Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحرب التجارية انتهت قبل اشتعال أزمة إقتصادية جديدة

الخلاف الأميركي الصيني سبب صدمة للأسواق العالمية على مدى عام كامل

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شين جين بينغ (رويترز)

"عام الحرب التجارية"، هكذا يمكن اختصار عام 2019 المليء بالأحداث الاقتصادية التاريخية، فبعد أن كانت البورصات الأميركية تعيش هذه السنة أفضل سنواتها منذ الأزمة المالية العالمية، أعلنت واشنطن حرباً تجارية على بكين في بداية مايو (أيار) الماضي، مغيرةً مسار البورصات وفاتحة عهداً جديداً من النزاعات الاقتصادية التي كادت أن تُشعل أزمة اقتصادية عالمية.

فبعد سلسلة من الاجتماعات دامت نحو عام بين مسؤولين أميركيين وصينيين للتوصل إلى اتفاق بخصوص التجارة البينية، ووسط ملفات معقّدة وضعتها واشنطن على الطاولة مع بكين، انتهت المباحثات في شهر أبريل (نيسان) إلى طريق مسدودة، فاتخذت إدارة ترمب "خيار المواجهة المباشرة مع بكين عبر رفع الرسوم الجمركية على البضائع الصينية الواردة إلى أميركا بنسبة وصلت إلى 25%".

وكانت البداية في تطبيق الرسوم الجمركية على 5700 سلعة صينية، ثم تصاعدت شيئاً فشيئاً لتشمل سلعاً أخرى بمليارات الدولارات، وما هي إلا أيام حتى ردّت بكين بالمثل، معلنةً رفع الرسوم الجمركية على الواردات الأميركية.

صدمة للأسواق
اعتبر هذا القرار بمثابة الصدمة في الأسواق الأميركية والعالمية، وبدأت البورصات في احتساب تكلفة الخسائر التي ستُمنى بها الشركات الأميركية والصينية المدرجة في البورصات الأميركية من جراء القرار.

وعلى الفور خسرت البورصات مئات النقاط، حيث فُسِّرت الحرب على أنها "سترفع التكلفة على الشركات الأميركية المُصنعة في الصين"، ما قد يؤدي إلى "خسائر بمليارات الدولارات"، وعلى رأسها شركات التكنولوجيا مثل "أبل".

وعاشت البورصات مرحلةً جديدةً من التذبذب على وقع إعلان الحرب التجارية بين الطرفين، وامتد التأثيرُ ليصل إلى أوروبا، إذ انهارت الأسواق الأوروبية على وقع هذه الأحداث السريعة غير المتوقعة، فألمانيا على سبيل المثال، باعتبارها أكبر اقتصاد صناعي في منطقة اليورو، "تأثرت صناعتها سلبياً مع تراجع الطلب من أسواق كالصين".

أزمة اقتصادية عالمية جديدة
وبات العالم منذ هذه اللحظة أمام واقعٍ جديدٍ يذكّر بالأزمة المالية العالمية في العام 2007، وبدأت التحليلات الاقتصادية من كبرى مراكز الأبحاث تتوقع انهياراً اقتصادياً عاجلاً أم آجلاً، إذ سيؤدي النزاع التجاري بين أكبر اقتصادين بالعالم إلى "تباطؤ النمو فيهما، ثم يمتد إلى اقتصادات أخرى".

ولم يكن هناك أفق للحرب، حيث كان هناك إصرار أميركي على حسم ملف التجارة مع الصين، بينما الأخيرة حاولت تأجيل البت في الشروط المطلوبة من واشنطن.

وملخص هذه الشروط كان في حماية الملكية الفكرية للشركات الأميركية، خصوصاً التكنولوجية منها، حيث تتهم واشنطن الشركات الصينية بسرقة الأفكار والاختراعات الأميركية، وتعيد تقليدها بأسماء شركات صينية، وتبيعها إلى الأسواق العالمية من دون الحصول على ترخيص أميركي أو دفع مقابل استخدام التكنولوجيا وبراءات الاختراع.

أضف إلى ذلك، كان هناك شرط أميركي بتوقف بكين عن تخفيض قيمة عملتها اليوان، الأمر الذي يضر بالصادرات الأميركية المقوّمة بالدولار، وما ينتج عنه أفضلية تنافسية للمنتجات والسلع الصينية في الأسواق العالمية.

