Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في أبنية طرابلس الأثرية... سكان بلا سقوف

تنتمي المدينة اللبنانية إلى حقب تاريخية عدة بدءاً بالصليبية وصولاً إلى الفتح الإسلامي والعهد الكولونيالي

فتحت حادثة انهيار أحد المباني في مدينة الميناء الباب واسعاً حول مصير العائلات الفقيرة التي تقطن المنازل المصنفة أثرية في لبنان، وتعدُّ مدينة طرابلس حالة نموذجية لهذه الظاهرة، إذ يتخوّف كثيرٌ من أهالي الأحياء الشعبية من مصير مماثل للأخوين كاخيا (الشابين عبد الرحمن وراما) اللذين ذهبا ضحية التقصير في أعمال الترميم، وبدأ تقاذف الاتهامات في قضيتهما بين الأهالي ورئيس البلدية عبد القادر علم الدين الذي رفع عن نفسه المسؤولية، لأن المديرية العامة للآثار هي صاحبة الصلاحية لإعطاء إذن الترميم.

ملكية مشتركة

منذ عقود سلّم أبناء طرابلس القديمة مصيرهم إلى القضاء والقدر، فهم يعيشون في منازل غير آمنة من الناحية الهندسية، وغير صحية من الناحية البيئية، ولم يرغمهم على السُّكنى فيها إلا الفقر والعوز.

يبرر بعض سكان منطقة الرفاعية بقاءهم في منازل غرفها ضيقة ورطبة، وجدرانها ترشّح ماء، بأنها "إيجار قديم"، ففي لبنان لم يعد هناك إمكانية للعثور على منزل لا يتجاوز أجره المئة دولار أميركي، فيما يحتاج هؤلاء إلى 5 أضعاف هذا المبلغ لإيجار شقة في أحياء طرابلس الجديدة.

ويلفت آخرون في حي المهاترة إلى أنهم يتقاسمون الشقة الواحدة بين أسر عدة، وينطلقون من أن المنازل الأثرية تمتاز هندسياً وعمرانياً بأنها تتألف من طبقات عدة، وتتوزع على غرف مستقلة وملحقاتها يمكن مشاركتها بين أسر عدة.

ومن اللافت أن بعض الأسر تناقلت الإيجار بين الأجيال المتعاقبة، فمن وجهة نظرها هذه الفرصة لا تتكرر لتأمين حق السكن في منازل منخفضة التكلفة. فيما لا تتردد بعض الأسر في السكن بمنزل سقطت بعض أجزائه وهبطت أسقفه، وبقيت جدران بعض الغرف قائمة.

المالك مدين

يتعامل مالكو المنازل الأثرية باعتبار أنها "أملاك هالكة"، لذلك لا يستعجل هؤلاء في ترميم منازل لا يستفيدون منها، ولا تحقق لهم أي مردود مادي، فهذه الأبنية لم يعد يقطنها "السكان الأصليون"، فهم تركوا بيوت أجدادهم لمصلحة النازحين من القرى المحيطة بطرابلس.

تتحدث إحدى مالكات المباني في الأحياء القديمة عن مغادرتها منطقة طلعة الرفاعية عام 1976 بسبب اندلاع الحرب الأهلية نحو طرابلس العصرية، ولم يكن بإمكانها تربية أبنائها في بيئة تعجّ بالسلاح والخوف.

وتلفت إلى أنها امتلكت خمسة بيوت في منطقة العوينات وحي قلعة طرابلس، وأجّرتها لعلّها تحقق بعض الكسب، إلا أن إيجارها بخس لا يتجاوز مجموعها المئتي دولار، وهذا الأمر يجعلها غير قادرة على ترميمها.

وتستدرك أنها متمسكة بالحفاظ على المنازل والحؤول دون سقوطها، لذلك فهي تتنازل أحياناً عن الأجر لقاطنيه شرط الحفاظ على بنيته.

وتشير الحاجة الطرابلسية إلى أنها تلقت عروضاً من السكان ببيعها مقابل أثمان زهيدة، إلا أنها تمسّكت بها، نظراً إلى قيمتها التاريخية والأثرية.

