Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صلوات وترتيلات وشجرة أوزوريس... طقوس احتفالات أقباط مصر بعيد الميلاد المجيد

مظاهر روحية ومجتمعية تختلط فيها الزينة والأنوار بالألحان الكنسيَّة... والكعك يجمع المسلمين والمسيحيين

الكنيسة المصرية أثناء الاحتفال بعيد الميلاد المجيد (حسام علي. اندبندنت عربية)

احتفالات وأنوار صاخبة تجتاح عواصم العالم في ديسمبر (كانون الأول) من كل عام احتفالاً بميلاد السيد المسيح وبدايّة عام ميلادي جديد، وبينما تنتهي في العالم الغربي عند الأول من يناير (كانون الثاني) حيث بدايّة السنة الميلاديَّة، تستمر الاحتفالات بالشرق حتى السابع أو الثامن من يناير (كانون الثاني) لاختلاف حسابات ذكرى عيد الميلاد بين الشرق والغرب.

وتتسم احتفالات عيد الميلاد في الشرق وتحديداً مصر بمزيج من الطقوس الروحيَّة والمجتمعيَّة التي تختلط فيها الزينة والأنوار بالصلوات والألحان الكنسيَّة، كما تجتمع فيها مظاهر الاحتفالات المصريَّة والغربيَّة، مثل سانتا كلوز وشجرة الميلاد وكعك العيد الذي يمثل عادة شرقيَّة تتعلق بالأعياد الدينيَّة للمسيحيين والمسلمين سواء.

 

 

شجرة الكريسماس... جذورها مصريَّة

بينما يعتقد الكثيرون أن "شجرة الميلاد"، أو كما يُطلق عليها "شجرة الكريسماس"، هي تقليدٌ غربيٌّ مَردّه إلى القرون الوسطى في شمال أوروبا، أو أن أصولها ترجع إلى القرن السادس عشر الميلادي، إذ ترتبط بالمُصلح المسيحي البروتستانتي مارتن لوثر، الذي قيل إنه أضاف الشموع المضاءة إلى شجرة خضراء، يؤكد ماجد الراهب المؤرخ القبطي ورئيس الجمعيَّة المصريَّة للحفاظ على التراث، أن أصل شجرة الميلاد "يعود إلى مصر القديمة، إذ كان المصريون القدماء يحتفلون بما يسمى بـ(شجرة أوزوريس)".

يقول الراهب، في حديثه إلى "اندبندنت عربيَّة"، "المصريون في عاصمة مصر القديمة (أبيدوس) كانوا يحتفلون سنوياً أمام معبد أوزوريس، ويأتون بأكثر الأشجار اخضراراً لنصبها وزرعها في وسط الميدان الذي يكتظ بالرجال والنساء والأطفال والشباب الفقراء والضعفاء، انتظاراً للهدايا والعطايا".

ويضيف، "ويتلقّى الكَتبة طلباتهم وأمنياتهم، ويسجلونها على الشقافات والبرديات، ويضعونها تحت قدمي (أوزير) الشجرة، فيحققها لهم كهنة المعبد قدر الإمكان".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتابع الراهب، "كان يحرص كل حاج على إحضار شتلة أو فرع صالح للزراعة، وفروع أشجار الصفصاف مثلاً يزرعونها حول المقام هديَّة لروح أوزوريس، ورحمة على أرواح أمواتهم، آملين أن يتمتعوا بالحياة قرب أوزوريس الشهيد الأول الذي ما زالت تحتفل به الجماعة الشعبيَّة، وهي تطلق اسم (عيد الشهيد)".

واستكمل، "سرت عادة الاحتفال بالشجرة في العالم من الشرق إلى الغرب، فأخذوا يحتفلون بها في عيد الميلاد، ويختارونها من بين الأشجار التي تحتفظ بخضرتها طوال السنة مثل السرو والصنوبر".

ولفت الراهب إلى أن شجرة أوزوريس التي أحضرتها إيزيس هي "أصل (شجرة الحياة) بالثقافة البابليَّة، و(شجرة الميلاد) بالثقافة الأوروبيَّة، ويتم في احتفال عيد الميلاد بالكنيسة إحضار هدايا للأطفال من شجرة الميلاد".

