Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأزمة الاقتصادية تتفاقم في لبنان... إقفال مؤسسات وصرف تعسفي

خفض التصنيف يمهد إلى إعادة هيكلة الدين

استمرار القيود المصرفية على التعاملات المالية في موازاة شح السيولة لدى المؤسسات الاقتصادية المختلفة (رويترز)

مع استمرار حال المراوحة على الصعيد الحكومي مع انقضاء أكثر من شهر على استقالة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري و58 يوماً على بدء الانتفاضة الشعبية في الشارع، بدأت التداعيات الاقتصادية تظهر أكثر فأكثر وسط استمرار القيود المصرفية على التعاملات المالية، واستمرار شح السيولة لدى المؤسسات الاقتصادية المختلفة.

وفي حين تغيب الإحصاءات الدقيقة حول حجم الخسائر التي يتكبدها الاقتصاد اللبناني نتيجة الغموض المسيطر على كل التوقعات، والضبابية المقرونة بنظرة تشاؤمية حيال الآفاق الاقتصادية والمالية المستقبلية، تعزو مصادر صناعية هذا الأمر إلى أن العدد الأكبر من المؤسسات التي أقفلت أو صرفت عمالاً "لم تعلن ذلك بعد أو تبلّغ وزارة العمل أو الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي"، إذ معظمها توصل إلى توافقات رضائية مع موظفيه على الإجراءات التقشفية المُتخذة.

وفي حين يُنتظر أن يحقق النمو الاقتصادي معدلاً سلبياً مقارنة بمعدلات تراوحت بين 1 و1,5 في المئة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، تأتي تقارير المؤسسات الدولية ووكالات التصنيف التي عمدت أخيراً إلى خفض جديد في تصنيفها للدين السيادي اللبناني، كما لعدد من المصارف الكبرى، ليزيد من "حدة المناخ التشاؤمي في البلاد"، ويفاقم في زعزعة الثقة المحلية والخارجية بالأسواق والمصارف اللبنانية، ما من شأنه أن يسرع خطوات الانهيار، خصوصاً أن المعالجات الرسمية العملية تغيب، ليحل محلها بعض المواقف التي لا تحمل حلولاً أو معالجات للأزمات المستفحلة مالياً واقتصادياً واجتماعياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

خسارة 160 ألف وظيفة

وبيّن استطلاع لمؤسسة "إنفوبرو" للأبحاث، أجرته في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي، على عينة من 300 شركة من القطاع الخاص، تسجيل "خسارة 160 ألف وظيفة بصورة موقتة أو دائمة"، في حين أن 10 في المئة من إجمالي عدد الشركات العاملة "توقف قسرياً عن العمل أو أقفل نهائياً".

وأظهرت نتائج الاستطلاع أيضاً ضعف أداء القطاع الخاص وهشاشته إزاء التحولات خلال أشهر قبل الانتفاضة، إذ قام عدد كبير من الشركات بخفض نفقاته العامة أو قلص عدد موظفيه، بينما أدى تباطؤ الاقتصاد وتقلص فرص التمويل إلى "استنفاد معظم الشركات مواردها"، علماً أن الوضع الراهن ليس إلا استكمالاً لوضع مماثل شهده العام 2018، إذ سُجل إقفال 2200 مؤسسة.

وفي هذا الإطار، يقول نائب رئيس جمعية الصناعيين اللبنانيين زياد بكداش، لـ "اندبندنت عربية"، "في ظل غياب أي أرقام رسمية واضحة لدى الجمعية، فإن الأرقام المتداولة بين الصناعيين تشير إلى أن نحو 2400 عامل فقدوا وظيفتهم خلال الأيام العشرة الأخيرة". وكشف أن الإنتاجية "تراجعت بنسبة لا تقل عن 30 في المئة".

ورأى أن المشكلة الأساسية التي ستواجه الصناعيين في المرحلة المقبلة، إذا استمرت القيود المالية والمصرفية على الاستيراد وعلى التحويلات، تتمثل في "نقص المواد الأولية"، مشيراً إلى أن بعض الصناعيين يعتزمون الاستمرار في إنتاجهم حتى تنتهي هذه المواد من دون أي نية لفتح اعتمادات جديدة في ظل القيود التي يتعرضون إليها، وهذا يعني في رأيه أن البلاد قد تشهد "نقصاً في العديد من المواد المنتجة محلياً"، وكشف أن أكثر ما يواجه الصناعيين اليوم هو "توقف التسهيلات الائتمانية"، إذ يطالب الموردون بالدفع نقداً وبالدولار، وقال بكداش إن ثمة تحديين يواجهان المؤسسات الإنتاجية الأول يكمن في "استعادة الثقة بالمصارف"، والثاني "لجم سعر صرف الدولار الأميركي".

