انسحاب كل أنصار "الحشد" من محيط السفارة الأميركية مطلقين هتاف "حرقناهم"

إيران تستدعي المبعوث السويسري للاحتجاج على "تصريحات أميركية تلوح بالحرب"... وترمب: الإيرانيون سيدفعون ثمناً باهظاً

انسحب جميع المحتجين من أنصار "الحشد الشعبي" العراقي من محيط السفارة الأميركية في بغداد الاربعاء، بموجب قرار من قيادته غداة اقتحامها من قبل محتجين غاضبين. وتوجه المتظاهرون إلى مخارج "المنطقة الخضراء" المحصنة حيث مقر السفارة وساروا وهم يهتفون "حرقناهم"، فيما قامت شاحنات بنقل هياكل حديدية وخيم استخدمها هؤلاء المتظاهرون للاعتصام المفتوح الذي كانوا اعلنوه الثلاثاء عند محيط السفارة.
وكان "الحشد الشعبي" أصدر في وقت سابق، وعقب مواجهات صباحية جرت بين محتجين وعناصر ميليشيات موالية لإيران من جهة وقوات أمن السفارة الأميركية من جهة أخرى، بياناً دعا فيه أنصاره الموجودين قرب السفارة الأميركية إلى "الانسحاب احتراماً لقرار الحكومة العراقية"، إلا أن أحد الفصائل رفض الانصياع.
ودعت قوات الحشد الشعبي، وهي مظلة لجماعات مسلحة شيعية بالأساس، "الجماهير المتواجدة قرب السفارة الأميركية إلى الانسحاب احتراماً لقرار الحكومة العراقية التي أمرت بذلك وحفاظًا على هيبة الدولة"، مضيفة "رسالتكم وصلت".

 
مذكرة احتجاج ايرانية
 
في موازاة ذلك، قدمت وزارة الخارجية الإيرانية اليوم الأربعاء مذكرة احتجاج إلى المبعوث السويسري بصفته راعياً للمصالح الأميركية في طهران، بسبب ما وصفتها بأنها "تصريحات تلوح بالحرب" من جانب مسؤولين أميركيين.
وذكرت الخارجية الإيرانية على موقعها الإلكتروني أنها استدعت القائم بالأعمال السويسري وقدمت "احتجاج إيران القوي على التصريحات التي تلوح بالحرب من جانب مسؤولين أميركيين في انتهاك لميثاق الأمم المتحدة". ودان المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي بشدة الاربعاء الضربات الجوية الأميركية على فصيل موال لطهران في العراق، في أول تعليق له على الغارات التي نُفذت الأحد.
وقال خامنئي على حسابه الرسمي على تويتر "إنني والحكومة والشعب الإيراني ندين بشدة هذا التصرف الأميركي الخبيث".

وكان الرئيس الاميركي دونالد ترمب اتهم في تغريدة الثلاثاء، إيران "بتدبير" اقتحام السفارة الأميركية في بغداد. وقال خامنئي رداً على ذلك "يغرد ذلك الشخص على تويتر بأن إيران مذنبة!"، موضحاً "بداية أنتم تتفوهون بالهراء! لا دخل لإيران بهذا. ثانياً ليكن الأميركيون منطقيين وهم ليسوا كذلك. الشعب العراقي مشمئز من الأميركيين. لماذا لا يدركون هذا الأمر؟" وفق ما نقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إيرنا". 
في المقابل، دانت فرنسا على لسان وزيرة الجيوش فلورانس بارلي "بشدّة" الهجوم على السفارة الأميركية في بغداد، معربةً عن تضامن بلادها التام مع الولايات المتحدة.
 

قنابل الغاز

وكانت قوات أمن السفارة الأميركية في بغداد أطلقت صباح الأربعاء لبعض الوقت قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق مئات المحتجين العراقيين المؤيدين لإيران، كانوا يحرقون العلم الأميركي، وفق ما ذكر شهود.
وكان مئات الأشخاص أعلنوا الثلاثاء بعد مهاجمتهم السفارة الأميركية لساعات، اعتصاماً مفتوحاً في محيطها، لتحقيق مطلبهم بانسحاب الأميركيين من العراق.
ونصب متظاهرون مساء الثلاثاء، 50 خيمة تقريباً مع إمدادات صحية خاصة بالتخييم، بينما أعادت القوات العراقية إغلاق المنطقة الخضراء في بغداد صباح الأربعاء، حيث توجد السفارة الأميركية ومؤسسات عراقية مهمة، بعدما تمكن المتظاهرون الثلاثاء من دخولها.
وأخضعت القوات العراقية مداخل النقاط الأمنية المؤدية إلى المنطقة الخضراء، الخاضعة أساساً لإجراءات أمنية مشددة، لتدقيق شديد، لكن لا يبدو أنها كانت تستعد للعمل على إخراج المحتجين الذين كانوا في الداخل.
وحاول المحتجون المؤيدون لإيران الذين يعتصمون في الداخل من جديد الاقتراب من السفارة الأميركية، محرقين أعلاماً أميركية ومرددين عبارة "أميركا الشيطان الأكبر".
وأُطلقت بعد ذلك من داخل حرم المجمع الضخم للسفارة قنابل غاز مسيل للدموع على المتظاهرين. ونقلت سيارات الإسعاف محتجين أصيبوا بحالات اختناق، فيما وصلت تعزيزات من الشرطة لمساندة القوات العراقية التي شكلت طوقاً أمنياً حول المكان.


