الجزائريون شيعوا قايد صالح... على أبواب مرحلة جديدة

استحقاقات عديدة تترقبها البلاد مع انتخاب تبون رئيسا للجمهورية

تجمع آلاف الجزائريين اليوم الأربعاء لتشييع الفريق أحمد قايد صالح، رئيس أركان الجيش، الذي شارك في حرب الاستقلال عن فرنسا وهو شاب وأصبح هذا العام الزعيم الفعلي للبلاد.
وتوفي  قايد صالح فجأة نتيجة أزمة قلبية يوم الاثنين عن 79 عاما بعد أن رسم سياسة الدولة ردا على احتجاجات شعبية استمرت على مدار العام مطالبة بتغيير شامل للنخبة الحاكمة.
وقال عبد السلام سلامي (52 عاما) الذي يعمل بقطاع الاتصالات في اتصال هاتفي مع "رويترز" من قصر الشعب بالعاصمة "فعل الصواب حين أمن عشرات الملايين في مسيراتهم من أجل التغيير منذ عشرة أشهر." وأضاف أن أحدا لم يقتل "صفر مقتول".
وعندما بلغت الاحتجاجات ذروتها في أبريل نيسان دعا قايد صالح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة حليفه منذ فترة طويلة للتنحي مما دفع الرئيس للاستقالة بعد فترة وجيزة.
ورغم تعيين رئيس مؤقت، كان ينظر لقايد صالح باعتباره الماسك بزمام الأمور في البلاد. ولم يسع لسحق الاحتجاجات السلمية بالعنف لكن العديد من المتظاهرين اعتبروه العقبة الرئيسية في طريقهم.
وضغط قايد صالح من أجل إجراء انتخابات لاختيار خليفة لبوتفليقة وجرت انتخابات اعتبرها المحتجون مسرحية إذ أن السلطة الحقيقية ظلت بيد الجيش.
ورددوا هتافات تقول "مدنية لا عسكرية" وطالبوا باستقالة قايد صالح.
وبعد انتخاب عبد المجيد تبون رئيسا طلب تبون من قايد صالح الصعود على المسرح حيث يؤدي اليمين الدستورية وعانقه وكرمه بتقديم وسام استحقاق له.

ويأتي رحيل القائد العسكري القوي، في توقيت حساس، حيث تواجه السلطة الجزائرية المنتخبة في الرئاسيات الأخيرة، استحقاقات عديدة.

وبقدر ما أعدته رئاسة الجمهورية من مراسم لمنح الرجل جنازة "تاريخية" وسط شوارع العاصمة، بقدر ما تسرّع الاستعدادات لمنح المؤسسة العسكرية الدور نفسه لطي جميع أوجه الأزمة السياسية في البلاد.

شنقريحة يتسلم المهام

لم يكن الفاصل الزمني بين إعلان رئاسة الجمهورية خبر الوفاة، وتعيين شنقريحة بديلاً له سوى بضع دقائق، فقد أصدر الرئيس عبد المجيد تبون، قراراً بتعيين قائد القوات البرية، اللواء سعيد شنقريحة، رئيساً للأركان بالنيابة.

ويعد شنقريحة أحد أهم ضباط المؤسسة العسكرية المقربين من الراحل، كما يوصف بالعسكري الوطني والملتزم طيلة مساره في صفوف الجيش الوطني الشعبي، ويطلق عليه مقربون صفة الرجل الذي لا يجيد العمل السياسي ولم يرتبط يوماً بدائرة القرار السياسي.

ولد سعيد شنقريحة عام 1945 ببلدية القنطرة بولاية بسكرة (400 كلم جنوب شرقي العاصمة). تدرج في المناصب العسكرية وصولاً إلى قيادة القوات البرية، قادماً من قيادة الناحية العسكرية الثالثة ببشار في أقصى الجنوب الغربي للجزائر.

صاحب الأربع والسبعين سنة، شارك في حرب الرمال ضد المغرب عام 1963 والحرب على إسرائيل في سلاح المشاة.

تدرج في مختلف الرتب إلى أن أصبح برتبة لواء عام 2003 ومن ثم قائداً للقوات البرية الجزائرية عام 2018، يملك شهادات عليا من المدرسة الأكاديمية العسكرية البريطانية والأميركية، وعشرات المدونات والرسائل والدراسات في ما يخص الخطط الحربية والدفاع البري.

