Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العراق... سنة الثورة على الفساد السياسي والإقتصادي

من عبارة الموصل إلى معركة الحشد وإسرائيل واستقالة رئيس الحكومة

 (أزف.ب)من الانتفاضة العراقية

على الرغم من التشابه بين عام 2019 وأعوام سابقة في العراق، لجهة عدد الضحايا المسجلين في دوائر الطب العدلي، فإن أسباب الوفيات في العام الحالي كانت مختلفة، وباستثناء حادثة مأساوية واحدة في مدينة الموصل خلفت عدداً كبيراً من القتلى، فإن الجانب الأكبر من بقية الضحايا ارتبط سقوطهم في العراق بالفخر.

في يوم الخميس 21 مارس (آذار) 2019 غَرِقت عبّارة سياحيّة في نهر دجلة في مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى شمال العراق، عندما كانت تنقل عشرات العائلات إلى جزيرة سياحية قريبة. ما تسبب بوفاة نحو 120 شخصاً، وتسجيل نحو 50 آخرين في عداد المفقودين.

حاولت الشركة المشغلة أن تحيل الحادث إلى أسباب فنية خارجة عن إرادتها، لكن التحقيقات كشفت أن العبارة التي تستوعب 50 شخصاً، كانت تقل نحو 300 شخص لحظة غرقها، لتوجه أصابع الاتهام إلى حركة "عصائب أهل الحق"، القريبة من إيران التي تسيطر على الموقع السياحي بسوء الإدارة وتعريض حياة السكان إلى الخطر طلبا للتربح المالي.

سلط هذا الحادث الضوء على ملف محاط بالسرية، يتعلق بالمصالح الاقتصادية الواسعة التي استولت عليها فصائل شيعية مقربة من إيران في المناطق ذات الأغلبية السنية، بذريعة الإسهام في استعادتها من تنظيم داعش.

شملت المصالح، الاستيلاء على آلاف الأطنان من الخردة الناجمة عن سيطرة تنظيم داعش على المدينة وعمليات استعادتها لاحقاً، والسيطرة على تجارة السجائر والأغنام والكراجات العامة والمواقع الصالحة للاستثمار، التي يقع بعضها على نهر دجلة، حيث صنف هذا الملف على أنه مؤشر على وجود خطط لدى حلفاء إيران في العراق بشأن تمويل عملياتهم وأنشطتهم، ليس عبر خزينة طهران كما كان سائداً، بل عبر موارد قادمة من مناطق سنية، قد يتحول الاعتراض فيها على أي سلوك ميليشياوي إلى تهمة الإرهاب.

الحشد الشعبي وإسرائيل

في 19 يوليو (تموز)، تعرض معسكر تابع للحشد الشعبي في ناحية آمرلي قرب محافظة ديالى إلى غارة جوية، قتل فيها 4 عراقيين وإيراني واحد، وبعد أيام تعرض معسكر آخر للحشد في منطقة قريبة، إلى هجوم مماثل، أتى على عدد كبير من الصواريخ ذات المدى المتوسط.

دشن الهجومان سلسلة عمليات مماثلة ضد مقرات ومعسكرات وقادة الحشد الشعبي في بغداد وصلاح الدين والأنبار خلال الشهرين اللاحقين. في سبتمبر (أيلول)، أعلن رئيس الوزراء عادل عبد المهدي أن إسرائيل هي المسؤولة عن هذه الهجمات، ما فجر جدالاً واسعاً بشأن الأسباب التي دفعته إلى هذا الموقف، ومدى صلتها بمحاولة إرضاء إيران ومجاراة الاتهامات المماثلة التي أطلقها حلفاؤها العراقيون.

كانت هذه الهجمات مفتاحاً بيد الحشد الشعبي كي يوسع دولته داخل العراق، فوصل به الأمر إلى الإعلان عن تأسيس قوة جوية خاصة به، بعيداً من تلك التي تشغلها الحكومة، وانخرط في مواجهة كلامية مع الولايات المتحدة، التي اتهمها بتسهيل مهمة استهداف مقراتها، متعهداً النيل منها.

حكمت تلك اللحظة شكل العلاقة بين الحشد والحكومة العراقية، فبينما كانت في زمن رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي علاقة تبعية من الأول إلى الثاني، صارت في عهد رئيس الوزراء الحالي عادل عبد المهدي علاقة تكافؤ، بل ربما سيطر الأول على الثاني، حتى قيل إن رئيس الوزراء لم تعد لديه صلاحيات، وأن كل شيء انتقل إلى حلفاء الحرس الثوري الإيراني في بغداد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وزير يستقيل هرباً من الفساد!

في 15 سبتمبر (أيلول)، أرسل وزير الصحة في الحكومة العراقية علاء العلوان، استقالة مكتوبة إلى رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، ملمحاً إلى أن الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، يمنعه من أداء مهماته.

