآن هو لغة البنادق بين الفصائل المسلحة التابعة لسائرون والفتح"

منذ انطلاق الاحتجاجات العراقية مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2019، تستمر القوى السياسية بمحاولات التصعيد للتأثير فيها أو إنهائها. وسائل عدّة استخدمتها تلك القوى على مدى الأشهر الماضية، تنوعت بين استهدافات معنوية للحراك واتهامات له بأنه مدعوم من الخارج وتقف استخبارات دول أجنبية خلفه، إضافةً إلى استهدافات بالسلاح والذخيرة الحية من قبل القوى الأمنية، واتهامات من ناشطي فصائل مسلحة تابعة لأحزاب سياسية، بالوقوف وراء عمليات خطف المحتجين وقتلهم.

وسائل تشويش سياسية

في ظل هذا الصراع، تبلورت معارك سياسية أخرى انعكست على الحراك، في سياق تذويبه أو السيطرة عليه. ففي الوقت الذي تحاول جماهير بعض الأحزاب والقوى السياسية، السيطرة على الاحتجاجات وتحريكها بما يخدم مصالحها السياسية، حاولت قوى أخرى الدخول إلى ساحات التظاهر لتشتيتها وإنهائها، بذرائع عدّة، أبرزها طرد من تُطلق عليهم الـ"جوكر" والمخربين.

ولعل التصعيد الحاصل بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، وجد له أصداءً في الأوساط السياسية العراقية، في محاولات استغلاله لإنهاء التظاهرات، إذ باتت القوى السياسية الموالية لطهران تعوّل على أن الأزمة بين "الحشد الشعبي" وواشنطن، ستخلق إشكالاً يؤثر في التظاهرات.

ولعل أولى بوادر هذا "الاستغلال" كانت من خلال محاولة توظيف القصف الأميركي الذي طال قاعدة تابعة لـ"الحشد الشعبي" في إدخال البلاد بأزمة تُنهي الاحتجاجات، وتصنع مخارج لتلك القوى السياسية من المأزق الذي تمر به، فضلاً عن الاستفادة من التظاهرات التي نظمها قادة فصائل مسلحة وقادة سياسيين أمام السفارة الأميركية، وقد أشار زعيم حركة "عصائب أهل الحق" إلى أن "السفارة الأميركية أثبتت أنها سفارة تآمر ضد العراق ومكان دعم الجوكر والمخربين"، في إشارة واضحة إلى متظاهري ساحة التحرير وباقي الساحات في المدن العراقية المختلفة. لكن الرد أتى سريعاً من زعيم "التيار الصدري" مقتدى الصدر، الذي قال إن تلك التظاهرات تهدف بالأساس إلى إنهاء الاحتجاجات الشعبية، ما يبين الشرخ الواضح الحاصل بين القوى السياسية المختلفة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سيناريوهات عدّة رسمتها القوى القريبة من طهران لمآلات الحراك الشعبي، كان أبرزها "حرب أهلية"، في سياق العمل على تخويف المحتجين وإنهاء تظاهراتهم. لكن ذلك لم يبد مؤثراً في ساحات الاحتجاج، التي يقول ناشطوها إنهم يمثلون خطاً وطنياً سلمياً لا يمكن أن يكون طرفاً في أي نزاع مسلح أو صراع خارجي.

في السياق، يرى مراقبون أن التخويف من الحرب الأهلية لم يُبن على أسس منطقية، باعتبار أن العراق يشهد حالة تماسك اجتماعي لم يشهدها في السابق، وذوبان للنزعة الطائفية، وعدم وجود أرضية ملائمة اجتماعياً لحرب كهذه، مرجحين أن يكون الصراع حزبياً مسلحاً بين الأطراف المتصارعة التي تمتلك فصائل مسلحة.

مطلب أخير

ويعتبر مراقبون أن المشهد السياسي العراقي بات معقداً بالنسبة إلى الأطراف الخارجية، وفقد ممثلوها ثقة الشارع العراقي بهم، مشيرين إلى أن الاحتجاجات لن تتأثر بالصراعات السياسية وستستمر لحين اختيار رئيس وزراء وفق شروط المتظاهرين.

 يوضح أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكوفة إياد العنبر لـ"اندبندنت عربية" أن "أطراف معادلة الصراع على أرض العراق باتت شبه واضحة، وأحد مسببات هشاشة الدولة العراقية هو أن هذه الأطراف الداخلية تتصارع بالنيابة عن دول خارجية"، مضيفاً أن المشهد أصبح أكثر وضوحاً بالنسبة إلى الجهات الداخلية الوطنية".

ويضع "كل ما يحدث من صراعات سياسية" في خانة "محاولة للتشتيت والالتفاف على مطلب أخير متبقٍ في حركة الاحتجاج، وهو ترشيح رئيس وزراء مستقل"، مشيراً إلى أنّ "زخم التظاهرات واستمرارها، دفع بعض القوى السياسية إلى تقديم تنازلات أمام الشارع العراقي للبقاء في دائرة النفوذ والسلطة، في حين أن إصرار بعض القوى السياسية على مواقفها واتهام المحتجين بحصولهم على دعم أميركي، والإصرار على تجاهل مطالبهم، يبين بوضوح أن تلك القوى قرارها ليس عراقياً، بل إيراني".

مرشح تسوية

ويرجح مراقبون أن يتوافق المحتجون والقوى السياسية على مرشح تسوية يرضي الأطراف كافة، إذ يرى الكاتب والصحافي حيدر البدري، أن "الصراع السياسي لن ينهي الاحتجاجات بلا مقابل، لكن التسوية ممكنة بين القوى السياسية والمحتجين".

