Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بريكست صار واقعا... فما أثره على مكانة بريطانيا بين الأمم؟

قوة المملكة المتحدة أصبحت متوسطة الحجم في العالم الحديث

رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون  (أ.ف.ب)

يعد الفوز الكبير الذي حقّقه بوريس جونسون بمثابة تبرئة للذات بالنسبة لرئيس الوزراء - على مجازفته بإجراء أول انتخابات شتوية في البلاد منذ حوالي قرن؛ وعلى خوضه حملة انتخابية كان بطلها على الطريقة الرئاسية تقريباً؛ ثم على تطهيره القاسي لمساندي البقاء في الاتحاد الأوروبي من فريقه البرلماني؛ لكن وقبل كل شيء، على جعل الانتخابات تدور كلها حول بريكست. كان بالإمكان أن ترتدّ عليه تلك القرارات فرادى أو مجتمعة، لكن في النهاية، أتت مقامرة بوريس جونسون بثمارها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وضوح فوزه يمنح حزب المحافظين أول أغلبية آمنة على العموم تمتع بها أي حزب في مجلس العموم منذ الفوز الأخير الذي أحرزه توني بلير لحزب العمال عام 2005.  كما أن هذا الفوز يحرّر جونسون من الحاجة للبحث عن تحالفات من شأنها أن تحدّ من هامش المناورة لديه. وفي حين أن الفوز كان ضربة مريرة لداعمي البقاء المتفائلين في المملكة المتحدة ولمعارضي الخروج في القيادة الأوروبية التي انتهت ولايتها للتو مثل دونالد توسك، فإن نتيجة الانتخابات تعني أن احتمال لإجراء استفتاء ثانٍ بات معدوماً. هكذا تتجه المملكة المتحدة حالياً للخروج من الاتحاد الأوروبي رسمياً بحلول نهاية يناير (كانون الثاني).

وعلى المدى القصير، يُسهّل هذا الفوز إنجاز الكثير من الأمور، كما ينقذ المملكة المتحدة من جولة أخرى من المفاوضات المحِرجة بغرض إرجاء تنفيذ بريكست مجدداً، التي ربما كانت ستُجرى بمزاج سيئ، لذلك من شأن هذا الفوز أن يلطّف الأجواء مع بروكسل ويشجع على اتبّاع نهج ذي طابع عملي من كلا الجانبين، فيما تبدأ المملكة المتحدة عملية المفاوضات التجارية التالية، التي ربما ستكون أكثر تعقيداً.

عند تأمل الشكل الذي يمكن أن تتخذه علاقات المملكة المتحدة الخارجية بعد بريكست، تجدر الإشارة إلى ما حققه بوريس جونسون في الأشهر الثلاثة التي سبقت الانتخابات. فهو لم يلتزم فقط بموعده النهائي لمراجعة "صفقة" تيريزا ماي، بل تمكن أيضا من تبديد الكثير من المشاعر السيئة لدى الزعماء الأوروبيين تجاهه شخصياً، التي نشأ بعضها من مقارنته عام 2016 بيروقراطية بروكسل بهتلر، وذلك من حيث رغبتها المفترضة لتوحيد أوروبا تحت "سلطة" واحدة.

وكما كان الأمر خلال حملته الانتخابية، أظهر جونسون قدرة على إقامة علاقة شخصية مع أفراد رئيسيين، وهو أمر لم تفلح تيريزا ماي أبداً في تحقيقه، كما أبدى أيضاً استعداداً للتصرف ببراغماتية مرنة بدلاً من اتبّاع المبادئ على نحو صارم، وهذا تجلى في تعامله مثلاً مع معضلة الحدود الأيرلندية. وتبشر هذه الصفات بعلاقات مستقبلية جيدة، ليس فقط مع الاتحاد الأوروبي وإنما مع بقية العالم.

لكن رغم أن الفوز المقنع الذي حقّقه جونسون أسهم بالتأكيد في تسهيل عملية بريكست على المدى القصير، ومهّد الطريق لبدء مباحثات تجارية هادفة مع الاتحاد الأوروبي بروح تعاونية معقولة، فهو أيضا ينطوي على نتيجة يصعب التنبؤ بآثارها.

