Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مسارات رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب

توجد ضرورة للموازنة بين الإصلاح السياسي والمصالح الاستراتيجية

اقترنت العقوبات على السودان بالرئيس السابق عمر البشير (رويترز)

لم يكن إدراج السودان في قائمة الدول الراعية الإرهاب هو المشكلة الوحيدة، ولن يكون رفعه من القائمة بعد ثلاثة عقودٍ هو الحل السحري للمشكلات الاقتصادية والسياسية، إنَّما تقع ضمن وسائل عديدة لحلّ هذه المشكلات.

بعد قيام ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، ظهرت المجموعة الأميركية المنادية برفع اسم السودان، وهي المجموعة التي كانت تعارض ذلك بقوة، وسط تعقيداتٍ تحيط بهذا القرار من الجهتين، على الرغم من وفاء السودان بتعاونه في مكافحة الإرهاب من موقعه كدولة عبور.

ما يدعو إلى التفاؤل هو قول مساعد وزير الخارجية الأميركية للشؤون الأفريقية تيبور ناجي، إنَّ بلاده "لم تعُد في خصومةٍ مع حكومة السودان"، وإنَّها باتت "تعتبرها شريكاً". وأكد أنَّ رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية الإرهاب "عملية إجرائية".

ذلك أنَّ الضرر الذي ألمَّ بسمعة البلاد منذ 1993، وما ترتَّب على القرار من توقُّف القروض والمنح من جهات دولية، منها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كل ذلك زاد من أعباء الديون التي وصلت إلى 45 مليار دولار، وفقاً لصندوق النقد الدولي، إضافة إلى تعثُّر الزراعة والصناعة بسبب نقص قطع الغيار والانقطاع عن التطورات التكنولوجية التي أثَّرت على عملية  التنمية، ما أحدث خسائر مالية قُدِّرت بنحو 350 مليار دولار.

أعلن الاتحاد الأوروبي عام 2015 حاجته إلى حوارٍ صريح يجمع السودان والدول الأعضاء في الاتحاد لمعالجة المشكلات وإيجاد حلول، وكان توضيح رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي بالخرطوم توماس يوليشني، هادفاً إلى تعزيز علاقات السودان مع دول الاتحاد الأوروبي، والتمكين من زيادة المساعدات الإنسانية والإنمائية، للتعاون في منع التطرف ومكافحة الإرهاب.

انفراج ومخاوف

من الممكن أن يكون قرار رفع العقوبات محدود الأثر بالنسبة إلى الاقتصاد السوداني في المدى القصير، وبالإمكان أن تظهر آثار إيجابية، إلّا أنَّ الأسئلة المختبئة وراء هذا الانفراج تثير المخاوف حول مزاجية الإدارة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترمب.

صحيحٌ أنَّ هذه القرارات بدأها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، لكنها وُضعت رهينة شروطٍ استحال تحقيقها في ظل حكومة الإنقاذ التي لم تستجب إليها أو ما سُميت بالمسارات الخمسة، وهي: مكافحة الإرهاب، وعدم دعم المعارضة في جنوب السودان، والسماح بتوصيل المساعدات الإنسانية، ووقف الحرب، وحقوق الإنسان، إضافة إلى بندٍ جاء كملحق، وهو ضمان أنَّ حكومة السودان ملتزمة بتنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي في شأن كوريا الشمالية.

أمَّا الشق الآخر مما اعتبرته الحكومة حلّاً فهو اتخاذها خطوات نحو تحسين العلاقات مع الجنوب بوصفه يمثل أحد المداخل لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، فكان أول ما قامت به حكومتا السودان هو تعهدهما بإغلاق ملف الخلافات بينهما، كالعزم على مراجعة رسوم عبور نفط الجنوب من أراضي الشمال لتصديره، ثم توجيه رئيس دولة الجنوب سلفاكير ميارديت جيش بلاده بالانسحاب من المناطق الحدودية مع السودان خمسة أميال جنوباً، مما أجبر الرئيس المخلوع عمر البشير على إصدار قرار فتح الحدود بين البلدين.

