الواقعية الاقتصادية... الملمح الأهم للميزانية السعودية 2020

تقدير متحفظ لأسعار النفط لضمان توازن العائدات والإنفاق

تأخذ أرقام الميزانية السعودية 2020 دلالاتها الطبيعية دون تهويل أو تضخيم لدى مقارنتها بأرقام السنوات السابقة (رويترز)

يكاد يجمع المحللون والمراقبون الذين تعرضوا لقراءة الميزانية السعودية لعام 2020 التي أعلنت الاثنين الماضي، على صفة رئيسة هي أنها تتسم بميزة "التعقل المالي والاقتصادي Prudence"، سواء في تقديراتها للعائدات، بخاصة النفطية، أو في تقليص الإنفاق الدفاعي وتقديرات العجز المستهدف.

وعلى الرغم من ضخامة الأرقام، فإن وضعها في سياقها يقلل من بعض القراءات المغالية، فالاقتصاد السعودي هو أكبر اقتصاد عربي، وبالتالي قيست الأرقام الكلية على هذا الأساس. وما عليك سوى المقارنة مع السنوات السابقة لتأخذ الأرقام دلالاتها الطبيعية دون تهويل أو تضخيم.

إجمالي الإنفاق المستهدف في الميزانية هو 1.02 تريليون ريال (272 مليار دولار)، بما يزيد قليلا على الإنفاق المستهدف في ميزانية 2019، وكان عند 1.048 تريليون ريال. لكن بينما كان حجم العائد المستهدف العام المنصرم عند 917 مليار ريال، تستهدف ميزانية 2020 عائدات عند 833 مليار ريال.

هذا التقدير المتحفظ للعائدات في ميزانية العام المقبل يأخذ في الاعتبار التحديات الاقتصادية التي تواجه العالم ككل، وأيضا التحسب لاحتمالات صعوبات اقتصادية في المنطقة. وهو ما يصفه المحللون بـ"الواقعية الاقتصادية".

وفي سياق سعي السعودية لتنويع الاقتصاد، وزيادة العائدات من القطاعات الأخرى غير النفطية، تحتاج لاستثمارات كبيرة لن تدرّ عائدات فورية، لهذا كرّر وزير المالية السعودي لدى إعلان الميزانية التأكيد على أن العائدات من الطرح الأوليّ لأسهم عملاق الطاقة السعودي، "أرامكو"، ستذهب لاستثمارات في اقتصاد البلاد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ونتيجة التحفظ في تقدير العائدات المستهدفة والحفاظ على مستوى الإنفاق، بخاصة على ما تسمى البنود العامة (وتشمل الدعم والضمان الاجتماعي ومعاشات التقاعد للسعوديين) يصل العجز المستهدف في ميزانية 2020 إلى 187 مليار ريال (6.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي)، مقابل العجز في ميزانية 2019 المقدّر فعليا بنحو 131 مليار ريال (4.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي). وبكافة المعايير ليست تلك نسب عجز غير اعتيادية، بل إن الحكومات الساعية لتطوير اقتصادها غالبا ما تزيد نسب العجز في ميزانياتها في تلك الفترات عن ذلك.

ومقابل إبقاء معدلات الإنفاق على الخدمات الأساسية دون تأثر، تستهدف ميزانية 2020 خفض الإنفاق العسكري قليلا إلى 182 مليار ريال مقابل مستهدف إنفاق عسكري في ميزانية 2019 عند 198 مليار ريال. أما الملمح الأهم في ميزانية 2020 فهو تفصيل مستهدف العائدات.

يلاحظ أن مستهدف العائدات من قطاع الطاقة في ميزانية 2020 عند 513 مليار ريال، مقابل 602 مليار ريال مستهدف عائدات القطاع في ميزانية 2019. وهنا تفادى مسؤولو السياسة المالية تقدير سعر مرتفع للنفط عالميا مع الأخذ في الاعتبار احتمالات عدم توازن السوق.

وعلى الرغم من أنه لم يعلن عن سعر النفط المتوقع الذي قدرت على أساسه عائدات الميزانية، فإنه بحسبة بسيطة لمتوسط إنتاج السعودية يمكن القول إن تقديرات الميزانية جاءت على أساس نطاق سعري ما بين 55 و65 دولارا لبرميل خام برنت. وهو تقدير متحفظ، ويتسم بقدر كبير من "التعقل".

أما الجزء الآخر من تقدير العائدات، وهو العائدات من القطاعات غير النفطية، فشهد ارتفاعا في المستهدف يتسق مع توجه السعودية لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على قطاع الطاقة كمصدر رئيس للدخل، فالمستهدف لعائدات القطاعات غير النفطية لعام 2020 عند 320 مليار ريال، مقابل مستهدف بنحو 315 مليار ريال في ميزانية 2019.

ويظل الدين العام عند معدل معقول يدور حول ربع الناتج المحلي الإجمالي، إذ يصل في ميزانية 2020 إلى 754 مليار ريال (26 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي)، مقابل دين عام عند 678 مليار ريال (24 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في ميزانية 2019.

ونتيجة هذا الضبط المالي والنقدي تستهدف ميزانية 2020 نموا في الاقتصاد بنسبة 2.3 في المئة، مقابل نسبة نمو عند 0.4 في المئة فقط لعام 2019، وهي أقل من تقديرات المستهدف السابقة، وأقل من نسبة النمو الفعلي في 2018 التي بلغت 2.2 في المئة.

المزيد من رأي خبير