تتضمن أيضاً مظاهر الاحتفال بالأعياد في مصر وليس عيد الميلاد فقط، صنع "كعك العيد"، وهو ما يعود أيضاً، حسب المؤرخ القبطي، إلى "عصر المصريين القدماء، إذ ظهرت على جدران المعابد السيدات يحملن أطباق الكعك المنقوش".

 

 

احتفالات روحيَّة... ترتيلات وتسبيحات كنسيَّة

داخل الكنيسة تبدأ الاحتفالات الروحيَّة مع بدء موسم الصيام الذي يسبق العيد بـ43 يوماً، ويقول الأب روفائيل سامي راعي كنيسة الشهيد مار جرجس بالفيوم (غرب)، "الكنيسة تضيف 3 أيام للأربعين يوماً صوم الميلاد، وهم معجزة نقل جبل المقطم، إذ تتذكّر الكنيسة إيمانها وما مرّت به في تاريخها من تجارب، إضافة إلى احتفال أمجاد بولادة شريعة العهد الجديد، وهي ميلاد السيد المسيح".

ويضيف "خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) نحتفل بتذكارات أربعة، إذ يمثل كل يوم أحد احتفالاً مختلفاً، فالأحد الأول نتذكّر فيه بشارة الملاك لأبونا زكريا بميلاد يوحنا المعمدان الذي يسمى بسفير قضيَّة الخلاص، وفي الثاني نحتفل بتذكار الملاك وبشارته للعذراء مريم كخادمة للخلاص وأم للمخلص، وفي الثالث زيارة العذراء مريم لأليصابات والدة يوحنا المعمدان، فيما نحتفل في الأحد الرابع بميلاد يوحنا المعمدان، ثم نختم بالاحتفال بميلاد السيد المسيح".

تتضمن أيام الصيام الأربعة واحتفالات أيام الأحد طقوساً دينيَّة تختلف عن باقي أيام السنة، فحسب الأب روفائيل فإن "قراءات الإنجيل كل أحد تتعلق بالاحتفال الخاص به، كما يُصلى فيها طقوس شهر كيهك".

وأوضح أن "الاختلاف بين طقوس شهر الصوم وباقي أيام السنة هو نوع الألحان القبطيَّة التي تمارس، إذ تؤدي الكنيسة ما يسمى بـ(الطقس الكيهكي) الذي ينطوي على نوع مختلف من الألحان معبراً عن المناسبة، كما أن التوزيع في نهايّة القداس والإنجيل المقروء يكون مختلفاً ومعبراً عن الفرح بميلاد السيد المسيح".

 

ولا تقتصر الاحتفالات خلال فترة الصوم طوال شهر ديسمبر (كانون الأول) على أيام الأحد، فيوجد أيضاً تسبحة 7 و4 أو تسبحة شهر كيهك، التي تستمر حتى منتصف الليل أو فجر اليوم التالي خلال أيام السبت والثلاثاء والخميس.

وتسميَّة 7 و4 هي نسبة إلى 7 إبصاليات (الإبصاليَّة هي أشعار قبطيَّة موزونة ومقفاة صوتياً كالشعر، وغالباً ما تكون مرتبة على الحروف الهجائيَّة القبطيَّة، وتحتوي على تمجيد خاص بالسيد المسيح في ميلاده وأعماله)، و4 هي نوع آخر من التسبيحات أو ما يسمى بالقبطيَّة (غويسات)، إذ يصلي الأقباط هذه التراتيل خلال الأيام الثلاثة بنغمة كيهكيَّة.

أيضاً داخل الكنيسة الكاثوليكيَّة توجد صلوات خاصة تتعلق بالصيام وعيد الميلاد، حسب الأب رفيق جريش، المتحدث السابق باسم الكنيسة الكاثوليكيَّة ورئيس لجنة الإعلام بمجلس كنائس مصر، فإنه "يوجد نوعان من الاحتفالات في الكنيسة الكاثوليكيَّة الروحيَّة، وعادة تستعد بها الكنائس من خلال النهضات الروحيَّة خلال فترة الصيام، وتشمل اجتماعات يوميَّة للصلاة وعظات، إضافة إلى الصلوات اللوتارجيَّة اليوميَّة المعتادة، وخلال الصيام وعيد الميلاد توجد صلوات خاصة".