في غضون الثواني التي استغرقها استيعاب نتائج الاستطلاعات النهائية، أصبح بريكست فجأة أمراً محتوماً كما لم يكن من قبل. وبالتالي سيُنظر إلى المملكة المتحدة، وعليها أن ترى نفسها، كدولة خارج الاتحاد الأوروبي وأنها أضحت سيدة مصيرها، بقدر ما تستطيع أي دولة أن تكون اليوم سيدة أمرها. ولن ينفع بعد اليوم التهرب أو الاعتذار أو اليأس، في تبرير "الفوضى" التي جلبتها لنفسها دولة كانت تعتبر قبل الاستفتاء دولة منظمة وعاقلة بشكل عام. الآن، أو قريباً جداً، ستكون الخروج من الاتحاد الأوروبي واقعاً نعيشه. لن تكون المملكة المتحدة فقط خارج مؤسسات وهياكل الاتحاد الأوروبي، ولكن أيضاً خارج الإجماع المفترض على "القيم" التي جعلت الاتحاد الأوروبي منارة للآخرين، بما في ذلك الدول الأوروبية الأخرى التي تطمح إلى العضوية.

ستكون أيضاً دولة منافسة، وهو وضع لا ينطبق على الدول الأصغر حجما في المنطقة الاقتصادية الأوروبية، مثل النرويج وسويسرا، ولهذا لا يمكن للمملكة المتحدة أن تتوقع مباحثات تجارية سهلة مع بروكسل. ويرجح أن تكون مواءمة القواعد التجارية مسألة كبيرة  وخلافية، إذ سيسأل "المتشددون" من أنصار الخروج من الاتحاد الأوروبي عن جدوى خوضنا عملية بريكست برمتها إذا لم نجنِ في نهاية المطاف المزايا التي توقعوها من مغادرة السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي.

في خطاب ألقاه في كلية أوروبا فيما كان يغادر منصبه، حذّر دونالد توسك من أن المملكة المتحدة ستفقد نفوذها في الشؤون الدولية، قائلا إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يمثل "النهاية الحقيقية" للإمبراطورية البريطانية. أما القدر الذي ستخسره المملكة المتحدة من نفوذها على المسرح الدولي، فهو يعتمد إلى حد ما على تفسير جونسون وحكومته الجديدة لسياسة "بريطانيا العالمية" التي روجوا لها كثيراً. هل سيكون لدى المملكة المتحدة الإحساس بالهدف والوسائل الضرورية لعرض قوتها الدبلوماسية والعسكرية بعيداً خارج حدود أوروبا؟ وإلى أي حد ستتجاوب المستعمرات السابقة مع مساعي الصداقة من سيدها الإمبراطوري السابق؟ وهل سيتمتع جونسون بالإرادة أو الرؤية لإعادة توجيه السياسة الخارجية، (ووزارة الخارجية)،  التي قامت على عضوية الاتحاد الأوروبي لنحو نصف قرن، بمجرد تنفيذ بريكست، أو على الأقل المرحلة الأولى منه؟

وهل ستكون إعادة التوجيه تلك، إن حدثت، ذات طابع تجاري إلى حد كبير، أم أنها ستتطلع إلى تعزيز التحالفات الدفاعية أو، بدلاً من ذلك، توظيف "القوة الناعمة". إن التجارة وحدها قد لا تكون خالية من المتاعب. وعلى سبيل المثال، تضررت تجارة أستراليا ونيوزيلندا مع المملكة المتحدة عندما انضمت الأخيرة إلى الاتحاد الأوروبي، واليوم تتمتع هاتان الدولتان بترتيبات تجارية مزدهرة خاصة بهما. فلماذا ينبغي عليهما تقديم أي معروف إلى لندن.

من ناحية أخرى، ما هو الثمن الذي ستدفعه لندن لقاء "العلاقة الخاصة" مع واشنطن؟ نوقشت مطولاً التبعات التي ستترتب على أي اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة لاسيما فيما يتعلق بالخدمة الصحية الوطنية، بغض النظر عن مدى شعور دونالد ترمب بالارتياح حيال بريكست وبوريس جونسون. أما العلاقات البريطانية مع الصين فهي معقدة سلفاً بسبب الاضطرابات في هونغ كونغ والمخاطر الأمنية المحتملة من التعاون مع الشركات الصينية. هكذا يفرض السؤال نفسه عن حجم النفوذ الذي ستتمتع به بريطانيا، مقارنةً بنفوذها عندما كانت تتعامل مع الصين كجزء من الاتحاد الأوروبي؟

