Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل أصبح لجوء لبنان إلى صندوق النقد حتمياً وبأي ثمن؟

البلاد تحتاج إلى إجراءات تقشفية وسياسات إصلاحية لمكافحة الفساد والهدر

لم يطلب لبنان بعد بشكل رسمي من صندوق النقد الدولي التدخل للمساعدة (رويترز)

مع استمرار التعقيدات على صعيد الملف الحكومي، في ظل المعطيات المتوافرة لدى مختلف الأوساط السياسية عن المطبات والألغام المزروعة في طريق تأليف الحكومة اللبنانية العتيدة، بقطع النظر عن الشخصية التي سيتم تكليفها والمسار الذي ستسلكه الاستشارات (في موعدها، أو إذا تأجلت)، خصوصاً بعد اعتذار الرئيس سعد الحريري عن الترشح، فإن المستوى الذي بلغته الأزمة المالية والاقتصادية في البلاد، لم يعد يحتمل ترف إضاعة الوقت في المناكفات السياسية والكباش على السلطة، كما لم يعد يحتمل استمرار التأخير في المعالجات الضرورية الكفيلة بفرملة السقوط المدوي للاقتصاد في هاوية الانهيار.

وعلى الرغم من حال الإنكار التي سادت مختلف القوى السياسية حيال حجم الكارثة الاقتصادية والمالية الحاصلة، بعدما اعتبر "العهد" أن الكلام عن انهيار مالي أو اقتصادي ليس إلا "وسيلة استهداف أو ضغط موجهة إليه" من أجل تحميله مسؤولية ما آلت إليه السياسات القائمة، في حين أنه لم يمض على الولاية الرئاسية أكثر من ثلاث سنوات، فقد عكست نقاشات لجنة المال والموازنة في البرلمان التي تعكف على دراسة مشروع قانون موازنة 2020 المحال من الحكومة قبل استقالتها، حجم الكارثة المالية، كما وصفها أحد أعضاء اللجنة.

وبيَّنت الأرقام التي عدَّلها وزير المال في حكومة تصريف الأعمال علي حسن خليل تراجعاً مخيفاً في الإيرادات، ما دفع رئيس اللجنة النائب إبراهيم كنعان إلى الإعلان عن عزمه دعوة الوزير المستقيل وحاكم المصرف المركزي من أجل استيضاح حقيقة الأوضاع المالية، وما استراتيجيات السلطتين المالية والنقدية لمواجهة تداعيات الأزمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التحرّك في اتجاه الصندوق

الأرقام المقلقة المشار إليها التي كان الحريري على بيّنة منها، دفعته إلى الاتصال بكل من رئيس البنك الدولي ديفيد مالباس ومديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد، وتداول معهما في إمكانية تقديم مساعدة تقنية للبنان من أجل صياغة حلول للخروج من الأزمة.

وجاء تحرّك الحريري في اتجاه المؤسستين الدوليتين غداة اجتماع مجموعة الدعم الدولية للبنان في باريس، وعشية تقرير لوكالة التصنيف الدولية "موديز" (خفضت فيه تصنيفها لثلاثة مصارف كبرى)، لفتت فيه صراحة إلى أن "مسعى لبنان للحصول على مساعدة محتملة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي له تأثير إيجابي على تصنيفه الائتماني ويقلل خطر اضطراب شديد في الاقتصاد الكلي"، مشيرة إلى أنه من "دون دعم فني ومالي من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومانحين دوليين تزداد الاحتمالات في اتجاه سيناريو يتسم بانعدام كبير في استقرار الاقتصاد الكلي، من شأنه أن يلحظ إعادة هيكلة للديون مع فقدان حاد للاستقرار في سياسة ربط العملة، وهو ما سينتج عنه خسائر كبيرة جداً للمستثمرين من القطاع الخاص".

