أزمات الطاقة تقسو على السوريين المثقلين بخفايا "كنز دفين"

يرخي الحصار المفروض بظلاله على السوريين ليحرمهم من حاجاتهم الضرورية، ويهددهم بخطر الموت.

أزمة غاز منزلي تعيشها سوريا بسبب العقوبات والنقص الحاد في تلك المادة  (اندبندنت عربية )

تشتد أزمات الطاقة في سوريا هذا الشتاء مع فقدان حادٍ لمشتقات النفط من غاز ومحروقات التدفئة وانقطاع الكهرباء، ككابوس ثقيل على السوريين، وأيامهم المثخنة بجروح الحرب. يواصلون متابعة أخبار عبور السفن المحملة بالغاز بحراً، وغالبيتها من موسكو وطهران، حليفتَيْ دمشق، في حين تنفي القاهرة توقيفها أي سفن متجهة إلى سوريا، وهي التي يرى فيها السوريون طوق نجاة يساعدهم على اجتياز الشتاء القارس. يقتصد السوريون في وسائل تدفئتهم من أسطوانات الغاز المنزلي، علّها تكفيهم أياماً إضافية قبل نفادها، في حين تهتم الحكومة السورية بشن حملة واسعة على تهريب البضائع الأجنبية، وبخاصة التركية، التي تصل من شمال البلاد، في محاولةٍ لدعم الصناعة الوطنية، في ظل حصار يُرخي بظلاله على المواطنين ليحرمهم حاجاتهم الضرورية، ويهددهم بخطر الموت، مثلما حصل مع أطفال ماتوا بسبب البرد في الداخل السوري وفي مخيمات النزوح.