العلاقة بين الرجلين

في المقابل، تقول مصادر مقربة من رئاسة الأركان إن اللواء شنقريحة، كان أكثر كبار الضباط قرباً من قايد صالح. ويعلق مصدر يعرف علاقة الرجلين "تعود شنقريحة على مناقشة قرارات قايد صالح فعلاقته به كانت تسمح له بذلك، وفي العادة كان قايد صالح يرد ممازحاً على جدية سعيد شنقريحة، فهو رجل عسكري مئة في المئة".

ويجد الرئيس المنتخب عبد المجيد تبون نفسه "يتيماً" في الأسبوع الأول من توليه رئاسة الجمهورية بشكل رسمي، فهو قرر الاعتماد على صالح في رسم أهم السياسات المرتبطة بالحراك الشعبي وتعديل الدستور ومتابعة الملفات القضائية "القديمة" بعد قرار رئيس الأركان الراحل إعادة فتحها من جديد، وهي ملفات "خليفة للطيران" وفضيحة "الطريق السيار شرق غرب" وكذا فضيحة "مؤسسة النفط الحكومية سوناطراك".

"تيار الاستمرارية"

من جهة ثانية، يمثل سعيد شنقريحة "تيار الاستمرارية" داخل المؤسسة العسكرية، إذ تكشف مصادر مطلعة لـ"اندبندنت عربية"، أن "كبار الضباط في رئاسة الأركان وافقوا بالإجماع على تعيين سعيد شنقريحة في منصب الفريق الراحل أحمد قايد صالح"، بل إن "أكثر الذين تحمسوا لشنقريحة كان الفريق القوي في رئاسة الجمهورية، بن علي بن علي قائد الحرس الجمهوري على الرغم من أن الأخير برتبة فريق فيما يحمل رئيس الأركان الجديد شارة جنرال".

كما قررت رئاسة الجمهورية "إعلان وفاة الفريق أحمد قايد صالح في توقيت متزامن تماماً مع تعيين سعيد شنقريحة مكانه بالنيابة تفادياً لأية قراءات سريعة في صفوف العسكريين عبر النواحي العسكرية والوحدات".

في سياق متصل، تأتي وفاة نائب وزير الدفاع رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح، في ظرف استثنائي فقط بعد استلام تبون مقاليد الحكم.

ويقول المؤرخ والمحلل السياسي عامر رخيلة عن الحدث عموماً "لقد أنجز الراحل ما التزم به من إعادة الجزائر إلى سكة المسار الطبيعي بعد أن كانت تتلاطمها أمواج لترمي بها في أحضان مخططي ومنفذي مسارات الربيع العربي".

لماذا التركيز على قائد الجيش

هل سيقوى شنقريحة على تعويض رئيس الأركان، ولماذا يذهب البعض إلى التركيز على هذا المنصب على الرغم من أن البلاد استقبلت رئيساً جديداً بصلاحيات كاملة؟

يوضح الناشط السياسي صلاح الدين مقري أنه "من الطبيعي أن يتطلع الجميع إلى تبون كرئيس للجمهورية ووزير للدفاع، ولكن على عكس ذلك بدأ الترويج لخليفة قايد صالح بشكل مبتذل والتركيز على تلميعه بشكل مبالغ فيه ولم يذكر تبون إلا نادراً".

هل كان ذلك عفوياً؟ يجيب صلاح الدين مقري "إذا كان عفوياً فهذا مؤشر سلبي على أننا شعب ترسخت قناعة عميقة لدى جزء مهم منه على أنه محكوم علينا الانقياد للعسكر من دون غيرهم على الرغم من أن هذا الجزء من الشعب بنى كل مواقفه وخصوماته السياسية في المدة الأخيرة على أننا سننتخب رئيساً نسلمه أمر البلد ليعود العسكر إلى مهامهم الدستورية".

لكن العقيد المتقاعد من صفوف الجيش أحمد كروش يناقض هذا الطرح تماماً، يقول لـ"اندبندنت عربية" إن "المؤسسة العسكرية في فترة قايد صالح كانت تتخذ القرار بشكل جماعي بل وبحضور رئيس الأركان الجديد، لذلك فإن شنقريحة سيحافظ على نفس النهج، فهو صاحب سمات قيادية ويجيد لغة النقاش".

المزيد من العالم العربي