البورصة المصرية تتكبد خسائر بقيمة 8.5 مليار دولار في 2019

توترات داخلية وخارجية أثرت على الأداء وخطط الحكومة باءت بالفشل

بورصة مصر مرت بعام ثقيل من الخسائر في 2019 (رويترز)

"عامٌ ثقيلٌ على البورصة المصرية"، وصفٌ أطلقه خبراء أسواق المال المصرية على بورصة مصر خلال العام 2019، مقارنة بالأعوام الثلاثة التي تلت قرار تحرير سعر صرف الجنيه مقابل الدولار الأميركي.

وأرجع الخبراء خسارة البورصة إلى "ضعف معدل كمية وقيمة التداول والإقبال، إلى جانب تدني عدد الطروحات الجديدة". كما دانوا الحكومة إذ "فشلت في طرح شركاتها بالبورصة"، مؤكدين أنها "لم تنجح سوى في زيادة رأس وحصة جديدة من شركة الشرقية للدخان (إيسترن كومباني) المقيدة بالفعل".

وفي المقابل ذهب خبراء آخرون إلى أن "الصورة ليست قاتمة بشكل كبير"، مستندين إلى "تراجع بعض أسواق المال العربية والعالمية"، ومثمنين محاولات القائمين على إدارة شؤون البورصة المصرية بقرارات وإجراءات تنشيطية مثل "آلية (شورت سيلينج) التي تأخر تطبيقها أكثر من 10 سنوات، وتدشين مؤشر جديد وهو EGX 30 TR لأنشط 30 شركة".

وفيما يلي نرصد رحلة هبوط وتذبذب أداء البورصة المصرية خلال 365 يوماً، كان عنوانها الأبرز: الخسارة.

الربع الأول... أرباح هزيلة أقل من 600 مليون دولار

سجَّلت البورصة المصرية في الربع الأول من العام الحالي، وتحديداً في الفترة من يناير (كانون الثاني) وإلى أبريل (نيسان) أداءً متبايناً على صعيد مؤشراتها.

وصعد المؤشر الرئيس (EGX30) ارتفاعاً بنسبة 13.06% مغلقاً عند مستوى 14737.88 نقطة. وفي المقابل هبط نظيره من الأسهم الصغيرة والمتوسطة (EGX 70) بنسبة 1.29%، مسجلاً مستوى 684.89 نقطة، وارتفع المؤشر الأوسع نطاقاً (EGX100) بنسبة 0.63% مغلقاً 1738 نقطة.

وعلى صعيد رأسمال السوقي، بلغ إجمالي القيمة السوقية في نهاية الربع الأول نحو 816.5 مليار جنيه (50.8 مليار دولار أميركي) بنسبة ارتفاع 8.91%.

وحقق رأسمال بورصة النيل ارتفاعاً بنحو 7.8% بقيمة 1.2 مليار جنيه (75 مليون دولار)، بينما سجَّل رأس المال السوقي لـEGX30 نحو 425.1 مليار جنيه (26.5 مليار دولار) بانخفاض قدره 8.3%.

وارتفع رأس المال السوقي لأسهم مؤشر EGX70 بنسبة 52.4% بقيمة إجمالية بلغت 270.1 مليار جنيه (نحو 17 مليار دولار).

وعلى صعيد التداولات، بلغ إجمالي قيمة التداول خلال الربع الأول نحو 82.6 مليار جنيه (5.2 مليار دولار) عبر بيع وشراء نحو 15.551 مليار ورقة مالية من خلال تنفيذ 1586 عملية.

وسيطر المتعاملون الأجانب على صافي بيع بقيمة 2.134 مليار جنيه (124 مليون دولار)، بينما سجَّل العرب صافي شراء بقيمة 80 مليون جنيه (5 ملايين دولار)، واستحوذ المصريون على 68.9% من قيمة صافي التداول للأسهم.

الربع الثاني... خسائر بقيمة 3.7 مليار دولار

في مايو (أيار) 2019 ومع بدء الربع الثاني لم يكن الوضع أفضل حالاً، واستمر تراجع المؤشر الرئيس للبورصة المصرية (EGX30) بمقدار 4.3%، ليصل إلى مستوى 14100.74 نقطة، بالمقارنة مع 16349 نقطة بنهاية الربع الثاني من 2018، وفقاً لما جاء في التقرير الربع السنوي الصادر عن البورصة المصرية.

وتراجع رأس المال السوقي أيضاً بمقدار 7.4% ليصل إلى 756.1 مليار جنيه (47 مليار دولار) بنهاية الربع الثاني، لتصل قيمة التراجع بنحو 60.4 مليار جنيه (3.7 مليار دولار) خلال جلسات الربع الأول من العام الحالي، ليغلق عند مستوى 756.1 مليار جنيه (47 مليار دولار)، منخفضاً 7.4% من مستوى 816.5 مليار جنيه (50.8 مليار دولار) بنهاية مارس (آذار) الماضي.