احتياط الغاز المتطور
على الرغم من أن المشاريع التنموية بلغت تكلفتها 518 مليار ليرة سورية خلال 18 شهراً، فإن منابع الطاقة لا تزال الهاجس الذي يؤرق السوريين، لتنتقل البلاد من حالة الاكتفاء الذاتي إلى الاستيراد، بل باتت تجلب مشتقات النفط من مواقع وآبار في الشمال الواقع خارج سيطرتها.
وكان ترتيب سوريا قبل الحرب في العام 2008، من ناحية احتياطي الغاز وصل إلى المرتبة 43 عالمياً، في حين تقدم مؤشر الاحتياطي السوري من الغاز في منطقة تدمر وقارة وساحل طرطوس وبانياس، إلى المرتبة 31 من احتياطي البترول في العام 2017.
في المقابل، وعلى الرغم من وجود مكامن واعدة من النفط والغاز في سوريا براً وبحراً، أشار باحث جيولوجي سوري إلى وجود طبقات رملية من الحقب الجيولوجية القديمة منتشرة في مناطق عدة، لم يُستَكشف فيها الفحم الهيدروجيني حتى الآن، لافتاً إلى أن سوريا أقامت خلال العقود الماضية بُنى تحتية وتحركت بشكل واسع على صعيد استخراج الثروات المعدنية واستكشافها. وأهّلها موقعها في منطقة تتوسط قارتَي آسيا وأوروبا، لنقل شحنات النفط إلى البلدان المستهلكة. وإذا أحسنت سوريا استغلال هذه الآبار فستكون ثالث بلد مصدر للغاز في العالم.
تأثير العقوبات وانعكاساتها
تقدّر حسابات رسمية الاستهلاك اليومي لكل المحافظات السورية ما يفوق مئة ألف أسطوانة غاز، منها 40 ألفاً للعاصمة وحدها، إلا أن تلك الأرقام تضاعفت ثلاث مرات خلال فصل الشتاء بسبب اعتماد السوريين على الغاز المنزلي للتدفئة.
ومع سعي السلطات إلى استخراج ما يمكن استخراجه من الآبار الواقعة تحت سيطرتها، تشير بيانات الرسمية إلى أن إنتاجها بلغ 15.5 مليون متر مكعب من الغاز يومياً في العام 2018. ومع عودة مناطق واسعة إلى سيطرة السلطة، تحاول الأخيرة زيادة الانتاج وسد حاجة الطلب المتزايد، وهذا ما جعل نطاق الحاجة يتسع. وفاقم الأمر هذا العام، دخولُ العقوبات الأميركية على إيران حيّز التطبيق، وأُضيف إلى ذلك تعطيل حركة شحن النفط والغاز الإيرانيَين عبر البحار، وهذا ما أدى إلى انخفاض كميات الغاز المستورد.
الكهرباء والتقنين المستمر
أزمة الطاقة لم تكن طارئة، بل رافقت السوريين طوال فترة الحرب ودفعت وزارة الاقتصاد السورية في وقت سابق، إلى استصدار قرار يسمح للمستوردين السوريين بجلب مادتَي المازوت والفيول من مصادر عدة وتسديد قيمتها بوسائلهم الخاصة، وهذا ما يُعتبر استثناءً من أحكام الدولة السورية بمنع الاستيراد.
ولفت "كنز سوريا الدفين" أنظار الدول الكبرى، إذ إن أحد أهم أسباب الحرب السورية والاقتتال الدائر على مواقع بشمال شرقي البلاد في الجزيرة السورية، هو حجم الاحتياطي الكبير من النفط والغاز الذي سيستمر بالتدفق في السنوات الأربع المقبلة، في حين أن حقــول الباديــة والساحل، إذا بـُـدئ اسـتغلالها في العام 2018، ستبقى حتى عام 2051، في أقل تقدير، وفق بيانات إحصاء سورية.
لا يعيش السوريون أزمة الغاز فقط بل أزمة كهرباء وتقنين حادة. ويقدّر خبراء أن ثلاثة حقول غاز متوسطة الحجم شمال تدمر، ستكون كافية لتزويد كل سوريا بالطاقة الكهربائية على مدار الساعة يومياً، لمدة 19 سنة، إلا أن وزارة النفط والثروة المعدنية ضغطت في الفترة الماضية باتجاه إنتاج أكبر وأوسع، مع توقف وصول السفن واحتراق سفينتين أخيراً في البحر قبل وصولهما إلى سورية، وذلك عبر تأمين متطلبات توليد الطاقة الكهربائية من الغاز والفيول للفترة المذكورة، إثر زيادة ملحوظة للطلب.
محطات الطاقة والإنتاج
من جهتها، لم تستبعد وزارة الكهرباء وهي الجهة الحكومية المشرفة على شركات إنتاج الطاقة الكهربائية وتوزيعها (تتبع بتمويلها القطاع العام)، خلال اجتماعات رفيعة المستوى، مسألة جذب القطاع الخاص للاستثمار في إنتاج الكهرباء في ظل الضغط والطلب الكبيرين، في وقت يُعمل على زيادة الإنتاج 5 آلاف ميغاواط حتى العام 2023.
كما لا يمكن إخفاء تجارب صغيرة كان للقطاع الخاص دور فيها في مدينة حلب التي لم تر النور خلال سنوات الحرب، إلا بعد وصول إمدادات شبكة جديدة من محافظة حماه بسبب توقف محطات توليد الطاقة في ريف المدينة عن العمل، وهذا ما اضطر الأهالي إلى الاعتماد على مولدات تابعة للقطاع الخاص ومتعهدين تعمل على مادة المازوت.
وكان إنتاج الكهرباء ارتفع من 1200 ميغاواط إلى 4000 خلال العامين 2017 و2018، وسيبلغ بعد 5 سنوات، حدود 9000 ميغاواط، وهو مستوى ما قبل اندلاع الحرب. وبلغت الأضرار التي لحقت بقطاع الكهرباء السوري نتيجة الأزمة حتى الآن، حوالي 4 تريليون ليرة سورية. وذكرت مصادر أن سوريا تنتج حالياً 80 مليون كيلوواط من الكهرباء يومياً، في حين بلغ هذا المؤشر حدود 46 مليون في العام 2016.
وشهدت سنوات الحرب خروج عشرات محطات توليد الطاقة عن الخدمة والإنتاج اليومي، ليس بسبب النزاع المسلح وحسب، بل لانعدام المواد المشغِّلة لها من فيول وغاز، بعد إصلاحها نتيجة الحصار.

المزيد من العالم العربي