كان العلوان نموذجاً للوزير المسلح بخبرة التنكوقراط، الذي لم يسبق له التواصل مع الأحزاب السياسية، لذلك شكل وجوده في حكومة عبد المهدي علامة تفاؤل، لكن طريقة انسحابه تركت خيبة أمل شعبية كبرى، بعدما تيقن الجميع أن إصلاح الوضع في البلاد ومحاربة الفساد والانتقال من منطقة فشل الدولة إلى النجاح التدريجي، لا يتعدى آمالاً ذهبت مع الريح.

عمّق عبد المهدي شعور الخيبة لدى المواطنين، عندما رد برسالة على العلوان، قال له فيها إن عليه أن يرتاح عبر إجازة طويلة، من دون أن يكلف نفسه مجرد التعهد بالتحقيق في الفساد الذي أشار إليه الوزير.

كشفت هذه الحادثة عن عمق أزمة النظام وعجز رئيس الوزراء نفسه عن مواجهة القوى التي تهيمن على الدولة، وتشيع فيها الرشوة والفشل.

تطورات متسارعة

بين 20 و27 سبتمبر (أيلول)، وقعت جملة تطورات، هيأت لانتقالة كبيرة، ربما تغير وجه البلاد.

بدأت الأحداث بهدم دور ومحال تجارية ومواقع غير نظامية يشغلها آلاف المتجاوزين العراقيين في بغداد وعدد من المحافظات، في إطار ما كان يعرف بمشروع "استعادة هيبة الدولة". لكن حكومة عبد المهدي أطلقت هذا المشروع من دون أن تقترح أي بديل للآلاف الذين ألقت بهم في الشارع.

أنتج هذا المشروع غضباً شعبياً كبيراً، ودشن تظاهرات مناطقية ضد البلديات التي نفذت عمليات إزالة التجاوزات، وحاول بعض المحتجين إحراق أنفسهم.

بالتزامن، كان مكتب رئيس الوزراء يحاول فض اعتصام قريب من موقعه وسط بغداد، لعدد من حملة الشهادات العليا العاطلين، الذين يطالبون بالحصول على وظائف.

استخدم حرس مكتب عبد المهدي خراطيم تضخ مياه ساخنة، لتفريق المحتجين، ما تسبب في سقوط عدد من الفتيات على الأرض، وهو مشهد تسبب في غضب واسع ترجمته حسابات العراقيين على مواقع التواصل الاجتماعي.

بعد أيام، جاءت الذروة بقرار غريب من رئيس الوزراء العراقي ضد أحد أبرز أبطال حقبة الحرب على تنظيم داعش، وهو الجنرال البارز عبد الوهاب الساعدي، الذي أرسل إلى رفّ التجميد على حين غرة.

حتى الآن، المعروف أن الساعدي عوقب بهذه الطريقة، لأنه رفض العمل إلى جانب زعماء ميليشيات عراقية موالية لإيران في بعض مواقع إعادة الانتشار، التي تحددت بعد إعلان النصر على تنظيم داعش.

كانت معاقبة الساعدي، الذي وجد فيه العراقيون ملهما يوحّد مشاعرهم التي قسمتها الطائفية، قشة قصمت ظهر البعير المثقل في العراق، وشرارة أدت إلى اندلاع تظاهرات واسعة.

ثورة أكتوبر

بدأ الأمر بتجمع عفوي مطلع أكتوبر (تشرين الأول) في ساحة التحرير وسط بغداد، ظهر فيه الخريجون الذين فرقهم مكتب عبد المهدي بالمياه الساخنة  إلى جانب الأشخاص الذين شردتهم حملة إزالة التجاوزات، مع صورة كبيرة للجنرال عبد الوهاب الساعدي.

كان هذا المشهد هو أفضل وسيلة لإخراج العراقيين من منازلهم، وسط شعور عام بنفاد الصبر، وما هي إلا ساعات حتى احتشد آلاف المواطنين في ساحة التحرير.

لم تصبر القوات الأمنية على المتظاهرين سوى ليلتين، إذ شرعت خلال الثالثة في عملية لتفريق المحتجين، انتهت بمجزرة، إذ ظهر قناصون في أعلى عدد من المباني المشرفة على التحرير وفتحوا النار في اتجاهات مختلفة، ما تسبب في مجزرة، فجرت لاحقا ثورة على صعيد محافظات الوسط والجنوب، ذات الأغلبية الشيعية.

حتى الآن، خسر المتظاهرون نحو 500 قتيل وقرابة العشرين آلف جريح، مع قائمة مفقودين ومختفين تضم المئات، لكنهم تمكنوا أيضا من إطاحة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي من منصبه، وهم يواصلون الضغط، ولا أحد يدري أين سيتوقفون.

إذا كان ثمة ما يفخر به العراقيون في 2019، فهو استعادتهم الثقة بأنفسهم، إذ للمرة الأولى منذ أعوام، يشعر الأفراد بأهميتهم، وبأنهم قادرون على إحداث الفارق والتسبب بالرعب للطبقة السياسية الحاكمة، التي كان ينظر إليها قبل تظاهرات أكتوبر على أنها عصية على المساس.

حصاد 2019، عبارة الموصل، ثورة أكتوبر، الاحتجاجات العراقية، استقالة عبد المهدي، العراق، الحشد الشعبي.

المزيد من العالم العربي