وزير العمل: الوضع صعب

بدوره، لا يعكس وزير العمل في الحكومة المستقيلة كميل أبو سليمان نظرة متفائلة، إذ يكشف لـ "اندبندنت عربية" عن أن الوزارة تلقت نحو 160 طلب إقفال من مؤسسات اقتصادية. وقال إنه يسعى جاهداً من خلال التفاوض مع هذه المؤسسات، إما لثنيها عن الإقفال ومساعدتها على الاستمرار، وإما لتحسين شروط الصرف أو تقليص عدد المصروفين.

وأوضح أن الاجتماعات مفتوحة مع أصحاب المؤسسات ومع الضمان الاجتماعي من أجل إيجاد أفضل الشروط التي تخفف الأعباء عن أرباب العمل كما عن العمال، آملاً ألا تطول الأزمة، نظراً إلى ما سترتبه من تداعيات سلبية جداً على القطاعات الإنتاجية.

"الضمان" يدرس إجراءات تحفيزية

من جهته، أكد المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي محمد كركي، لـ "اندبندنت عربية"، أن مجلس إدارة الصندوق في جلسته الأخيرة "ناقش بعض الإجراءات الكفيلة بتخفيف الأعباء عن المؤسسات"، ومنها "تمديد العمل ببراءات الذمة". واتخذ قراراً في شأنها لجهة تمديد تلك المهل حتى الشهر الثاني من السنة الجديدة، وذلك من أجل تسهيل المناقصات وعمليات الاستيراد، لكن مثل هذا الإجراء يحتاج إلى صدور مرسوم عن مجلس الوزراء ليدخل قيد التنفيذ، ووزير العمل يجري اتصالاته من أجل تسهيل تنفيذ الإجراء في ظل حكومة مستقيلة.

وكشف كركي أيضاً عن إجراء آخر يدرسه مع وزير العمل يتعلق بتأجيل استحقاق دفع الاشتراكات في الصندوق، وعدم وضع غرامات على المتأخرات، ويخضع الإجراء لدراسة قانونية لمعرفة مدى قانونيته.

وزير المال: تراجع الإيرادات

في الموازاة، عبَّر وزير المال في الحكومة المستقيلة علي حسن خليل عن دقة وضع المالية العامة عندما كشف عن أن إيرادات الخزانة "تراجعت بنسبة 40 في المئة في الأشهر الثلاثة الأخيرة من السنة". وقال "لدينا أرقام مقلقة جداً عن تراجع الإيرادات، وكنا نتوقع تأمين 5000 مليار ليرة لبنانية خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، لكننا تراجعنا إلى حدود الـ40 في المئة، ما سبّب عجزاً أكبر بكثير مما توقعنا في مشروع الموازنة، وبالتالي كل أرقام موازنة 2020 ستتغيّر".

وأشار خليل إلى أن "رواتب القطاع العام ستدفع قبل الـ25 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الحالي كما كل عام"، وقال إن "الرواتب بشكل عام أولوية، وأعتقد أنها ستبقى مؤمّنة، على الرغم من وجود صعوبات حقيقية في تمويل الدولة". وأعلن أنه رفع مشروع قانون إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء لرفع قيمة الضمانة على الودائع من خمسة ملايين ليرة (حوالى 3300 دولار) إلى 75 مليوناً (حوالى 50 الف دولار) ، معتبراً أن هذا يفيد كل المودعين، لا سيما أصحاب الودائع الصغيرة.

ويأتي كلام خليل عقب إعلان وكالة "فيتش" عن خفض تصنيف لبنان مجدداً، إذ أصبح على بعد درجتين من درجة D أي التخلف عن السداد، في وقت ارتفعت وتيرة الكلام مجدداً عن حاجة لبنان إلى إعادة هيكلة ديونه التي تقدر بنحو 87 مليار دولار، نتيجة تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية على أبواب الاستحقاقات المالية الكبيرة التي تواجهها البلاد في العام 2020.

مسألة وقت

وأشار تقرير لوكالة "بلومبيرغ" قبل يومين صراحة، ونقلاً عن مستثمرين أن إعادة هيكلة ديون لبنان هي "مسألة وقت" بالنسبة إلى عدد كبير من حاملي السندات. ونقلت الوكالة عن مدير المحافظ في "باينبريدج للاستثمار" أنديرس فايرجمان قوله "صبر الأسواق ينفد، ستظل مسألة تعافي الأسواق صعبة إلى حين معرفة المستثمرين الجهة التي ستتحكم بشؤون البلاد المالية". علماً بأنّ مخاطر الديون اللبنانية مدة خمس سنوات ارتفعت ما يزيد على 2500 نقطة أساس الأسبوع الماضي، وهي الأعلى عالمياً بعد الأرجنتين.

هذا المناخ دفع رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري إلى طلب المساعدة الدولية، بدءاً من اجتماع مجموعة الدعم الدولية في باريس الأسبوع الماضي، وصولاً إلى الاتصال برئيس البنك الدولي ومديرة صندوق النقد الدولي طلباً للمساعدة التقنية، بما فُسر في بيروت على أنه "تمهيد لطلب المساعدة من الصندوق".