Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نساء هيلاري وتشيلسي كلينتون الجسورات

كتابهما استعرض سيَر أكثر من 100 امرأة ساهمن في صنع التاريخ

هيلاري وتشيلسي كلينتون مع كتابهما المشترك (رويترز)

صعدت المحامية هيلاري رودهام كلينتون (72 عاما) إلى خشبة المسرح السياسي العالمي أربع مرات: سيدة البيت الأبيض عندما صار زوجها بيل الرئيس الأميركي الثاني والأربعين (1993 – 2001) وانصرفت من هذا الموقع إلى الإشراف على برنامج زوجها الصحي، وعندما صارت سناتورة عن نيويورك (2201 – 2009)، ثم الوزيرة 67 للخارجية في ولاية الرئيس باراك اوباما الأولى (2009 – 2013)، وأخيرا عندما أصبحت أول امرأة تحصل في 2016 على ترشيح حزب رئيسي (الديمقراطي) الى البيت الأبيض (وخسرت أمام دونالد ترمب).

وتشيلسي كلينتون (39 عاما) هي الابنة الوحيدة لهيلاري وبيل، وعدا ذلك فهي تعرّف بأنها كاتبة وناشطة في مجال الصحة العالمية. عملت مراسلة خاصة لشبكة إن بي سي الإعلامية الأميركية (2011 – 2014)، وتعمل حاليا لـ"كلينتون فاونديشن" (Clinton Foundation) و"كلينتون غلوبال إنيشياتيف (Clinton Global Initiative) وهي عضو مجلس إدارة هذه الأخيرة، إضافة إلى عضويتها في مجالس إدارة عدد من الجامعات والمؤسسات العاملة في مجالات الفنون والصحة العامة وإدارة الأعمال. كما إنها محاضرة مساعدة بكلية الصحة العامة في جامعة كولومبيا. وقد تلقت دراساتها العليا في كل من جامعة ستانفورد الأميركية واوكسفورد البريطانية التي حصلت منها على دكتوراه العلاقات الدولية في 2014.

أسنان اللازورد

في مقدمتهما لكتابهما "سِجِل نساء جسورات: قصص مختارة في الشجاعة والصمود" The book of Gutsy Women الصادر في اكتوبر (تشرين الأول) 2019، والمُهدى "لكل شخص يبحث عن الإلهام ليعيش حياة جسورة"، تحكي الكاتبتان قصة إلهامهما الخاص وراء جمع سير نساء تميزن بالجسارة والسباحة عكس التيار وصنعن التاريخ في عالم يسيطر على مقاليده الرجال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتبعا لهما فقد شدهما في وقت واحد تقرير أوردته شبكة "سي إن إن" التلفزيونية وجاء فيه أن علماء الآثار أماطوا اللثام عن جمجمة امرأة ماتت في أحد أرياف المانيا حوالي العام 997 قبل الميلاد. واسترعى انتباههما أن أسنانها مبقّعة بلون لازوردي. وتبين في آخر البحوث أن المرأة كانت رسامة تلطخت أسنانها باللازوردي لأنها كانت تغمس فرشاتها التي كانت تحمل هذه الصبغة النادرة في فمها بغرض تليينها بين حين وآخر.

وتستخلص الكاتبتان أن هذا الكشف الأثري، مع العديد المشابه له، يعني أن دور المرأة على مدار التاريخ لم يقتصر على الإنجاب والتربية والأعمال المنزلية، بل تعداه إلى مختلف الأنشطة البشرية وأنه في أحايين كثيرة بلغ شأوا لم يبلغه الرجال. وكتاب "نساء جسورات" إنما يقدم الأمثلة - الدليل على ذلك.

الشكل والمضمون

صنفت المؤلفتان بطلات هذا الكتاب (وهن فوق المائة) في إحدى عشرة فئة هي: إلهامات مبكرة، رائدات التعليم، مدافعات عن الأرض، مسكتشفات ومخترعات، نساء الرياضة، محاميات وناشطات، قاصّات وروائيات، داعيات حقوق الإنسان. وخصصتا لكل شخصية فيه أربع صفحات في المتوسط. وأعقبتا ذلك بخاتمة فشكر وعرفان لمن سهّلوا مهمة إنجاز الكتاب ثم فهرس الأسماء والأماكن وأخيرا أصحاب حقوق الملكية للصور الفوتوغرافية المحتواة بين دفتيه.