ويضيف الأب جريش، "تقيم الكنائس حفلات (كريسماس كارول)، وهي ترتيلات روحيَّة، إضافة إلى تنظيم الأنشطة الخيريَّة لتوزيع الملابس والطعام على المحتاجين، وزيارة المسنين وتقديم الهدايا".

وأشار إلى أن الأقباط الكاثوليك في شمال القاهرة والدلتا "يحتفلون بعيد الميلاد وفقاً للتقويم الغربي يوم الـ25 من ديسمبر (كانون الأول)، بينما أهالي الصعيد يحتفلون حسب التقويم الشرقي في الـ7 من يناير (كانون الثاني)، لأن العائلات غالبيتها مختلط بين أقباط كاثوليك وأرثوذكس أو أتباع الكنيسة الإنجيليَّة، لذا هم يحتفلون معاً".

الأمر لا يختلف كثيراً بالنسبة إلى الكنيسة الإنجيليَّة التي تستضيف النهضات الروحيَّة وتكثف الأنشطة الخيريَّة خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) تمهيداً للاحتفال بالعيد، وتتبع الكنيسة الإنجيليَّة المصريَّة الكنيسة الأرثوذكسيَّة في الاحتفال بالعيد وفقاً للتوقيت الشرقي.

 

 

لماذا الاختلاف في توقيت الاحتفال؟

الأقباط الأرثوذكس بمصر ليسوا وحدهم الذين يحتفلون بعيد الميلاد في الـ7 من يناير (كانون الثاني)، أي بعد أسبوعين من الاحتفال الغربي، لكن الأرثوذكس حول العالم، وبخاصة في روسيا، يحتفلون في ذلك التوقيت، غير أن الاختلاف في التواريخ لا يعود إلى "أسباب لاهوتيَّة" إنما لـ"حسابات زمنيَّة".

ويمكن إرجاع التغيير إلى عام 1582 عندما بدأت الكنائس الكاثوليكيَّة الرومانيَّة والشرقيَّة الأرثوذكسيَّة في استخدام التقويمات المختلفة، بينما بدأت الكنائس الغربيَّة في اتباع التقويم الغريغوري، واستمرت الكنائس الأرثوذكسيَّة في اتباع التقويم اليوليوسي الأقدم، وهو ما يتماشى مع التقويم القبطي القديم.

التاريخ الفعلي لميلاد السيد المسيح غير معروف، ومع ذلك في بدايّة القرن الرابع وافقت الكنيسة في جميع أنحاء العالم على الاحتفال بمولد السيد المسيح في الـ25 من ديسمبر (كانون الأول) وفقاً للتقويم اليولياني، الذي قدَّمه يوليوس قيصر عام 46 قبل الميلاد، ويتزامن ذلك التاريخ مع 29 كيهك في التقويم القبطي، الذي يأتي بعد الانقلاب الشتوي مباشرة، ويمثل بدايَّة لضوء النهار.

لكن، في القرن السادس عشر لاحظ العلماء العاملون تحت إمرة البابا الروماني غريغوري الثالث عشر خطأً مدته 11 دقيقة في حساب طول السنة الشمسيَّة اليونانيَّة، التي يُعتقد أنها تمتد إلى 365 يوماً و6 ساعات، ولتصحيح هذا الخطأ أعاد البابا غريغوري الثالث عشر حساب النظام بأكمله.

وقدم تقويمه الغريغوري الذي ينص على أن العام يستمر مدة 365 يوماً، و5 ساعات، و48 دقيقة، و46 ثانيَّة أي أقصر تقريباً بـ11 دقيقة و14 ثانيّة تقريباً من التقويم اليولياني.

نتيجة لذلك، أصبح التقويم اليوليوسي متأخراً عن نظيره الغريغوري بـ13 يوماً، وهكذا فإن 25 ديسمبر (29 كيهك) في النظام اليولياني يقع في 7 يناير (كانون الثاني) بالنظام الغريغوري. ولم يغير هذا فقط من توقيت الاحتفال بعيد الميلاد بين الكنيستين، إنما من توقيت الاحتفال أيضا بعيد الغطاس الذي يشير إلى معموديَّة السيد المسيح، إذ تحتفل الكنيسة الكاثوليكيَّة في 6 يناير (كانون الثاني)، بينما الأرثوذكسيَّة في 19 يناير (كانون الثاني).