Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شجرة "الكريسماس" في مصر... اختلافاتها تنشر البهجة وجدال لا يفسد العقيدة

جماعات الإسلام السياسي وراء حالة العداء... ورواج اقتصادي بالأحياء الشعبية مع "بابا نويل"

الفنادق والمراكز التجارية في مصر تتزين بشجرة الكريسماس في أعياد رأس السنة الميلادية  (أ.ف.ب)

ينقسم المواطنون هذه الأيام ثلاثة أقسام غير متساوية: قسم مبتئس للاحتفاء، وآخر مبتهج بالاحتفال، وثالث لا يدري من أمر الأول شيئاً ولم يسمع عن الثاني أيضاً. المراكز التجارية الضخمة والمقاهي ذات النجوم الخمسة والنوادي صاحبة العراقة وسمعة الأرستقراطية وحتى محال وسط القاهرة الكلاسيكية، ومعها أكشاك ومنافذ بيع عشوائية في أحياء شعبية لحقت بركب الفضائيات ومن بعدها "نتفليكس" و"برايم فيديو" وغيرهما ترفع راية الاحتفال من أجل البقاء، والأنوار والزينات من الألف إلى الياء حيث "الكريسماس" عيد ورأس السنة الميلادية مناسبة وطنية ومضاعفة الأرباح ومواجهة الغلاء وعدم الرغبة أو القدرة على الشراء تمر عبر شجرة الكريسماس بمستوياتها الطبقية شديدة التفاوت.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

خلافات الشجرة واختلافها

لكن التفاوت لا يقتصر فقط على طول الشجرة وعرضها، ونوعية زيناتها وساعات إضاءتها، لكنه يطول العابرين والمارين. فمنهم من يقف لالتقاط "سيلفي الشجرة" أو تقف على قدم وتثني الأخرى، لزوم الأناقة وحسب متطلبات الإنستغرام، حيث جني "اللايكات" وضمان القلوب الحمراء، ومنهم أيضاً من يتمتم غاضباً أو يحوقل متوتراً مبدياً الاعتراض ومعبراً عن الامتعاض.

امتعاض رب الأسرة الذي يبدو من مظهره وزوجته وأبنائه الستة أنه محافظ دينياً أقصى درجات المحافظة من شجرة "الكريسماس" الشاهقة الموضوعة في البهو الرئيس بأحد أكبر المراكز التجارية في القاهرة لم يجد الكثير من الآذان الصاغية. وباستثناء رجل الأمن المعين حديثاً، الذي أبدى له سراً اعتراضه مذيلاً بـ"لكني عبد المأمور، وفي البلد (القرية التي ينتمي إليها) لا نعرف سوى شجر الليمون والبرتقال واليوسفي".

أشجار الكريسماس الكثيرة التي تسللت إلى شوارع القاهرة وعدد من المدن الكبرى على مدار الأيام القليلة المقبلة تظل في كل عام أحد معايير قياس الرأي العام ومعرفة التوجه الثقافي الملتبس أحياناً مع الديني. فمن عقود كانت أشجار عيد الميلاد ورأس السنة الميلادية تنتشر في واجهات المحال وبيوت كثيرة أغلبها لمسيحيين والبعض الآخر لمسلمين دون احتقانات أو توجسات، إلى عقود توغل خلالها التحريم أكثر من التحليل ووصم الاختلاف باعتباره مكروهاً ثم إعلان صريح عن هذا التوغل منذ كشفت جماعات الإسلام السياسي بأطيافها عن تغلغلها في فكر المجتمع بشكل واضح حتى باتت الشجرة في حد ذاتها مصدر تجاذب وسبب مشكلات، تجد شجرة الكريسماس نفسها اليوم مقياساً للثقافة ومعياراً للقبول.

 

 

دعوة عشاء

قبول دعوة العشاء في مناسبة عيد الميلاد التي تقيمها الشركة متعددة الجنسيات في القاهرة من قبل "أحمد" (أحد العاملين) الذي انتهج نهجاً يصفه بـ"الملتزم" بينما يصنفه زملاؤه بـ"المتشدد" قبل سنوات ظل مشروطاً لديه باعتبار الدعوة "لقاءً اجتماعياً" وليس مناسبة "دينية". وهناك كثيرون مثل أحمد. ظهروا على سطح المجتمع المصري مع هبوب رياح التغيير في يناير (كانون الثاني) عام 2011، بعد عقود من الخضوع لتفسيرات وتحكمات جماعات دينية مسيطرة على الشارع، لا سيما الريف والمناطق الشعبية والعشوائية. وبدلاً من الانفتاح على العالم الخارجي في عصر تقنية المعلومات وعولمة أثير العنكبوت وتيسير فهم الآخر والتقارب بين الثقافات، تحولت شجرة الكريسماس بزيناتها وأضوائها ومباهجها إلى مادة للشد والجذب كل عام.

وفي كل عام على مدار الأعوام الثمانية الماضية، تتسلل الشجرة إلى الواجهات وبعض الميادين فيبتهج البعض ويبتئس الآخر، وتبقى قاعدة عريضة بعيدة عن الأضواء شكلاً وموضوعاً.