انفراجة يوليو
واستمرّ هذا الوضع المتأزم حتى يوليو (تموز) الماضي، عندما اجتمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ على هامش اجتماعات مجموعة العشرين في أوساكا باليابان في يوليو (تموز) الماضي، واتفاقهما على هدنة في حربهما التجارية، وتعهدت واشنطن وقف فرض رسوم جمركية جديدة أثناء التفاوض.

هدأت الحرب قليلاً، لكن سرعان ما عادت إلى نقطة الصفر منتصف أغسطس (آب)، عندما قررت بكين استخدام عملتها في الحرب التجارية، إذ خفّضت اليوان بشكل يسمح لها بمواجهة الضغوط الاقتصادية التي فرضتها الإدارة الأميركية عبر الرسوم الجمركية التي أدت إلى تباطؤ الصادرات والتأثير في النمو الاقتصادي الصيني.

حرب أغسطس
وبسبب سياسة استخدام العملة، صرَّح الرئيس الأميركي بأنه "سيفرض تعريفة جمركية جديدة بنسبة 10% على الواردات الصينية البالغ حجمها 300 مليون دولار"، اعتباراً من أول سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبعد أقل من أسبوع، أعلنت بكين زيادة الرسوم الجمركية بنسب تتراوح بين 5% و10% على سلع أميركية بقيمة 75 مليار دولار اعتباراً من سبتمبر (أيلول) وديسمبر (كانون الأول) المقبلين، ثم ردَّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب زيادة الرسوم الجمركية على بعض الواردات الصينية لتصل إلى 30% في صراع فُتِحَ على مصراعيه بعد أن تبددت الآمال بالوصول إلى اتفاق بين البلدين.

واعتبر ترمب هذا التحرك المفاجئ من الصين بمثابة "تحدٍ لقراره برفع رسوم جمركية على الصين" اعتباراً من سبتمبر (أيلول) المقبل.

خسائر الصين
دخلت المواجهة بين الطرفين بشكل جعل العودة إلى الوراء أو التهدئة صعباً، وأصبح هناك يقين في الأسواق أن الأزمة ستطول.

لكن في سبتمبر (أيلول) ظهرت بعض الحلحلة من الطرفين لأسباب مختلفة، فالبيانات الاقتصادية الصينية بدأت في التراجع مهددةً بتراجع نمو ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد نحو 30 عاماً من النمو المستمر، فقد نما الناتج المحلي الإجمالي للصين 6% على أساس سنوي مقارنة مع النمو البالغ 6.2% في الربع الثاني، وهو الأكثر بطئاً منذ الربع الأول من 1992.

كما ظهرت مؤشرات على وجود أزمة عميقة تهدد القطاعات المصرفية، خصوصاً بعد أن أفلست بعض المصارف وطلبت الإنقاذ الحكومي، وهي المرة الأولى التي يتم فيها إنقاذ البنوك الصينية منذ العام 1998.

ترمب يخسر أيضاً
في المقابل، بدأت الضغوط ترتفع على الرئيس الأميركي الذي يجهز نفسه لانتخابات الرئاسة الأميركية 2020، مرشحاً عن الحزب الجمهوري، فرفْع الرسوم الصينية على الواردات الأميركية أثر بشكل خاص على المزارعين الأميركيين الذين يصدرون منتجاتهم إلى الصين.

وغالبية هؤلاء المزارعين موجودون في مناطق انتخابية، وسبق أن صوتوا للرئيس ترمب، وحاولت إدارة ترمب ضخ ما يقارب 40 مليار دولار لتعويض المزارعين لتخفيف الضغوط المعيشية التي أصابتهم.

ثم لاحقاً بدأت مؤشرات أخرى تضغط على الرئيس ترمب، الذي يركز دائماً على الاقتصاد وقفزات البورصات لتلميع صورته الإعلامية، باعتبارها إنجازاً خاصاً لإداراته، فإضافة إلى الزراعة، ظهرت مؤشرات تصنيعية سلبية كشفها مؤشر مديري المشتريات الصناعي الصادر عن معهد ISM، وهو مؤشر خاص للمصانع والإنتاج الصناعي في البلاد، إذ تشير البيانات الخاصة بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) إلى دخول المؤشر في حالة من الركود للشهر الرابع على التوالي.