حتى الآن، لم يطلب لبنان بعدُ بشكل رسمي من صندوق النقد التدخل، وفق ما كشفت مصادر رسمية قريبة من السرايا الحكومية، فباستثناء الاتصالين اللذين أجراهما رئيس الحكومة المستقيل بمسؤولي البنك والصندوق النقديين، لا تزال الاتصالات بين لبنان وممثلي المؤسستين في إطار التواصل الدوري، لكن ما احتمالات توجه لبنان لطلب الدعم من الصندوق في شكل رسمي، وأي نوع من الدعم يمكن أن يطلبه؟ وهل يمكن لحكومة مستقيلة أن تطلب برنامجاً أو مساعدة من هذه المؤسسة الدولية؟

حجم المخاطر

على هذه الأسئلة أجاب مصدر مطلع في الصندوق لـ"اندبندنت عربية" بقوله إن "الصندوق لا يتدخل في أي دولة إلا بناء على طلب رسمي من الدولة المعنية. أما نوع التدخل فيحصل بموجب مفاوضات تجرى بين الصندوق والدولة المعنية من أجل تحديد نوع المساعدة التي تحتاجها، التي تتوقف على حجم المخاطر المالية والاقتصادية التي تواجهها الدولة، ومدى قدرتها على مواجهتها بإمكانياتها الذاتية أو من خلال مساعدة تقنية أو حاجة إلى دعم دولي مالي يأتي من خلال رعاية الصندوق وإشرافه".

ويتابع المصدر، كاشفاً عن أن لبنان "واجهته فيما مضى أزمات مالية ونقدية، لجأ خلالها إلى المجتمع الدولي في شكل مباشر من دون المرور بالصندوق"، باستثناء مؤتمر "باريس 2" الذي انعقد في العاصمة الفرنسية عام 2003، وقد أعدت خلاله الحكومة اللبنانية "برنامجاً متكاملاً للمساعدات المالية التي طلبتها، التي كانت في حينها مخصصة لدعم الخزينة، وحصل ذلك بعد التنسيق والتواصل مع صندوق النقد".

وأكد المصدر نفسه أن "أي برنامج أو مساعدة يضعها البلد المعني ويتوجه بها إلى الصندوق طلباً لدعمه، وذكر أن البرنامج مع الصندوق لا يعني أن لبنان أصبح تحت الوصاية الدولية أو أن على لبنان أن يدفع ثمناً في السياسة مقابل دعمه مالياً واقتصادياً"، كاشفاً أن لدى الصندوق "برامج مع سبع دول في المنطقة، هي المغرب، وتونس، ومصر، والأردن، والعراق، وموريتانيا، والصومال. لكل دولة من هذه الدول برنامج مفصل وفق احتياجاتها، وبالتالي ليس من وصفة جاهزة يُعمل بها على كل الدول". ورأى المصدر أن لبنان قد "لا يحتاج إلى برنامج إنما إلى مساعدة تقنية"، مشيراً إلى أن البرنامج "ليس إلا أداة أو وسيلة مساعدة، لكن السؤال ماذا لدى لبنان ليقدمه أو يطلبه؟".

لم نطلب تحرير سعر الصرف

وقال إنه "يجرى تخويف اللبنانيين من شروط الصندوق بسبب قساوتها، لا سيما على صعيد تحرير سعر الصرف. والواقع أن الصندوق لم يقترح بأي من تقاريره الدورية هذا الأمر، تاركاً الأمر إلى قرار الحكومة التي تعتمد خيار الاستقرار النقدي في إطار سياستها العامة المقرة في بيانها الوزاري، وبالتالي لا يمكن للصندوق أن يقترح أمراً ما لم يكن هناك قرار باعتماده أو لا من الحكومة".

لكن الأكيد لدى المصدر أن لبنان "يحتاج إلى إجراءات تقشفية وسياسات إصلاحية لمكافحة الفساد والهدر وإصلاح المالية العامة، وترشيد القطاع العام وزيادة إنتاجيته". أما الإجراءات الضريبية التي يحكى عنها على صعيد زيادة الضريبة على القيمة المضافة أو على سعر المحروقات، فهذه إجراءات اقترحها سابقاً الصندوق من أجل معالجة فورية لأزمة المالية العامة، لكن اعتمادها يجب أن يتم ضمن رزمة متكاملة من الإجراءات.

وكشف المصدر عن أنه يمكن لحكومة تصريف أعمال "أن تفاوض على برنامج أو مساعدة"، وذلك من خلال وزير المال. لكن الأكيد أن حكومة جديدة ستكون أكثر التزاماً، متسائلاً إذا كان لبنان "لا يزال يملك الوقت الكافي للبدء بمساره الإصلاحي؟".