ويضيف لـ"اندبندنت عربية" أن "المعركة للحصول على الديمقراطية طويلة، لكن المحتجين حققوا نقاط انتصار كثيرة في هذا السياق"، كاشفاً عن "طرح القوى السياسية رئيس مجلس إعمار العراق ماجد الساعدي في محاولة للتسوية".

ويتابع قائلاً إنّ "السبب الذي قد يدفع المحتجين إلى القبول بمرشح تسوية هو التعب من المماطلة على الرغم من استمرار الاحتجاجات على مدى ثلاثة أشهر"، مؤكداً أن "مرشح التسوية يجب أن يكون خاضعاً لمعايير ساحات الاحتجاج أيضاً".

ويلفت إلى أن "الترويج للحرب الأهلية واحتمالات انفلات الأوضاع لن يؤثر في استمرار الحراك، فقد جوبه المتظاهرون في السابق بقمع شديد وحدثت مجازر بحقهم، وظلوا صامدين في الساحات".

حرب الفصائل المسلحة

وفي حين يستبعد باحثون في الشأن السياسي احتمالات أن تؤدي الأوضاع السياسية إلى حرب أهلية، أوضحوا أن الحرب الممكنة هي بين الأجنحة المسلحة للتيارات السياسية المتصارعة.

في السياق، يقول الأكاديمي والباحث في الشأن العراقي باسل حسين، إن "الاحتجاجات مستمرة مع استمرار مسار المعادلة السياسية وعملية اختيار رئيس الوزراء المقبل، ولن يعود المحتجون إلاّ بعد ضمان شروطهم في تلك القضية، فضلاً عن الدفع باتجاه الانتخابات المبكرة".

ويضيف لـ"اندبندنت عربية"، "أساليب عدّة استخدمتها القوى السياسية للتأثير في زخم الاحتجاجات، منها التخويف من احتمالات الحرب الأهلية، لكنه خيار غير منطقي ولن يحدث"، مشيراً إلى أن "الحرب الممكنة هي الحرب الحزبية بين التيارات السياسية التي تمتلك فصائل مسلحة".

ويشرح أن "الحوار الدائر الآن هو حوار البنادق بين الفصائل المسلحة التابعة لسائرون والفتح".

وعن إمكانية استثمار المطالب الشعبية من قبل التيار "الصدري"، يقول حسين إن "المشكلة هي في عدم وجود قيادات واضحة وتنظيم لدى المحتجين، مقابل الصدريين المنظمين الذين يستثمرون تنظيمهم لصالحهم، لكن الشارع أثبت أنه لن يكون خاضعاً لرؤية الصدريين".

الاحتجاجات وصراع المحاور

وعلى الرغم من رفض المحتجين العراقيين أي تدخلات خارجية تحاول قوى سياسية رئيسة زجهم فيها كطرف في صراع المحاور الدولية والإقليمية في العراق، إضافةً إلى المحاولات المتواصلة لاستثمار تحرّكهم، يؤكد ناشطون أن احتجاجاتهم مستمرة وأن ساحات الاحتجاج باتت فاعلاً أساسياً في أي حراك سياسي تشهده البلاد.

ويرى الكاتب والناشط علي المياح أن "الضجيج الأميركي الإيراني أثّر إلى حد ما في صوت ساحات الاحتجاج، لكن لم نصل إلى مرحلة انحساره. فالحراك لا يزال يتمتع بقوة كافية تمكّنه من الفعل والتأثير في المشهد السياسي العراقي"، مضيفاً "يمكننا القول إن الاحتجاج سينحسر في ما لو أصبح الحراك أداة في هذا الصراع الخارجي، وهذا ما عمل المحتجون على تجنبه قدر الإمكان".

خيار مستبعد

 ويقول الناشط عمار الربيعي من جانبه إن "أحد أهم الأسباب التي دفعت الناس للنزول إلى ساحات الاحتجاج يتمثل بالصراعات السياسية والإقليمية التي يحاول السياسي العراقي أن يكون طرفاً فيها، وهذا ما لا يريده العراقيون"، مشيراً إلى أن "تلك المحاولات لن تؤثر في مسار الحركة الاحتجاجية، وذلك لأن المتظاهرين أصبحوا أكثر وعياً وإدراكاً للواقع السياسي".

ويضيف لـ"اندبندنت عربية"، "بيان ساحة التحرير الذي تبرّأ من فعل الجماعات التي دخلت المنطقة الخضراء، دليل على عدم دخول المحتجين في صراعات النفوذ الإقليمية والدولية".

وعن الحديث السياسي حول احتمالات الحرب الأهلية، يوضح الربيعي أن "الحرب الأهلية أصبحت من الماضي والجهات التي تريد تلك الحرب، ستكون نهايتها حتمية في حال أعلنت هذا الأمر، لأنها ببساطة فاقدة لتأييد الشارع العراقي".

 وكذلك، يستبعد الناشط فؤاد العايدي أن تؤثر الصراعات الإقليمية والدولية في التحركات، مؤكداً أن "الاحتجاجات الشعبية غير معنية بتلك الصراعات، فالمحتجون لا يمثلون مصالح أي طرف سوى العراق".

ويضيف "وعي العراقيين أعلى من مراهنات بعض القوى السياسية على الحرب الأهلية، ولا يمكن لأي جهة سياسية أن تحدد عمر الاحتجاج أو تكون لها الوصاية عليه"، لافتاً إلى أنّ "كتلة سائرون لها مصالح مشتركة مع باقي الكتل السياسية ولا يمكنها تمرير مشاريعها من خلال التظاهرات"، كما أنّ "المحتجين يحمّلونها مسؤولية المشاركة في خراب البلد".

المزيد من العالم العربي