Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عام المراجعات الثقافية والمواجهات الشعبية في مصر

إعادة قضايا المرأة إلى الصدارة... وتصحيح المفاهيم بشأن مرضى البهاق... وحوادث الانتحار تلفت الانتباه إلى المرض النفسي

قدم الأزهر مراجعات جذرية في قضايا اجتماعية تخص المصريين عموما والمرأة خصوصا (أ.ف.ب)

ويمر عامٌ إضافيٌّ ضمن أعوام ما بعد هبوب الرياح الربيعية المتحولة زعابيب شتوية في عام 2011، والمجتمع المصري محافظ على واجهته الهادئة الثابتة الجامدة الواقفة على طرفي نقيض مما يُبطن. تغيرات قصوى وتطورات عظمى وحراكات كبرى دارت رحاها كما لم تدر من قبل.

تعديلات بنكهة نسائية
قبل أن ينقضي عام 2019 ألقى تعديلاً وزارياً بضوء ظاهره أخضر وباطنه أحمر على المجتمع المصري الحائر منذ عقود. قدوم خمسة عناصر نسائية جديدة إلى التشكيل الوزاري بين ثلاث وزيرات ليصبح العدد الكلي لوزيرات مصر ثماني، ونائبتين لوزيري الاتصالات والسياحة والآثار، يجعل التشكيل الوزاري الحالي صاحب أكبر مكون نسائي في تاريخ مصر.

 

تاريخ مصر القريب الذي شهد انقلابات وتقلبات غير مسبوقة في ثقافته وأعرافه وتقاليده ومسيرته الاجتماعية على مدار نصف قرن مضى، شهد خلال العام المنصرم تحركات تنبئ بانقلاب على الانقلاب، وتقلبات تفوق ما سبقها من حيث الرؤى المجتمعية والتغيرات السلوكية.

السلوك المجتمعي بشكل عام فيما يختص بالمرأة شهد خلال العام مراجعات، بعضها متأنٍ والبعض الآخر متسرع، وذلك بعد ارتفاع سقف التوقعات فيما يختص بحقوق النساء ومكانتهن في المجتمع في أعقاب أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، وهي الأحداث التي لعبت فيها المرأة المصرية أدواراً محورية، ظنت بعدها أنها ستكرر العودة إلى السطح بعد سنوات من التغييب والتجهيل تارة باسم العادات والتقاليد، وتارات باسم النسخة الجديدة من تفسير الدين.

ملف التفسير
فتح ملف التفسير وإعادة تشخيص دور الدين والتدقيق والتمحيص فيما فعله البعض من رموز التفسير والإفتاء في المجتمع المصري على مدار ما يقرب من نصف قرن تحركات شهدها عام 2019 بشكل فردي متناثر، لكن في الوقت نفسه وجد أصداء كبرى بعضها مثمن داعمٌ لها، والبعض الآخر محاربُ لها متخوف منها متربص بها.

التربص بالنساء وحقوقهن ومكانتهن ومحاولات المقاومة والإنقاذ سادت خلال عام 2019. فمرة تحاول مؤسسة الأزهر الشريف سلب المرأة ما اكتسبته من بعض الحقوق في قوانين الأحوال الشخصية، وأخرى تخرج نائبة برلمانية بمشروع قانون لتنظيم ملابس النساء بشكل يخضع للمراقبة والعقاب في حالة الخروج على الشرع والأعراف، وثالثة باستمرار محاولات السكوت أو التعتيم على مظاهر العنف ضد المرأة. لكن في المقابل، شهد عام 2019 أمارات مقاومة مجتمعية ومحاولات إنقاذ للمرأة المصرية.

العنف ضد المرأة
رسمياً، أوضح العام المنصرم بالحجة والبرهان أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يسير بسرعة تختلف تماماً عن تلك التي تسير بها فئات مجتمعية عدة ومؤسسات رسمية كثيرة فيما يتعلق بأوضاع المرأة. فبالإضافة إلى عدد الوزيرات ونائبات الوزراء غير المسبوق، جاءت كلماته المفاجئة "لن أوقع على قانون لا ينصفكن" قبل أسابيع في إشارة إلى محاولة مؤسسة الأزهر القفز على حقوق النساء المكتسبة في قوانين الأحوال الشخصية لتؤكد أن الرئيس يغرد في سرب يختلف عن سرب الأغلبية.

