Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تعويذة العالم الآخر... متون جديدة تكشف ثقافة الموت في مصر القديمة

نصوص الأهرام دليل حماية المتوفى من الشر ليعبر الأبدية بسلام

أول وصف مصور للعالم الآخر عند المصريين القدماء (الموقع الرسمي لجامعة لوفان البلجيكية)

في كشف أثري بمنطقة دير البرشا بمحافظة المنيا (جنوبي القاهرة)، اكتشفت بعثة أثرية بلجيكية أقدم نسخة مما يطلق عليه نصوص الأهرام أو (متون الأهرام) في تابوت لسيدة من الطبقة رفيعة الشأن في مصر آنذاك ويعود عمرها إلى 4000 عام مضت.

البعثة الأثرية تابعة لجامعة لوفان، تحت إشراف هاركو ويليامز، مدير البعثة الأثرية البلجيكية في مصر، الذي صرح بـ"أن هذه النصوص هي الأقدم بالنسبة لنظيرتها المكتشفة حتى الآن".

 

 

ونصوص الأهرام، ليست عبارات محفوظة مكررة، ولكنها تعاويذ يكتبها الكهنة لكل فرعون على حدة، لتحميه من شرور العالم الآخر، الذي ينتقل إليه ولتسهل رحلته إلى الحياة الأبدية. في البداية كانت تُسجل على جدران الأهرامات الخاصة بالملوك، ومن بعدها بدأت في الظهور على جدران المقابر والتوابيت للشخصيات العادية رفيعة المستوى في المجتمع المصري القديم مثل الكشف الأثري الأخير. 

أقدم وصف مرسوم للعالم الآخر
يعود زمن النصوص المكتشفة لعام 2040 قبل الميلاد، أي أنها مكتوبة منذ حوالي 4000 عام، وعثر عليها داخل تابوت لسيدة تدعى "عنخت" في مقبرة بمنطقة دير البرشا التي تبعد حوالي 40 كيلو مترا عن محافظة المنيا جنوبي القاهرة، ويعتقد طبقاً للبعثة البلجيكية أن هذه الرسوم هي أول وصف مرسوم للعالم الآخر، وتبدو كخريطة لتقود المتوفى في طريقة للحياة الأبدية وليس مجرد نقوش أو رسوم".

 

 

وبحسب هاركو ويليامز، مدير البعثة الأثرية، فقد أطلق على هذه الرسوم المكتشفة اسم كتاب الطريقين أو الممرين، ويعكف هؤلاء العلماء حالياً على دراسة هذه الرموز للتعرف على مدلولاتها بصورة أكبر، إذ أفادوا "بأنها تشبه الخريطة التي ستساعد المتوفى على الوصول لطريقه في العالم الآخر، ولكن من غير المؤكد أن يكون هذا هو الهدف الفعلي منها. والطريقان أو الممران يتوسطهما بحيرة من النار، ويتخلل أحدهما صعوبات تواجه المتوفى أثناء رحلته إلى العالم الآخر، مثل كرات من نار وعوائق ووحوش ومعوقات مختلفة في طريقه، وإذا تمكن من اجتياز هذا الممر، فإنه سيخلد في جنة الإله أوزوريس".

ومن المثير للتساؤلات هو أن النصوص الموجودة على التابوت وجدت بصيغة المذكر، في حين أنه تابوت لسيدة، ويعتقد أن هذا نتيجة نقل هذه النصوص من نسخة أصلية دون الالتفات إلى جنس الشخص الذي سيحوي التابوت جثمانه.

أقدم نصوص الأهرام
وللتعرف بصورة أكبر على نصوص الأهرام وماهيتها، وكيف كانت وتطورت في مصر القديمة يقول الخبير الأثري والكاتب في علم المصريات بسام الشماع لـ"اندبندنت عربية"، "الفكرة الأساسية لمتون أو نصوص الأهرام أن الملك المتوفى سوف يعيش حياة أبدية في العالم الآخر، وأن موت الملك وبعثه يعني الرجوع لبيته والانضمام إلى عائلة المعبودات وهو يصعد إلى السماء في شكل الصقر، أو الأوزة أو الجرادة، وهذا قد يبدو غريبا للناس عند سماعه، ونصوص الأهـرام هي أقدم نصوص للأسـطورة الطقسـية في العالم".