من المسؤول؟

تنتمي الأبنية التراثية في طرابلس إلى حقب تاريخية عدة، بدءاً بالصليبية وصولاً إلى الفتح الإسلامي والعهد الكولونيالي.

ووفق تقديرات المديرية العامة للآثار، فإن عدد الأبنية المتصدّعة في طرابلس تفوق 300 مبنى، وتتفاوت حالتها بين الخطر المتوسط والمتقدّم والآيل للسقوط.

ويلفت الأستاذ في كلية الهندسة الدكتور وسيم ناغي إلى أن هذه الدراسة أجرتها وزارة الثقافة منذ نحو عام ونصف العام، ويرجح أن "تكون الأخطار تزايدت بفعل مرور الزمن".

أدّى القصف العشوائي الذي طال المدينة خلال الحرب الأهلية إلى تضرر جزء كبير من الأبنية، وجعلها عُرضة للعوامل المناخية وتسرّب المياه إلى أساساتها.

خضع عددٌ محدودٌ من هذه العقارات التاريخية وتحديداً الخانات إلى الترميم والتجميل على غرار "خان العسكر". ويصف عضو بلدية طرابلس الدكتور خالد تدمري وضع المدينة القديمة بـ"الصعب"، معتبراً مشروعات الترميم "ماكياجاً خارجياً" لأبنية مهترئة من الداخل وساقطة على غرار "مشروع الإرث الثقافي، ولا ترتقي إلى رتبة الترميم الحقيقي باستثناء مشروع UNHABITATE في منطقة العوينات".

يشكك تدمري رئيس لجنة الآثار والتراث في البلدية، بالتزام المتعهدين بشروط الترميم والمعايير العلمية التي تحافظ على الطابع الأثري في العمل، وبشفافية المشروعات التي يشرف عليها مجلس الإنماء والإعمار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تواجه البلديات اتهامات متزايدة في الإهمال لعدم اتخاذ إجراءات جذرية للحفاظ على شروط السلامة العامة ومنع سقوط المباني التراثية التي يتحفظ مالكوها على الترميم.

ويوضح تدمري أنه لا يمكن للسلطة المحلية التدخل إلا في حالة الخطر المحدق، عندما لا يمتثل مالك العقار إلى الإنذارات بوجوب إزالة هذا الخطر، فتلجأ البلدية إلى الإصلاح وتسجيله ديناً في ذمة المالك، إضافةً إلى 25% غرامة.

يبرر تدمري عدم التدخل إلا في حالات قليلة بأن بلدية طرابلس "لا تمتلك جهازاً متخصصاً للترميم"، لذلك فهي تكتفي بتوجيه الإنذارات لرفع المسؤولية عن نفسها.

ويطالب بإعادة النظر في استراتيجية الترميم، فهي في الوقت الحالي تسعى إلى ترميم الواجهات لجذب أنظار السياح، فيما يتم إخفاء الواقع المرير الذي يعيشه السكان.

ورثة وأبراج وحرب

تقف كثرة الورثة وتنازعهم في الملكية عائقاً أمام ترميم الأبنية التراثية، وربما في مقدمة الأخطار التي تتهدد تاريخ "المتحف الطرابلسي الحي".

ويشير تدمري إلى أن الورثة "يفضّلون تقاسم التركة على الحفاظ على إرث بيوت أجدادهم، لكن عندما يجدون التكلفة العالية للقسمة ووجوب دفع الرسوم يتراجعون عنها، ويفضّلون تركها للمستأجر الفقير أو حتى سقوطها على الدفع من جيبهم".

ولا يمكن إنكار الخطر الواقع على الأبنية الأثرية من جانب تجّار العقارات، ففي كثير من الأحيان تُهمل الأبنية بعد الاستحواذ عليها بهدف الحصول على إذن هدم، ومن ثم رخصة بناء "أبراج سكنية رابحة"، ويذكر تدمري بتجربة "قصر العجم".

في انتظار مبادرة الدولة لحماية تاريخ طرابلس، وترميم الأبنية التراثية يتواصل سقوط أجزاء من حمام النوري، وأوقاف الجامع الكبير، والمدارس المملوكية، وتزداد مخاوف أهالي طرابلس القديمة مع كل عاصفة أو منخفض جوي.