ولكن بغض النظر عما قد يحصل  لـ "بريطانيا العالمية"، فإن توسك محق بلا شك فيما يتعلق بأوروبا. لقد تمتعت المملكة المتحدة بنفوذ حقيقي داخل الاتحاد الأوروبي، وربما أقل مما كانت ستحظى به لو تصرفت بشكل ينسجم مع البقية كعضو من الفريق. لكن هذا النفوذ قد ضاع الآن، وسيكون لذلك أثره ليس فقط على المملكة المتحدة بل أيضا على تلك البلدان، خاصة في شرق ووسط أوروبا، التي رأت في بريطانيا قائدة يمكنها أن تنضوي تحت لوائها  سواءً بهدف مقاومة ما يرونها غرائز "أوروبا القديمة" لبناء دول عظيمة أو في الوقوف ضد روسيا.

لقد تغير التوازن الجيوسياسي الكامل للاتحاد الأوروبي بسبب بريكست، ويمكن أن تتغير أيضا صورة المملكة المتحدة عن نفسها كقوة دولية، بناءً على شهية بوريس جونسون لجذب الأنظار على الساحة العالمية. كان هناك افتراض في بعض الأوساط بأن التصويت على خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي يعكس رغبة (وإن كانت غير واقعية) لجعل بريطانيا، أو حتى إنجلترا، "عظيمة مرة أخرى،" والتغني بشعارات "احكمي بريطانيا" و "أرض الأمل والمجد." المعروفة.

لكن كان هناك تيار آخر في أوساط الذين صوتوا لصالح بريكست يدعو المملكة المتحدة إلى الانكفاء على الذات، وعدم "تحمّل أكثر مما تستطيع"، والابتعاد عن حروب الآخرين بعد التجارب السلبية التي حجّمتها في أفغانستان والعراق وليبيا. ويمكن لهذه الدعوات لدى ضمّها إلى تلك الداعية للحدّ من الهجرة، أن تدل على وجود تيار انعزالي مشوب بكراهية الأجانب. ولكن هناك أيضا تفسير أكثر براءة لهذا التوجه. فهل يمكن أن يكون هذا الموقف نابعاً من كون البريطانيين  قد أخذوا يقبلون بمكانة المملكة المتحدة كقوة متوسطة الحجم في العالم الحديث بطريقة تجاهلتها الحكومات المتعاقبة؟ هل سيطمح جونسون، وقد يُذكر له أنه لم يكن متحمسا كثيراً كوزير للخارجية، إلى أن تعتلي بريطانيا قمة العالم، أم أن طموحاته ستكون أكثر تواضعاً، بدءاً بالحكم الجيد في الداخل على سبيل المثال؟

كانت هناك مؤشرات قليلة خلال الحملة الانتخابية حول المكانة التي يراها جونسون مناسبة  للمملكة المتحدة في العالم بعد بريكست، سواء في بيان المحافظين أو فيما بدر عنه شخصياً. تعرّض مصطلح "بريطانيا العالمية"، الذي لم يصغه جونسون للنقد وحتى للسخرية لفراغه وسطحيته. لكن كان هناك تلميح إلى أنه يرغب في إعادة تنشيط أجواء أوليمبياد لندن 2012، عندما كان محافظ لندن، على المستوى الوطني والاستفادة من الجاذبية العالمية للمملكة المتحدة بتلك الطريقة.

والمؤكد هو أن قرار جونسون المصيري قبل ثلاث سنوات أسهم في فوز دعاة الخروج باستفتاء بريكست، وأن جعل الخروج من الاتحاد الأوروبي محور حملته كان عاملاً كبيراً في انتصاره في انتخابات الأسبوع الماضي.

لكن مع النصر تأتي المسؤولية. فالأمر يعود له الآن لرسم المستقبل الدولي لبلد يشعر سلفاً أكثر من الماضي بصغر حجمه، وعليه أن يشقّ طريقه بين الأمم للأحسن أو الأسوأ؛ فقد تكون هناك فرص جيدة في الأفق، كما قد تكون هناك مخاطر هائلة.

© The Independent

المزيد من آراء