ولا يزال سرب الأغلبية في مصر ينظر إلى العنف ضد المرأة، لا سيما العنف المنزلي باعتباره "أموراً عادية لا تستحق ضجة ولا تستوجب رجة". لكن الأرقام تتحدث عن نفسها. وقبل أيام، وفي مناسبة اليوم الدولى للقضاء على العنف ضد المرأة، أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تقريراً أفاد فيه أن 34% من النساء اللاتي سبق لهن الزواج تعرضن لعنف بدني أو جنسي من قِبل الأزواج، وأن أكثر من ربع نساء مصر تزوجن قبل أن يبلغن سن الـ18 عاماً، وأن الـ7% تعرضن للتحرش في المواصلات العامة و10% تم التحرش بهن في الشارع خلال الـ12 شهراً السابقة فقط. كما أشار التقرير إلى أن نحو 90% من نساء مصر خضعن للختان.

العام الماضي شهد عشرات الفعاليات والندوات والحملات للتوعية من أضرار الختان، وأنه ليس من الدين في شيء. لكن العام الماضي أيضاً شهد استمرار القبضة الحديدية من قبل أصحاب الفكر الديني المتشدد والمتطرف واحتكار التفسير من قبل البعض، وذلك على الرغم من دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل أربع سنوات بضرورة تجديد الخطاب الديني بعدما وصل الحال ببعض المسلمين إلى الإيمان بأن بقاء الدين والحفاظ عليه يكمن في القضاء على الآخرين.

مقاومة تجديد الخطاب
مقاومة عاتية لدعوة الرئيس لتجديد الخطاب بدت واضحة جلية لكل ذي عينين خلال العام الماضي. فبين مقاومة مكتومة لكن صارخة من قِبل العديد من المؤسسات الدينية الرسمية التي لا ترى للتجديد ضرورة، وربما تعتبر التحديث تهديداً لمكانتها، ومعها رجال دين مستقلون اعتلوا المنابر على مدار العقود الخمسة الماضية فارضين رؤى متشددة وآراء متطرفة تتسلل إلى أعماق المجتمع في غفلة من الزمن، دأب الرئيس المصري غير مرة خلال العام الفائت على المجاهرة تارة بأسلوب مباشر وأخرى بالتفاتات وتعليقات غير مباشرة بأن تجديد الخطاب مازال ضرورة ملحة.

 

ويبدو أن العام المنصرم كان عام الضرورات المجتمعية الملحة، وكذلك الحراكات المجتمعية المتفردة المصحوبة بيقظة فكرية وثقافية ولدت من رحم الغيبوبة. عدد من حوادث الانتحار بين شباب وشابات من طلاب الجامعات صدمت المجتمع وأيقظته. ولأن الثقافة الرافضة للاعتراف بالمرض النفسي حين التحمت بالتفسيرات الدينية غير المعترفة بالأمراض التي تصيب العقل نجمت عنهما قسوة شديدة في التعامل، فقد بزغت أصوات عدة تطالب بضرورة التوعية بالأمراض النفسية واعتبارها عطباً يصيب النفس شأنها شأن العطب الذي يلحق الضرر بالجسد. وقد أدى ذلك إلى احتدام المواجهة غير مرة خلال عام 2019 بين أنصار التحجر وعشاق الجمود من جهة والمطالبين بالتخلص من عصابات العين وغمامات العقل وفتح الباب أمام الاعتراف بالصحة النفسية ومن ثم أمراضها.