وفي حوار أجراه تلفزيون "بي بي سي" مع الكاتبتين، كشفت تشيلسي – في معرض حديثها عن تفاصيل إنجاز هذا العمل - أنها كانت تكتب على الكمبيوتر "لأن هذا هو العام 2019 في القرن الحادي والعشرين". أما والدتها فيبدو أنها لازالت وفيّة للأمس المتمثل في الورقة والقلم. ولأن الاثنتين لا تعيشان في دار واحدة فقد كانت الأم تلتقط صورا لصفحاتها المنجزة بهاتفها الجوال وتبعث بها الى الإبنة حتى تنقلها الى الشكل الرقمي الذي يتعامل به العالم في 2019 كما قالت.

وبدلا عن مجرد إيراد سير الشخصيات المحتواة في الكتاب، انتهجت هيلاري وتشيلسي نمطا حسنا يتمثل في عرض كل سيرة من وجهة النظر الشخصية لإحداهما (أو كليهما) بتعليقاتها وآرائهما وذكرياتهما (حيثما كانت ذكريات) وكيف تعرّفت عليها (شخصيا أو بالسمعة). والواقع أن هذا أسلوب موفق لأنه شد بنيان الكتاب وألقى بحيوية إنسانية إضافية على كل شخصية، وفي الوقت نفسه فتح لنا نافذة الى عقلي الكاتبتين وفكرهما.

 شموس غربية...

دعونا نتناول حفنة صغيرة من الشموس الساطعة في هذا الكتاب القيّم:

* الناشطة السوداء هارييت تابمان (1822 – 1913) المولودة في العبودية الأميركية. تمثل إنجازها المدهش في أنها آلت على نفسها المساهمة في تحرير العبيد فتصدرت 13 مهمة حررت فيها أكثر من سبعين منهم.

* النمساوية ماريا فون تراب، ربة البيت في عائلة فون تراب الغنائية. سطع نجمها عندما عارضت – على عكس الأغلبية من أهل بلادها – ذوبان النمسا في المانيا النازية. أصدرت كتاب مذكراتها الذي صار لاحقا الأساس لأحد أشهر أفلام هوليوود وهو "صوت الموسيقى".

* غريتا تونبيري: ربما كانت أشهر صبية في العالم اليوم وهي لم تتجاوز السادسة عشرة بعد. هذه هي السويدية التي شدت انتباه العالم أكثر من أي ناشط بيئي آخر عندما واجهت حكام العالم في الأمم المتحدة واتهمتهم، باكية، بأن سياساتهم الخرقاء تجاه البيئة تعني أن مستقبلها ومستقبل الأجيال المقبلة كارثة معلقة على رقابهم.

* فلورنس نايتنغيل: بريطانية كانت مصلحة اجتماعية وخبيرة إحصاء. لكن التاريخ يذكرها لأنها هي مؤسسة مهنة التمريض وأول ممرضة بالمعنى الحديث في العالم.

* فينوس وسرينا وليامز: الشقيقتان اللتان تربعتا على عرش تنس النساء، توردهما المؤلفتان ليس بفضل إنجازاتهما الرياضية وحسب وإنما لصمودهما المدهش أيضا في وجه العواصف العنصرية السافرة التي هبت عليهما كونهما سوداوين ولا تتمعان بالجمال المُقاس تبعا للمعايير الغربية البيضاء.

* ألي ستوكر: أميركية دخلت التاريخ العام الحالي بعدما صارت أول معاقة تفوز بجائزة توني (المعادل المسرحي للأوسكار) لأفضل ممثلة عن دورها في المسرحية الموسيقية "اوكلاهوما".

 

... وشموس شرقية

ثم دعونا نتناول شموسا أشرقت بين ظهرانينا:

نادية مراد: عراقية قُتلت أمها وستة من إخوانها وأخذت هي جارية للجنس في اليوم نفسه في اغسطس / آب 2014 مع هجمة مقاتلي "داعش" على الإيزيديين في كوجو، محافظة نينوى، شمال غرب العراق. قضت ثلاثة أشهر في الأسر قبل تمكنها من الهرب. في 2018 خاطبت منتدى الأمم المتحدة لقضايا الأقليات، وفي العام نفسه خاطبت ايضا مجلس الأمن في مناقشته تهريب البشر. وفي العام التالي عينتها الأمم المتحدة سفيرة نوايا حسنة لكرامة الناجين من جرائم تهريب البشر. وهي تعمل حاليا، بمساعدة المحامية اللبنانية البريطانية أمل علم الدين - كلوني على ملاحقة مجرمي داعش بغرض تقديمهم للمحكمة الجنائية الدولية.

