معركة المشاركة والمقاطعة تتواصل عشية "رئاسيات الجزائر"

الطبقة السياسية "المتورطة" مع النظام السابق اتخذت الظل مكاناً بدل المشاركة

انتقل الانشقاق حول الانتخابات الرئاسية من الحراك إلى الطبقة السياسية والنخبة، بعد أن خرجت بيانات الدعوة للمشاركة والمقاطعة والتهدئة إلى العلن، محدثة شرخاً لم تشهده الجزائر منذ 1992 مع أول انتخابات تعددية، ما جعل موعد الـ12 من ديسمبر (كانون الأول) يحبس الأنفاس.

دعوات إلى التهدئة "المحشوة"

بعد 24 ساعة عن دعوة أحزاب وشخصيات أغلبها من قوى "البديل الديموقراطي" إلى مقاطعة الانتخابات، طالب زعماء تاريخيون وسياسيون وحقوقيون وأساتذة جامعيون بالتهدئة بين مختلف الأطراف، وقالوا إنه على "المؤمنين بثورة الحراك الشعبي عدم التعرض لحقوق الآخرين في التعبير عن آرائهم رغم الاختلاف في الاجتهادات، وما بني عليها من مواقف سياسية، وتجنب أي احتكاك أو الرد على الاستفزازات من أي جهة كانت".

كما دعوا "السلطة القائمة إلى الابتعاد عن الخطابات الاستفزازية ولغة التهديد وتخوين كل من يخالفها الرأي في كيفية الخروج من الأزمة".

وتجنّبت الشخصيات، التي بلغ عددها 19، يتقدمهم وزير الخارجية الأسبق أحمد طالب الإبراهيمي، ورئيس الوزراء الأسبق أحمد بن بيتور، والحقوقي علي يحيى عبد النور، ووزير الإعلام الأسبق عبد العزيز رحابي، الدعوة إلى المشاركة.

كما "رفضت" تشجيع المقاطعة وتمسّكت بالهدوء، إذ اعتبروا موعد انتخابات الخميس "محطة سيجتازها الحراك الشعبي بنجاح بفضل وعيه وسلوكه الحضاري حتى يحافظ على سلميته بعد هذا التاريخ".

وأضافوا أن قطاعات واسعة من الشعب الجزائري "ترفض الانتخابات في هذه الظروف المتوترة"، وهذا ما تؤكده المسيرات الحاشدة كل يومي جمعة وثلاثاء من الأسبوع، وهي تبعث برسائل رفض متلاحقة لاحتكار السلطة والاستبداد المطبق على حياتنا السياسية.

وانتقد الموقعون، على البيان، غلق منافذ التعبير الحر والحريات وسجن واعتقال نشطاء سياسيين ومتظاهرين مسالمين وقلب الحقائق والمسلمات، مشيرة إلى أن رؤيتها للحل السياسي التي رفضتها السلطة لا تمر إلا عبر إجراءات تهدئة تمهد السبيل لفتح حوار وطني جاد وشامل، يتوج بتوافق يطوي عهد التعيينات المقنعة، مجددين دعمهم المطلق للحراك الشعبي السلمي إلى غاية تحقيق جميع أهدافه المشروعة.

طبقة سياسية "متورطة" فاتها القطار

يعتقد المحلل السياسي كمال عز الدين مولدي، في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن الطبقة السياسية والنخبة تعيش "حالة ارتباك" بعد أن وجدوا أنفسهم خارج اللعبة، عكس ما كان عليه الحال خلال حكم الرئيس "المقال" عبد العزيز بوتفليقة.

وتابع، "الطبقة السياسية (المتورطة) مع النظام السابق اتخذت الهامش سبيلاً، وتحت الظل مكاناً بدل المشاركة في صنع المشهد، وذلك ليس صدفة بالنظر إلى مشاركات عديد من الشخصيات في مختلف الاستحقاقات (المزورة) المنظمة في فترة حكم الرئيس السابق، سواء التي تطالب بمقاطعة انتخابات 12 ديسمبر (كانون الأول)، أو تلك التي تحاول لعب دور الشرطي وتهدئة الأوضاع، وهي تشد العصا من الوسط".