"ستدفعون الثمن"

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قال الثلاثاء إن الإيرانيين سيدفعون ثمناً باهظاً بعد اقتحام متظاهرين مؤيدين لها السفارة الأميركية في العراق.
وذكر ترمب في مقرّ عطلته في فلوريدا عندما سأله أحد المراسلين عن احتمال الحرب مع إيران "انا لا أرى ذلك يحدث". وأضاف قبيل مشاركته باحتفالات العام الجديد "أنا أحبّ السلام".
وكان الرئيس الأميركي قد اتّهم إيران بالوقوف وراء الهجوم على السفارة الأميركية، قائلا عبر تويتر، "إيران دبّرت هجوما ضد السفارة الأميركية في العراق، وسيُحمّلون مسؤولية ذلك بشكل كامل"، داعيا العراق الى "استخدام قواته لحماية السفارة".
واضاف ان "ايران ستتحمل المسؤولية الكاملة عن أي خسائر بالأرواح أو أضرار لحقت بمرافقنا".
وتابع الرئيس الخامس والاربعين للولايات المتحدة في رسالته التي بعثها من منتجع مارالاغو حيث يقضي عطلة "سيدفعون ثمنا باهظا! هذا ليس تحذيرا، إنه تهديد. عام سعيد!".

 وقال ترمب في تغريدة على تويتر بعد الهجوم على السفارة "قتلت إيران مقاولاً أميركياً وتسبّبت بجرح آخرين عديدين. رددنا بقوة وسنفعل ذلك دائماً. الآن تنسّق إيران هجوماً على السفارة الأميركية في العراق، وسيتحمّلون كامل المسؤولية. كما نتوقّع من العراق استخدام قوّته لحماية السفارة، وأبلغناهم ذلك".    

Iran killed an American contractor, wounding many. We strongly responded, and always will. Now Iran is orchestrating an attack on the U.S. Embassy in Iraq. They will be held fully responsible. In addition, we expect Iraq to use its forces to protect the Embassy, and so notified!

 

في المقابل، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن "طهران ترفض الاتهام الأميركي بوقوفها وراء الاحتجاجات عند السفارة الأميركية ببغداد".

وكانت مجموعات  من المتظاهرين المناصرين لكتائب "حزب الله" العراق قد احتشدت أمام السفارة الأميركية في بغداد الثلاثاء 31 ديسمبر (كانون الأول)، وحاولت اقتحام البوابة الرئيسة وأحرقت العلم الأميركي وقامت بتحطيم كاميرات المراقبة. وأكدت مصادر إعلامية أن المتظاهرين قاموا بإحراق إحدى بوابات السفارة وتحطيم جزء من السياج الخارجي. وأطلقت قوات الأمن العراقية الغاز المسيل للدموع في محاولة لتفريق آلاف المحتجين. وبحسب معلومات خاصة بالـ "اندبندنت عربية"، فإن "السفير الأميركي في إجازة خارج العراق، في حين لا يزال موظفو السفارة داخل المبنى في بغداد".

بومبيو يحذّر... وقوات إضافية إلى العراق 

وزارة الخارجية الأميركية قالت بدورها إن وزير الخارجية مايك بومبيو اتصل بكل من رئيس الوزراء العراقي المستقيل عادل عبد المهدي والرئيس العراقي برهم صالح، اللذين أكّدا ضمان أمن وسلامة الأميركيين والممتلكات الأميركية في بلادهم. وقالت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية مورغان أورتاغوس في بيان "أوضح الوزير أن الولايات المتحدة ستحمي وتدافع عن الأميركيين الموجودين بالعراق لدعم سيادته واستقلاله. وأكّد عبد المهدي وصالح للوزير تحمّل مسؤوليتهما بجدية تجاه حماية وضمان أمن وسلامة الأفراد الأميركيين والممتلكات الأميركية". 

ورجّح مسؤولون أميركيون في حديث وكالة رويترز أن ترسل الولايات المتحدة قوات إضافية من مشاة البحرية بشكل مؤقت إلى سفارتها في بغداد، موضحين أن عدد أفراد القوة سيكون صغيراً وأنهم سيرسلون من المنطقة.

عبد المهدي يدعو لوقف الاعتداءات

وفي ضوء الأحداث، دعا رئيس الوزراء العراقي المتظاهرين أمام السفارة الأميركية إلى المغادرة "فوراً"، مشدداً على أن القوات الأمنية ستمنع "بشكل صارم أي تعدّ على السفارات الأجنبية".

وقال عبد المهدي، في بيان أصدره مكتبه، إن مسؤولية حماية وتأمين السفارات الأجنبية تقع على الحكومة العراقية، مضيفاً "لذلك نطلب من الجميع المغادرة فوراً بعيداً عن هذه الأماكن، ونذكّر أن أي اعتداء أو تحرّش بالسفارات والممثليات الأجنبية هو فعل ستمنعه بشكل صارم القوات الأمنية وسيعاقب عليه القانون بأشد العقوبات".