د. منى حنا عطيشة: ابنة مهاجر عراقي الى الولايات المتحدة، طبيبة أطفال ومحاضرة وناشطة في الصحة العامة. يعود اليها الفضل في إنقاذ الآلاف، خاصة الأطفال، في مدينة فلينت، ميشيغان، عندما قادتها بحوثها لاكتشاف أن مرضاها الأطفال يتعرضون للتسمم بالرصاص المتسرب الى مياه الشرب. وكانت الخدمات في المدينة قد آلت إلى حال بائسة لأن معظم سكانها خليط من السود والمهاجرين والفقراء عموما. تجاهلت السلطات تحذيراتها زمنا فاضطرت لإعلان نتائج أبحاثها في مؤتمر صحافي أجبر صنّاع القرار أخيرا على الرضوخ والاعتراف بالمشكلة – الكارثة ثم معالجة جذر المشكلة.

أماني الخطاطبة: أمريكية من أصول فلسطينية - أردنية اشتهرت بموقعها muslimgirl.com كمجلة للمرأة المسلمة على الإنترنت وأصابت به نجاحا باهرا وضعها على قائمة فوربس 30 الإعلامية وعلى قائمة سي إن إن للشباب الأميركي المسلم الأكثر نفوذا. وقالت إنها رمت من المجلة، التي أسستها في 2009، الى أن تكون منبرا يوحّد الشابات المسلمات حتى يخلقن مساحة صامدة خاصة بهن أمام مد الإسلاموفوبيا الذي اجتاح اميركيا في أعقاب هجمات 11/9.

ملالا يوسف زاي: الصبية الناشطة الباكستانية التي كان ذنبها أنها تمسكت بحقها وحق البنات عموما في التعليم، فعاقبتها عناصر من طالبان بأن رمتها برصاصة في رأسها العام 2012. لكن الأقدار لا تحرمها حقها في الحياة أيضا فتمضي لتكمل مشوارها الدراسي حتى جامعة اوكسفورد نفسها. صارت من أعلى الأصوات العالمية في مجال تعليم البنات وخاطبت في هذا الشأن مختلف المنتديات الدولية بما فيها الأمم المتحدة، وأسست "صندوق ملالا" الخيري للعمل في هذا المضمار. في 20016 أصدرت سيرتها وقضيتها بالانجليزية في كتاب "ملالا" الذي ترجم الى مختلف اللغات.

د. حواء عبدي: طبيبة نساء وولادة صومالية ناشطة في مجال حقوق الإنسان وصاحبة مؤسسة خيرية باسمها في هذا الشأن. وردت سيرتها في الكتاب بسبب تحديها "الشباب" الأصولية الإسلامية في 2010 عندما هاجم مقاتلوها المستشفى الذي كانت تعمل فيه واحتلوه سبعة أيام. رفضت الانصياع لأوامرهم بمغادرة المستشفى قائلة: "سأموت هنا مع أهلي وكرامتي. أنتم شباب أقوياء، أهذا ما تفعلونه لمجتمعكم ووطنكم؟" وهذا الموقف – كما تقول المؤلفتان – ينبع من طفولتها عندما ماتت أمها وتركت لها ستة إخوة لتربيتهم وهي في سن الثانية عشرة فقط. قررت أن تصبح طبيبة بعدما رأت أمها تموت خلال وضع وليدها السابع وحققت حلمها. وعندما هوت بلادها في فوضى الحرب حولت مستوصفها الى ملجأ للهاربين تقدم لهم فيه المأكل والمشرب إضافة الى العلاج.

غائبات

قد يدهش المرء عندما يعلم أن ثمة أسماء مدويّة لم تجد طريقها الى هذا الكتاب رغم عدد صفحاته التي تزيد على 460: مارغريت ثاتشر، الأم تيريزا، ويني مانديلا، بنازير بوتو، فريدا كالو، توني موريسون... والقائمة تطول. ونعم، ليس ممكنا لأي كتاب أن يحوي كل امرأة ساهمت في صناعة التاريخ، لكن يقيني هو أن المؤلفتين أنجزتا كتابهما من منطلق شخصي. فلكل من الأسماء الاوردة فيه انطباع "خاص" على واحدة منهما وفي الكثير من الأحيان على الاثنتين معا. ومع ذلك يخامرني إحساس بأن هذا الكتاب ربما كان الأول من اثنين أو أكثر. وعلى أية حال فهو جدير بالقراءة لأنه يضيئ نضال المرأة على مر العصور ومساهمتها التي لا تنكر في بناء الحضارة الإنسانية التي نعرفها اليوم.

 

الكتاب: سِجِل نساء جسورات: قصص مختارة في الشجاعة والصمود The Book of Gutsy Women - Favourite Stories of Courage and Resilience

المؤلفتان: هيلاري رودهام كلينتون وتشيلسي كلينتون

الناشر: سايمون آند تشوستر يو كيه

464 صفحة الطبعة الانجليزية

اكتوبر / تشرين الأول 2019

المزيد من كتب