وأما تقرير الإرهاب الصادر أخيراً الذي يشمل حالة السودان عام 2018، فتناول المرحلة الثانية من الحوار الثنائي الهادف إلى تطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة والسودان، اشتملت المرحلة على توسيع قاعدة التعاون في مكافحة الإرهاب والالتزام بقرارات مجلس الأمن الدولي الخاصة بكوريا الشمالية، وقطع العلاقات معها، وأن تتخذ الحكومة السودانية خطواتٍ لمخاطبة قرارات المحاكم العالقة في القضايا المرفوعة من قِبل ضحايا الإرهاب، بما في ذلك قرار المحكمة الأميركية الخاص بتفجير السفارات في نيروبي ودار السلام عام 1998 والهجوم على المدمِّرة "يو أس أس كول" عام 2000.

تجاذبات القرار

توجد عوامل أخرى أمسكت الإدارة الأميركية عن الإفصاح عنها، لكنها شكّلت الجو العام ونسجت خيوط القرار: أولاً، تأكدت الولايات المتحدة من عدم فعالية العقوبات على السودان، ففي يناير (كانون الثاني) 2016 كانت الولايات المتحدة من ضمن أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذين راجعوا أنظمة العقوبات فوجدوا أنَّ عدد الدول التي فُرضت عليها عقوبات بلغ 16 دولة، وقد كانت حتى العقد الأول من القرن العشرين 12 نظاماً، وفي هذه الأنظمة كلها لم تثبت العقوبات أنّها أداة بالغة الفعالية في تعزيز السلام والأمن الدوليين، بل كان نجاحها محدوداً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ثانياً، خوف الولايات المتحدة من اعتماد السودان الكامل على الصين، فقد دخلت الصين في الاستثمار النفطي بالسودان في تسعينيات القرن الماضي عقب خروج شركة شيفرون الأميركية، وتمدَّدت في السودان، وعندما ذهب 75% من الإنتاج النفطي إلى جنوب السودان بعد انفصاله، يعكف السودان والصين حالياً على طرَق مجالات حيوية أخرى مثل الاستثمار الزراعي والاستثمار في قطاع التعدين، فلم تعد العقوبات تخدم المصالح الأميركية، وتمدُّد الصين مستمر على حساب أميركا ومصالحها الإقليمية في منطقة القرن الأفريقي.

ثالثاً، خوف الولايات المتحدة من تقويض مكانة الدولار الأميركي كعملة احتياطية رئيسية في صندوق النقد الدولي، وهذه المكانة يمكن أن يزعزعها اليوان الصيني بعد دخوله سلة العملات في صندوق النقد الدولي، وتوجه السودان وجزء من دول المنطقة لإدخاله في نظامهم المصرفي، وتساعد الولايات المتحدة على ذلك في كل مرة تعيد فيها فرض العقوبات وتمديدها.

على الرغم من ذلك، فإنَّ هناك معوقات أساسية قد لا توصل الحكومة الانتقالية إلى إنهاء أجل العقوبات بسهولة حتى على المدى البعيد، ما لم تتغير بعض الاستراتيجيات في السياسة الأميركية تجاه السودان.

ولذا، يبدو تطبيق الشروط أسهل من ذي قبل، لكن المشكلة أصبحت في أنَّ الجماعات الأميركية التي تطالب برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية الإرهاب سبق أن بذلت جهوداً مدعومة بشهاداتٍ ومستنداتٍ تثبت أنَّ السودان يرعى الإرهاب، ما يجعل من الصعب تقديم دعوى تبرئة.

ما لم تتم الموازنة بين الإصلاح السياسي والمصالح الاستراتيجية للسودان، فإنّ مأزق العقوبات هذه، متى فُرضت ثم رُفعت، يثبِت يوماً بعد يوم أنَّ الحكومة تخسر الدعم الشعبي الداخلي قبل أن تخسر علاقتها مع أميركا.