وهبط إجمالي قيمة التداولات إلى 50.8 مليار جنيه (3.1 مليار دولار) مقارنة مع 82.6 مليار جنيه (5.1 مليار دولار) في الربع الأول من 2019، ونحو 92 مليار جنيه (5.7 مليار دولار) في الربع الثاني من العام الماضي.

وبلغت تداولات المستثمرين المحليين 62.4% من إجمالي التداولات باستثناء سوق الصفقات، وشكلت تداولات الأجانب والعرب 30.1% و7.4% على التوالي، وسجل الأجانب صافي شراء بلغ 743.8 مليون جنيه (46.2 مليون دولار)، بينما العرب حققوا صافي بيع 231.2 مليون جنيه (14.3 مليون دولار).

الربع الثاني شهد تقدم أسهم البنوك، إذ ارتفع مؤشر قطاع البنوك بمقدار 5.3% ليحقق أفضل أداء قطاعي خلال الربع الثاني، وتلاه الاتصالات الذي ارتفع بنسبة 1.5%، ثم الرعاية الصحية والأدوية بنسبة 0.9%، وفي المقابل تصدّر قطاع التشييد ومواد البناء قائمة القطاعات الخاسرة بانخفاض قدره 27.2%.

أسباب الهبوط... داخلية وخارجية

ويرجع خبير أسواق المال وائل النحاس أسباب التراجع خلال النصف الأول من العام، إلى أسباب عدة، في مقدمتها "النزاع الذي اندلع بين شركة جلوبال تيلكوم القابضة ومصلحة الضرائب المصرية"، موضحاً "الخلافُ امتد فترة طويلة، وأثر سلباً في نفسية المستثمرين وثقتهم بالسوق، ما أدى إلى تراجع أحجام التداول".

وأضاف النحاس، في حديثه مع "اندبندنت عربية"، "أداء الشركات الحكومية لم يكن جيداً، بل إن بعضها تحوّل إلى تحقيق الخسائر، فضلاً عن التباطؤ الذي حلّ بالقطاع العقاري، إذ سجَّلت أسهمه تراجعاً بنسبة 8.8% خلال الربع الثاني من العام".

وعن الإجراءات الحكومية لإنقاذ البورصة، قال النحاس "المحفزات والمنشطات لا تعالج المرض، لكن تسكِّن العرض".

ويرى خبير أسواق المال محمد ماهر أن تراجع أداء البورصة المصرية سببه بالأساس "الأوضاع العالمية من ناحية، وظروف تتعلق بالاقتصاد الكلي المصري من جهة أخرى"، موضحاً "التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين أثرت في أداء البورصة المصرية، فضلاً عن الاضطرابات السياسية بمنطقة الخليج".

وأضاف ماهر، في حديثه، "تباطؤ وتيرة الخفض المنتظر لأسعار الفائدة من قِبل البنك المركزي في تلك الفترة، وارتفاع سعر صرف الجنيه مقابل الدولار يعدان أحد الأسباب الداخلية".

وتابع، "خلال النصف الأول من العام 2019 عانت البورصة هجرة وانتقال الاستثمارات من الأسواق الناشئة ومنها مصر إلى السعودية والأرجنتين، إلى جانب الموجات البيعية التي صاحبت غلق بعض مراكز الشراء بالهامش".

الربع الثالث... خسارة 2.5 مليار دولار

دخلت البورصة المصرية الربع الثالث المنتهي في 30 سبتمبر (أيلول) الماضي بأداء لم يخل من التذبذب رغم توالي الأحداث السياسية والاقتصادية في تلك الفترة، وطرح شركات جديدة، وكذلك بدء تحوّل سياسة البنك المركزي المصري من السياسة النقدية الانكماشية إلى التوسعية في الإنفاق، خصوصاً مع بدء سلسلة قرارات خفض أسعار الفائدة مرتين بمعدل 2.5% في تلك الفترة، التي بدأت في نهاية أغسطس (آب) 2019، وأخرى في نهاية سبتمبر (أيلول) 2019.

وشهدت البورصة خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2019 طرح شركة "فوري" والتي صاحبها ارتفاع ملحوظ، فضلاً عن شطب شركة جلوبال تليكوم، التي أسهمت في زخْم السيولة وعودة الجلسات المليارية.