كلب المطرية
أمراض المجتمع المتراكمة على مدار عقود بدأت تخضع لعلاجات ذاتية وبمبادرات شعبية ومساندات عنكبوتية غير متوقعة خلال 2019. "كلب المطرية" أيقظ قلوباً ميتة وضمائر نائمة، وبدأ يصحح مسار ثقافة مغلوطة وقيماً ضلت طريقها. مجموعة من الرجال في حي المطرية الشعبي لم يجدوا وسيلة لمعاقبة كلب ضال عض معزة سوى الإمعان في تعذيبه، وذلك قبل قتله مع تصوير المشهد الوحشي على الموبايل. تداول المقطع على منصات التواصل الاجتماعي، وانتقل من أثير العنكبوت إلى أثير الإعلام التقليدي ومنه إلى أروقة وزارة الداخلية التي ألقت القبض على مرتكبي المجزرة، في سابقة لم تتكرر من قبل.

الواقعة وما أسفرت عنه من تسليط الضوء على حقوق الحيوان ومنع وحشية الإنسان بقوة القانون طالما الوازع الإنساني غائبا ستُكتب بحروف من نور باسم عام 2019. وإذا كان "كلب المطرية" فارق الحياة بطريقة وحشية لم تكن تهز أرجاء المجتمع من قبل، فإن تحول الواقعة إلى قضية رأي عام و"ترند" وإعادة المشاركات ملايين المرات أدت إلى فتح ملف القطط والكلاب "البلدي" الهائمة على وجهها في شوارع المحروسة. فبعد عقود من التعامل معها من قِبل القاعدة العريضة من المصريين باعتبارها حشرات لا يضر تسميمها، ومن قبل الدولة باعتبارها الجهة الرسمية المسؤولة عن وضع السم أو ضربها بالنار، ومن قبل فئة محدودة من المواطنين باعتبارهم أرواحا جميلة وينبغي حمايتها والحفاظ عليها تحولت المسألة إلى قضية تخضع لقوانين وملف له مدافعون وكذلك مناوئون.

مرض البهاق
المناوئون لكل ما يشذ عن المعتاد والمقبول بحسب مقاييس العادات والتقاليد دون مراجعة أو محاسبة وجدوا أنفسهم في عام 2019 في مرمى الانتقاد والمطالبة بضرورة التغيير. مرض البهاق الذي أصيب به الفنان الشاب رامي جمال ومجاهرته بالمرض الذي يحمل وصمة مجتمعية وأوهاما لا أساس لها من الصحة فتح باب محاربة الوصمات بأنواعها والتصدي للتنمر بأشكاله.

الوصمة التي تحيط بمريض البهاق ظناً من البعض بأنه مرض جلدي معد، أو لأن المصاب به يبدو مختلفاً عن المعتاد مع ظهور بقع فاتحة اللون على الجلد وجدت نفسها في مواجهة مع العلم والمنطق. فلا البهاق معدياً، ولا المظهر المغاير للمقاييس التي يفرضها المجتمع مرفوضاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبفضل مرض رامي جمال، وبفعل مجاهرته بما أصابه، وبمنصات عنكبوتية وكذلك إعلامية تقليدية خضع المجتمع المصري لنوبة صحيان إيجابية لتصحيح المفاهيم التي ظلت حبيسة جهل وصور نمطية وتجاهل مجتمعي.

التجاهل المجتمعي للتنمر واعتباره من الأمور العادية المقبولة أو الشرور الحياتية التي لا بد منها أو "خفة ظل" وجد نفسه في قفص الاتهام غير مرة هذا العام. مرة عبر حملات توعية في المدارس والجامعات، وأخرى بتشجيع كثيرين على المجاهرة بما يتعرضون له من تنمر، وثالثة بتسليط الضوء على تعرض فتى سوداني للتنمر في شارع قاهري وردة فعل غاضبة أدت إلى جلوس الفتى على يمين الرئيس المصري ضمن فعاليات منتدى شباب العالم في نسخته الثالثة هذا العام.  

هذا العام يصلح أن يكون عام فتح ملفات الخطاب الديني الحساسة، والتوعية المجتمعية الذاتية، ومواجهة الوصمات بسبل شعبية غير تقليدية، وإحداث قدر من الحراك الثقافي والمجتمعي إنطلاقاً من منصات عنكبوتية رأساً إلى الشوارع المصرية.