 

يضيف، "أقدم نصوص الأهرام المكتشفة توجد في هرم (ونيس)، وأهرامات الملك (تيتي) والملك (بيبي الأول) الذي حكم أطول فترة حكم في تاريخ مصر المكتوب حيث حكم من عمر 6 سنوات حتى توفي عن عمر المئة سنة، بالإضافة إلى هرم (مري إن رع)، وهذه النصوص يطلق عليها تعاويذ، واللفظ الأدق مقولات".

النصوص وعامة الناس
هل اقتصرت هذه النصوص أو التعاويذ على الملوك، أم أن عامة الناس كان يمكن أن يحصلوا على مثل هذه المقولات في المقابر الخاصة بهم؟، وبالنسبة لتوصيف الرسوم المكتشفة بأنها تشبه الخريطة فما هو مدى معرفة المصريين القدماء بالخرائط؟، عن هذا الأمر يقول الخبير الأثري، "مع التطور بدأت هذه المقولات الطقسية توضع على جدران المقابر، وليس فقط الأهرامات، لأن عامة الناس يرغبون في أن يكون لهم مثل هذه المقولات، فالأهرامات تكون خاصة فقط بالملوك دون غيرهم، وبعد ذلك أصبحت توضع على التوابيت، فبناء المقابر والتوابيت ذات القيمة كان متاحاً للناس، ولكنه بالطبع يحتاج إلى المال فكان مقتصراً على الطبقة الغنية في المجتمع".

يضيف، "الخرائط في مصر القديمة كانت معروفة بشكل يشبه المتعارف عليه حالياً، ولم تكن مقتصرة على الشكل الجنائزي، الذي أشارت إليه الدراسة ومن الخرائط الشهيرة تلك الموجودة بالمتحف المصري في تورين بإيطاليا، ويعود تاريخها إلى منتصف القرن الـ12 قبل الميلاد خلال فترة حكم رمسيس الرابع، وتوضح بالتفصيل أماكن محاجر وادي الحمامات في الصحراء الشرقية".

مضمون النصوص
"الملك تيتي لم يمت موتاً بل جاء مُعظّماً في الأفق".

"هيا أيها الملك ونيس، إنك لم تسافر ميتاً بل سافرت حياً، لقد سافرت لكي يمكنك أن تعيش، وإنك لم تسافر لكي تموت".

"إنك لن تموت هذا الملك تيتي لن يموت"

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

السطور السابقة هي نماذج من متون الأهرام، وهي كما تبدو تعاويذ أو كتابات لتصاحب المتوفى في طريقه إلى العالم الآخر، ولكن ما هي أهم المضامين التي تحتويها؟ وعن ماذا تتحدث؟. يكشف الشماع، "تنقسم نصوص الأهرام إلى خمسة أقسام، وهي النصوص الدرامية مثل الرثاء وطقوس القربان والتجهيزات والمعدات للمقبرة وطقس فتح الفم الشهير، وهو أن يقوم الكاهن بوضع أداة على فم المومياء للقيام بهذا الطقس حتى يستطيع الملك نطق اسمه عند البوابة فتفتح له الطريق للعالم الآخر".

يضيف، "باقي أقسام النصوص هي الترانيم والابتهالات والتمجيد والمقولات السحرية، وهي مقولات قصيرة حامية، فهناك كائنات خطيرة تحاول عرقلة وصول الروح إلى العالم الآخر، وهذه المقولات السحرية تعمل على الحماية منهم".

فصول جديدة للتاريخ
طبقاً للكشف الأثري الأخير، فإن ما عثر عليه هو أقدم نص من هذه النصوص فكيف كانت بدايتها وفقاً للاكتشافات السابقة؟، يوضح الشماع، "المقولات السحرية قد تعود إلى الأسرة الأولى والثانية، أو ما اصطلح العلماء على تسميته الفترة البدائية المبكرة، ولا يزال البحث جاريا في هذا الأمر، فحتى في أقدم نصوص الأهرام لابد أن يكون هناك مصدر استلهم منه الكهنة، ولا يمثل تسجيلها للمرة الأولى في هرم (ونيس) أنها تُمثل الفكر الديني في هذه المرحلة فقط، ولكنها تُمثل في الواقع نتاج الفكر الديني للإنسان المصري منذ عصور أقدم".

 

يضيف، "التاريخ دائماً ما يحمل مفاجآت، ويضيف فصولاً جديدة، وفي حالة كشف تعاويذ أو نصوص تعود إلى هذه الفترة فغالباً لن يطلق عليها نصوص الأهرام، لأن هذه الفترة كانت قبل مرحلة بناء الأهرامات من الأساس، وبالتالي ستشكل فصلاً جديداً يضاف للتاريخ لا يمكن توصيفه الآن".