وارتفع المؤشر الرئيس للبورصة المصرية إيجي إكس 30، بنسبة 1.1% بما يعادل 156 نقطة عند مستوى 14257 نقطة، مقابل 14100 نقطة إغلاق يونيو (حزيران) 2019، بينما انخفض مؤشر إيجي إكس 70 بنحو 13.7 30% مغلقاً عند مستوى 520 نقطة مقابل 603 نقطة إغلاق يونيو (حزيران) 2019.

وتراجع مؤشر إيجي إكس 100 بنحو 9.5% عند مستوى 1393 نقطة، وهبط رأس المال السوقي لبورصة مصر بنحو 41.6 مليار جنيه (2.5 مليار دولار) عند مستوى 715.5 مليار جنيه (45 مليار دولار).

كما شهدت البورصة خلال تلك الفترة أسوأ يوم أثناء العام، ففي الـ22 من سبتمبر (أيلول) سجَّلت أكبر خسائر يومية منذ 3 سنوات عقب اندلاع احتجاجات في مدن مصرية، في الـ20 من سبتمبر، وهبط كذلك المؤشر الأوسع نطاقاً "EGX 100" بنسبة 5.7% في أكبر هبوط منذ عام 2012، فيما عرف بـ"الأحد الدامي".

وعن تلك الفترة تقول حنان رمسيس خبيرة أسواق المال، "الأحداث السياسية الداخلية والخارجية أثرت في أداء البورصة المصرية".

وأوضحت رمسيس، في حديثها، "داخلياً، كان حادث الانفجار الإرهابي الذي حدث بمحيط معهد الأورام التابع لجامعة القاهرة، وخارجياً الضربات التي تعرضت لها شركة أرامكو السعودية، ما ترك أثراً سلبياً على قطاع النفط ومن ثمَّ البورصة المصرية، فمرت بموجة انخفاض حادة وسريعة خسرت معها مكاسب العام في 3 جلسات فقط بنحو 1500 نقطة، مثلها مثل باقي أسواق المال العربية".

وأضافت، "البورصة عادت لتعويض غالبية خسائرها بالجلسات الأخيرة من سبتمبر 2019 مع هدوء تلك التوترات السياسية وقرار خفض الفائدة للشهر الثاني على التوالي".

في الأسبوع الأخير من سبتمبر 2019، للمرة الثانية على التوالي خفَّض البنك المركزي المصري سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة، وسعر العملية الرئيسة للبنك المركزي بواقع 100 نقطة أساس، ليصل إلى 13.25%، و14.25%، و13.75%، على الترتيب.

مع استمرار النزيف وخسارة ما يقرب من 100 مليار جنيه (6.2 مليار دولار) حاول القائمون على إدارة شؤون البورصة المصرية إنقاذ ما يمكن إنقاذه خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2019.

ففي منتصف أكتوبر (تشرين الأول) أقرّ مجلس إدارة الهيئة العامة للرقابة المالية خفض تكلفة مقابل الخدمات المحصَّلة من مؤسسات السوق عن عمليات التداول بالبورصة المصرية، وإرسال مشروع القرار إلى رئيس مجلس الوزراء لاتخاذ إجراءات استصداره، وتخفيض مقابل الخدمات عن عمليات التداول على السندات وصكوك الدين وأدوات الدين الأخرى المقيدة بالبورصة بنسبة خفض 50% عن مقابل الخدمات عن عمليات التداول على الأسهم بعد تعديلها.

الربع الرابع... ما زال النزيف مستمراً

استجابت البورصة المصرية إلى حد ما للمسكنات ومحاولات التنشيط، فضلاً عن استغلال التوجه الحالي لخفض أسعار الفائدة وبحث المستثمرين عن سُبل بديلة للاستثمار غير المباشر، واستردت 12% من جملة خسائرها خلال العام.

وحققت أرباحاً قدرها 12.3 مليار جنيه (747 مليون دولار) خلال تعاملات شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وأُغلق رأس المال السوقي للأسهم المقيدة بسوق داخل المقصورة عند 727.7 مليار جنيه (46 مليار دولار)، مقابل 715.4 مليار جنيه (45 مليار دولار) بنهاية سبتمبر 2019 الماضي بارتفاع 1.72%.

وخلال تعاملات شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 عادت البورصة المصرية إلى الخسائر، وسجَّلت تراجعات جماعية، إذ انخفض رأس المال السوقي لأسهم الشركات المقيدة بنسبة 3.1%، بما يعادل 23 مليار جنيه (1.4 مليار دولار) لتغلق عند مستوى 705.1 مليار جنيه (44.8 مليار دولار) مقابل 727.7 مليار جنيه (46 مليار دولار) استهل بها تعاملات الشهر.

وتكبدت مؤشرات البورصة المصرية خلال تعاملات شهر نوفمبر خسائر مدفوعة بضغوط بيعية للمستثمرين العرب والأجانب، خصوصاً على أسهم البنوك والعقارات.