سرو ليمون

"موضوع شجرة الكريسماس لا يشغلني كثيراً. هي شجرة مثل غيرها من الأشجار. وكل ما أعرفه عنها إنها "سرو ليمون"". معلومات حجاج السيد، 22 عاماً، القادم من سوهاج للعمل في القاهرة منذ عامين تكشف رؤيته للأشجار المضاءة بالمحل الذي يعمل فيه والمنتمية بالفعل إلى فصيلة "سرو الليمون" العطرية. لكنها في الوقت نفسها لا تمتد إلى سبب إضاءة الشجرة في هذا الوقت من العام تحديداً، وذلك لأن الأمر لا يعنيه.

"الشجرة شكلها جميل، لكن لا ينبغي الانجذاب وراء هذه المعالم لأنها لا تخص المسلمين. علينا أن نحمي أبناءنا ونقيهم التشتت بين ديننا وأديان الآخرين"، حسبما تقول أسماء عبد الرحيم، 38 عاماً، وهي أم لثلاثة أبناء قبضت عليهم متلبسين بالتغزل في شجرة الكريسماس الضخمة بالمركز التجاري الكبير مع التقاط سيلفي الشجرة.

"الشجرة جميلة والمناسبة أجمل ألا وهي ميلاد سيدنا عيسى عليه السلام المذكور والمبجل في القرآن الكريم. والاحتفاء بالمناسبة جميل، وإشاعة البهجة رائع، وانتشار الأشجار في الأماكن العامة مبهج وفتان"، حسبما يشير عماد سليمان، 44 عاماً، الذي يحرص على اصطحاب زوجته وابنتيه كل عام ليلتقطوا صوراً تذكارية مع شجرة الكريسماس في المركز التجاري.

 

 

تجارة الشجرة

"ما حكم الاستعانة بشجرة الكريسماس للترويج للتجارة ونشاطها؟" سؤال توجه به أحدهم لشيوخ يفتون على الشبكة العنكبوتية، وهو يعكس مفهوم الشجرة بين فئة من المصريين. ويأتي الرد الصادر عن شيوخ افتراضيين يدور في دوائر التحريم والتحذير. "لا يجوز أن يشارك المسلم في بدعة، سواء كانت بالحضور أو الشراء أو الاحتفال أو رسم الشعارات أو إعداد اللافتات أو التهنئة، حتى وإن كان الغرض هو الربح عبر تجارة يُفتَرض أن تكون حلالا".

وبين حلال الشجرة وحرامها مساحة كبيرة لا تقتصر على الفتاوى ومصادرها فقط، بل تتصل بالثقافة والمعرفة والفكر والتعرض للأنماط والأنواع المختلفة من البشر وغيرها من العوامل المجتمعية والثقافية إلى جانب الدينية. فالفتاوى الموسمية التي تصدر في مثل هذا الوقت من كل عام عن دار الإفتاء وعدد من مشايخ الأزهر المعروفين إعلامياً تمسك بدفة الوسطية على الأقل في العلن.

الأمانة العامة لدار الإفتاء تجدد في الأعوام القليلة الماضية حكمها في شأن احتفال المسلمين مع المسيحينن برأس السنة الميلادية، مشيرة إلى أن المسلمين يؤمنون بأنبياء الله تعالى ورسله كلهم، ويفرحون بأيام ولادتهم، وهم حين يحتفلون بهذه الأيام إنما يفعلون ذلك شكراً لله تعالى على نعمة إرسالهم هداية للبشرية ونوراً ورحمة.

 

 

مواقف مختلفة

ومن رحمة الله تعالى بالبشر وتطور المجتمعات والتطلع نحو الحياة وجود أصوات وآراء ومواقف مختلفة باختلاف العصر والزمان. مفتي مصر السابق وعضو هيئة كبار العلماء الدكتور علي جمعة، المصنف باعتباره أحد الشيوخ القلائل المتنورين والمستجيبين لدعوات تجديد الخطاب الديني، أفتى قبل عامين بجواز شراء شجرة الكريسماس، حيث إن صناعتها وتداولها ثقافة تؤخذ بالعرف. كما أن الاحتفال بمولد سيدنا عيسى عليه السلام مشروع، لا سيما أن سيدنا محمد (ص) كان يفرح بالأنبياء. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الرأي يجري بثه مجدداً هذه الأيام، ربما لتوافقه أيضاً مع التوجه السياسي.

سياسياً، لا يفوت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مناسبة دينية مسيحية إلا ويوجه فيها التحية والتهنئة لأصحابها، ويتوجه مشاركاً بنفسه في بعضها. وقبل ساعات، أوفد الرئيس مندوباً لتهئنة طائفة الأقباط "الأدفنتست السبتيين" للتهنئة بعيد الميلاد المجيد، وهو ما يكرره مع بقية الطوائف المسيحية، كل في توقيته.

توقيت وضع أشجار الكريسماس الضخمة في مداخل المنتجعات السكنية الفاخر والمراكز التجارية الفارهة ومقاهي ومطاعم النجوم الخمسة يتزامن وتوقيت تزيين الأشجار المزروعة في بعض الشوارع والميادين بمناطق شعبية عدة. وبين "نفرح العيال" و"الزينة ليست حراما" و"موسم وكل سنة وأنتم طيبين" تتراوح تعليقات باعة جوالين على أرصفة في حي "الزاوية الحمراء" الشعبي. هذا الحي الذي شهد أسوأ حوادث الفتنة الطائفية التي أججها إسلاميون شديدو التطرف في عام 1981 يشهد حركة رواج تجارية لأقنعة "بابا نويل" و"طرطوره" الشهير وشجيرات كريسماس بلاستيكية صغيرة تحقق أرباحاً جيدة وتنشر مشاعر طيبة ولا تهدد العقيدة.