وظهرت في صور تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي قوة خاصة تابعة لمكتب عبد المهدي تحيط مبنى السفارة الأميركية وتمنع المحتجين من الاقتراب منه بعد إحراق أجزاء فيه.

أما زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر فاعتبر أن هدف التظاهرات أمام السفارة الأميركية في بغداد هو "إنهاء تظاهرات الشعب الإصلاحية".

 

إخلاء الموظفين

ورفع المحتجون شعارات مطالبة بإغلاق السفارة الأميركية وطرد السفير، في حين جرى إجلاء السفير والموظفين الأساسيين العاملين في السفارة. وأطلق حراس الأمن داخل السفارة قنابل صوتية على المحتجين، وسمع مراسلون من رويترز دوياً قوياً أربع مرات.

وكان المحتجون بدأوا تحركهم صباحاً بنصب خيم اعتصام لهم أمام السفارة، احتجاجاً على الضربات الجوية الأميركية التي استهدفت مقار تابعة لمجموعات عراقية موالية لإيران في كل من سوريا والعراق، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى.

وتمكن المحتجون المشاركون في موكب تشييع مقاتلي كتائب "حزب الله" الـ25 الذين قضوا في الغارات الأميركية، من عبور حواجز التفتيش كافة من دون صعوبة في المنطقة الخضراء شديدة التحصين.

تحذير مسبق

وقال البنتاغون في بيان رسمي، إن صواريخ الغارات التي أطلقتها طائرات حربية طالت خمسة أهداف تابعة لـ"كتائب حزب الله العراقي" الموالية لإيران، الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ"الحرس الثوري"، الذي أدرجته واشنطن على قائمة الإرهاب قبل أشهر.

من جانبه، قال رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، إن وزير الدفاع الأميركي، أبلغه بالضربات الجوية في اتصال هاتفي قبلها بساعات، وأنه طلب إجراء مناقشات مباشرة، لكنه أُبلغ بأن القرار قد اتُخذ، وفقاً لوكالة "رويترز".

وأشار رئيس الوزراء العراقي إلى أنه حاول إبلاغ الفصيل العراقي بالضربة الجوية الوشيكة، كما أكد أن الطائرات الأميركية التي نفذت الضربة لم تأت من داخل العراق، وأن الهجوم لا يستند إلى أدلة، بل هو نتيجة للتوتر المتصاعد بين إيران وأميركا.

"العراق لم يحمنا"

وكانت الولايات المتحدة الأميركية اتهمت الاثنين 30 ديسمبر (كانون الأول)، السلطات العراقية بأنها "لم تبذل الجهود اللازمة لحماية مصالح الولايات المتحدة"، وذلك غداة الضربات الأميركية التي أثارت موجة تنديد في العراق.

وقال مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية للصحافيين في واشنطن "لقد حذّرنا الحكومة العراقية مراراً وتشاركنا معها المعلومات لمحاولة العمل معها وإطلاعها على مسؤوليتها عن حمايتنا بصفتنا ضيوفاً".

وذكّر المسؤول بأن الجيش الأميركي والدبلوماسيين الأميركيين موجودون في العراق "بدعوة من الحكومة العراقية"، وتابع "من مسؤوليتها وواجبها أن تحمينا. وهي لم تتّخذ الخطوات المناسبة لذلك".

هجمات متكررة

ومنذ 28 أكتوبر (تشرين الأول)، سجّل أحد عشر هجوماً على قواعد عسكرية عراقية تضم جنوداً أو دبلوماسيين أميركيين، وصولاً إلى استهداف السفارة الأميركية الواقعة في المنطقة الخضراء المحصنة أمنياً في بغداد.

وأسفرت الهجمات عن سقوط قتيل وإصابات عدة في صفوف الجنود العراقيين، إضافة إلى أضرار مادية. غير أن هجوم الجمعة مثّل نقطة تحوّل، إذ قتل فيه متعاقد أميركي وكانت المرة الأولى التي تسقط فيها 36 قذيفة على قاعدة واحدة تضم جنوداً أميركيين، وفق مصدر أميركي.

ومساء الأحد 29 ديسمبر، شنت القوات الأميركية سلسلة غارات استهدفت منشآت قيادة وتحكم تابعة لكتائب "حزب الله"، أحد أبرز الفصائل الموالية لإيران في "الحشد الشعبي"، الذي يعد جزءاً من القوات العراقية وتخضع بعض فصائله لهيمنة إيرانية.

"مراجعة العلاقات"

والاثنين أعلنت الحكومة العراقية أن الضربات الجوية الأميركية تدفعها إلى "مراجعة العلاقة" مع الولايات المتحدة.

وقال المسؤول الأميركي "نجري اتصالات حثيثة مع الحكومة العراقية بشأن هذه التهديدات"، مضيفاَ "بالتأكيد أبلغناها بأننا سنتحرك رداً على هذا الهجوم الأخير".

المزيد من العالم العربي