ويرى خبير أسواق المال مدحت نافع، أن استمرار الخسائر في ذلك الشهر يعود إلى "غياب الرغبة الشرائية والضغوط البيعية، علاوة على تدني أحجام التداول".

وأخيراً، استقبلت البورصة المصرية شهر ديسمبر (كانون الأول) بخسائر مدوية، وتكبدت في أسبوعين فقط رغم طرح شركة جديدة من القطاع الخاص تعمل في قطاع الأدوية، ما يقترب من الـ20 مليار جنيه (1.2 مليار دولار) في 12 يوماً فقط.

ومُنيت في الأسبوع الأول بخسائر في أربع جلسات على التوالي، بينما ربحت في جلسة واحدة فقط، ليخسر رأس المال السوقي لأسهم الشركات المقيدة نحو 10 مليارات جنيه (620 مليون دولار) بنسبة انخفاض تقدر بنحو 1.41%.

ولم يشهد الأسبوع الثاني جديداً، إذ خسرت في ثلاث جلسات فقط 12 مليار جنيه (747 مليون دولار)، مقابل استعادة مكاسب في جلستين بنحو 2.6 مليار جنيه (161 مليون دولار).

خيبة أمل كبيرة أصابت المستثمرين بعد التراجع الكبير لأسهم شركة (راميدا) للأدوية في أول يوم تداول لها بالبورصة الأربعاء 11 ديسمبر، واستقبلتها على تراجع جماعي، بدعم من ضغوط بيعية من قِبل المؤسسات وصناديق الاستثمار العربية والأجنبية والأفراد العرب والأجانب على أسهم السوق المختلفة، وخسر رأس المال السوقي لأسهم الشركات المقيدة نحو 5 مليارات جنيه (311 مليون دولار).

يقول مايكل ممدوح خبير أسواق المال، "فشل طرح شركة (راميدا للأدوية) أثار حفيظة المتعاملين، ودفعهم إلى الدخول في عمليات شراء موسّعة بغرض تلاشي الخسائر المتوقعة".

وأضاف، "الأسهم استمرت في النزيف بعد فشل طرح راميدا الوافد الجديد للبورصة، في أول يوم تداول، وأسهم أيضاً سهم سيدي كرير المعروض على أقل سعر وفقدانه نحو 30% في جلسات معدودة في مسلسل الخسائر".

صورة متفائلة لـ2020

من جانبها توقعت الوكالة الأميركية (بلومبيرغ) رواجاً لسوق الأسهم المصرية خلال الربع الأول من العام 2020، مشيرة إلى أنه "ربما تجد (البورصة) موجة سيولة تحتاجها بشدة من شركتين مملوكتين للدولة من المقرر طرحهما في البورصة العام المقبل".

وقال حسنين مالك رئيس استراتيجية الأسهم في تيليمن بدبي، في حديثه إلى "بلومبيرغ"، "الاكتتاب العام الذي طال انتظاره لواحد من أكبر البنوك في مصر (بنك القاهرة)، يمكن أن يؤدي بشكل خاص إلى جذب تمويلات من خارج المنطقة".

وأضاف، "الاكتتاب العام لبنك القاهرة بالسعر المناسب يمكن أن يوفر للأسهم المدرجة الأخرى سيولة كافية لجذب تدفقات جديدة من صناديق الأسواق الناشئة العالمية السائدة".

وتابع مالك، "في العام 2019، ظلت مصر المرشح المفضل للمستثمرين الأجانب، لكن هذا انعكس في أداء أكبر أسهمهم CIB، وليس الباقي الذي يعد أقل سيولة بكثير".

وقالت الوكالة الأميركية، "مصر أعلنت منذ ما يقرب من 3 سنوات برنامجاً لبيع الأشخاص في الشركات المملوكة للدولة لإحياء الاقتصاد بتخفيض قيمة الجنيه ورفع أسعار الفائدة للحد من أزمة الدولار التي أضرت بالنشاط التجاري، وتوقف خطة الإدراج بعدما باع المسؤولون أسهماً إضافية في شركة الشرقية للدخان في مارس (آذار) الماضي".

وحسب ما ذكره رئيس مجلس إدارة بنك مصر محمد الإتربي، لـ"بلومبيرغ"، فإن المسؤولين "سيبدؤون حملة ترويجية لطرح 30 إلى 40% من أسهم بنك مصر في يناير (كانون الثاني)".

وقال إبراهيم سرحان رئيس مجلس إدارة شركة المدفوعات e-Finance، في حديثه إلى الوكالة، إن "الشركة تستكمل الاستعدادات للاكتتاب العام في الربع الأول من 2020".

المزيد من اقتصاد