ويعني ذلك التأثير في عمال الحزام التصنيعي الممتد من نيويورك إلى ولايات وسط أميركا الذين يعتمدون على المصانع في الحصول على حياة معيشية يومية بسيطة، وهؤلاء كتلة تصويتية لا يستهان بها.

"المركزي" يتدخل
في ظل هذه الأحداث تدخّل مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) لخفض أسعار الفائدة ثلاث مرات لإعطاء دفعة تحفيزية للاقتصاد الأميركي بعد أن تباطأ نموه بسبب الحرب التجارية الدائرة مع الصين.

وكان "المركزي" بدأ في نهاية يوليو (تموز) الماضي، وللمرة الأولى منذ 2008، أي منذ بداية الأزمة المالية، دورة اقتصادية جديدة عبر خفض الفائدة، أي بعد نحو شهرين من بدء الأزمة التجارية بين واشنطن وبكين. 

حروب ترمب التجارية تتوسع
كل هذه المعطيات تركت آثارها على البورصات، فمع كل مؤشر إيجابي أو سلبي، كان هناك صعود وهبوط في المؤشرات، وكذلك الحال في أسعار النفط، التي تذبذبت أيضاً بسبب الحرب الدائرة.

وبدل أن تهدأ حروب ترمب التجارية مع خسائر الاقتصاد وخسائره الشخصية، رفع حالة القلق في الأسواق بعد أن دخل في حروب تجارية جديدة في أوروبا، وتحديداً مع فرنسا، على خلفية اتهام واشنطن لباريس بدعم طائرات إيرباص، ما يحرم "بوينغ" الأميركية من الفرص.

كذلك فتح جبهة جنوبية مع المكسيك، للضغط عليها لوقف تدفق المهاجرين من أميركا اللاتينية إلى أميركا، وهو الملف الذي يهم ترمب انتخابياً، إذ يروّج العداء للمهاجرين للفوز بأصوات اليمين المتصاعد في أميركا.

لكن سرعان ما تم احتواء الحرب الأميركية - المكسيكية بعد أن تبين مخاطرها على الاقتصاد الأميركي، ثم لاحقاً أعلن معركة مع كندا بهدف تحسين التجارة البينية، وآخر حروب ترمب كانت مع البرازيل والأرجنتين عبر رفع الرسوم على منتجاتها الزراعية، وكانت محاولة لإرضاء المزارعين الأميركيين.  

التهدئة أخيراً
ظلت الأسواق على هذه الحال إلى أن بدأت إشارات تهدئة الحرب وقرب التوصل إلى اتفاق تغطي على الأخبار وتغير معنويات المستثمرين، وامتدت اجتماعات الطرفين الأميركي والصيني نحو شهرين، حتى تمكنا من تحقيق اتفاق أولي في منتصف ديسمبر (كانون الأول)، عُرِف بـاتفاق "المرحلة 1"، وسيتم توقيعه في الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقضي الاتفاق بخفض الولايات المتحدة رسومها الجمركية على البضائع والمنتجات الصينية، مقابل تعهّد بكين بزيادة مشتريات الصين من السلع الزراعية الأميركية بقيمة 32 مليار دولار وتنفيذ إصلاحات في حماية حقوق الملكية الفكرية للمنتجات الأميركية وإصلاحات لتجنّب التلاعب بالعملة الصينية اليوان.

وعلى الرغم من ذلك، يظل الاتفاق معلقاً إلى أن يرى التنفيذ على أرض الواقع، وهو بمثابة "لا غالب ولا مغلوب"، وهناك أيضاً جولة جديدة من المفاوضات التي تعرف بـ"المرحلة 2" التي قالت إدارة ترمب إنها "ستبدأ فيها مباشرة".

اللافت في هذا السياق هو القفزات التاريخية التي جنتها البورصات الأميركية منذ أن بدأت إشارات الحلحلة بين الطرفين، فعقب الاتفاق قفزت المؤشرات الأميركية الثلاثة لتبلغ مستوياتها الأعلى على الإطلاق، حيث وصل مؤشر "داو جونز" الصناعي إلى مستويات 28234.43 نقطة، بينما بلغ مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" مستويات 3191.45 نقطة، وبلغ مؤشر "ناسداك" 8814.23 نقطة.