وقال، "الطبقة السياسية تغرد خارج السرب عشية الانتخابات، وبعد أن فاتها القطار وتأكدت من خسارتها مواقعها السابقة".

مشاحنات أمام مكاتب التصويت بالخارج

عرف كثير من مكاتب الاقتراع بالخارج مشاحنات، بلغت حد الاعتداءات اللفظية والجسدية، بين الرافضين الانتخابات الذين اتخذوا مداخل ومخارج مكاتب التصويت للاعتداء على الناخبين.

وانتشرت الأخبار والمشاهد والفيديوهات عبر مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم، ما خلق الرعب والاستياء والتوتر لدى الشارع الجزائري، وثَّقتها التعليقات التي جاءت صادمة بسبب الكلمات العنصرية والانتقامية والمتعصبة المستخدمة بين أبناء الشعب الواحد في مشهد لم تألفه الجزائر.

"البديل الديموقراطي" يعود في الوقت بدل الضائع

وأصدرت، أول من أمس، شخصيات سياسية وحقوقية وأحزاب وجمعيات من "البديل الديموقراطي" الذي كان يدعو إلى المرحلة الانتقالية والمجلس التأسيسي، وأغلبهم كانوا يشاركون خلال حكم بوتفليقة سواء في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، رغم علمهم بأنها مزورة، بياناً يدعو إلى مقاطعة الانتخابات التي وصفوها بـ"المهزلة".

وقالوا "ندعو رسمياً الجزائريات والجزائريين في الداخل والمهجر إلى رفض وبأي وسيلة سلمية، المهزلة الانتخابية في الـ12 من ديسمبر (كانون الأول)، التي هدفها الحفاظ على النظام الاستبدادي والفساد"، مطالبين برفع العقبات أمام الحريات الفردية والجماعية والإفراج عن السجناء السياسيين ومعتقلي الرأي.

ومن بين الموقعين على البيان، حزب جبهة القوى الاشتراكية، وحزب العمال الذي تقضي زعيمته لويزة حنون عقوبة السجن 15 عاماً في السجن العسكري، وحزب التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية، والرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، إضافة إلى مثقفين، وفنانين، وصحافيين وجامعيين.

فئة صامتة من الإسلاميين تدعو لمشاركة قوية

في السياق ذاته، خرج جزءٌ من الفئة الصامتة من الإسلاميين المنتمين إلى الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلة، بقيادة القيادي علي جدي، للتعبير عن تأييدهم مشاركة قوية في موعد الخميس، إذ دعا في تصريحات له، كل المواطنين الجزائريين إلى "التوجه إلى صناديق الانتخابات".

وقال "على الشعب أن لا يصدق ممن يرفضون الانتخابات بحجة التزوير"، مضيفاً "المقاطعون والمتخوفون من التزوير شاركوا في كل الانتخابات منذ 30 سنة رغم علمهم بأنها مزورة"، وأكد أن "الضمانات الموجودة حالياً لم تسبق، وعلينا قراءة الأمور بواقعية".

تناقض مجموعة الـ19 أم توبة إلى حين؟

وقبل شهرين، حذَّرت مجموعة الـ19 نفسها، من فرض الانتخابات بـ"القوة"، وأوضحوا أن السلطة لم تجد من سبيل للخروج من أزمتها المزمنة، إلا محاولة المرور بالقوة نحو الانتخابات، عن طريق التضليل باسم الشرعية الدستورية في فرض قبضتها الحديدية وتأكيد وصايتها الأبدية على الشعب.

وأشاروا إلى أن المغامرة بانتخابات رئاسية وفق ما هو معلن عنه في التاريخ المحدد، دون توافق وطني مسبق يجمع كل الأطراف، هي "قفزة في المجهول" ستزيد من احتقان الشارع وتعميق أزمة شرعية الحكم، وقد تفتح الباب أمام التدخلات والإملاءات الخارجية المرفوضة في كل الحالات، وتحت أي شكل من الأشكال، وعليه لا يمكن تصوّر إجراء انتخابات حقيقية في هذه الأجواء.

المزيد من العالم العربي