كوربين على حق في موقفه المحايد من بريكست

سينأى زعيم حزب العمال بنفسه عن أكبر قرار تواجهه البلاد تاركاً أمر اتخاذه للشعب

جيريمي كوربين، زعيم حزب العمال البريطاني، يتخذ موقف الحياد من انسحاب بلاده من الاتحاد الاوروبي (غيتي)

تردّد التغطيات الإعلامية للتطورات السياسية باستمرار أن الناخبين لا يريدون هذه الانتخابات وأنهم غير مبالين بشأن حملة انتخابية باهتة. لكن هذا غير صحيح أبداً.

عندما صوّت البرلمان لصالح إجراء انتخابات مبكرة، أيد ذلك 50% من الناس ذلك، فيما عارضه 23 % فقط. وفي استطلاع للرأي أجري هذا الأسبوع طرح السؤال التالي: "إلى أي مدى يهمك شخصياً من يكون الفائز بالانتخابات العامة؟"  قال 64% "إنه مهم جداً". وهذه أعلى نسبة سجلتها شركة "إيبسوس موري" لاستطلاعات الرأي منذ أن بدأت في طرح هذا السؤال عام 1987.

يرتكب بعض الصحافيين الخطأ نفسه الذي يقعون فيه دائماً، إذ يفترضون بسبب مللهم الشديد من تكرار الجدال السياسي نفسه مرة تلو الأخرى، أن الجميع يجب أن يشعروا بالملل أيضاً.

يتجلى هذا بوضوح في موضوع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. نعم، لقد ملّ الشعب بأكمله من بريكست، لكن يختلف معنى ذلك من شخص إلى آخر. يشعر الكثيرون من أنصار الخروج بالإحباط لأنه لم يتم، بعد ثلاث سنوات ونصف من تصويتهم لصالحه. أما العديد من مؤيدي البقاء فهم قلقون من أنهم قد يفشلون في منع وقوع أمر يعتبرونه كارثة وطنية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كلا الجانبان مهتم بشدة بالنتيجة. لقد طفح الكيل بالنسبة إليهما، ليس بسبب الشعور بالملل ولكن جرّاء الخشية على مستقبل البلاد.

على كل حال، يتجاوز الأمر موضوع بريكست. فأعصاب أنصار جيريمي كوربين مشدودة لأنهم يأملون ببناء المدينة الاشتراكية الفاضلة تماماً كما كانوا في الانتخابات الأخيرة. لدي حدس بأن عدد هؤلاء الأنصار أقل مما كان عليه في انتخابات عام 2017، لكن شعور الكثيرين   منهم حيال هذا الهدف  ما زال بالقوة ذاتها.

قد لا يكون الهتاف الحزبي الذي أطلقته بعض الجماهير الموجودة في استوديو تصوير برنامج تلفزيوني أفضل مؤشر، لكنني اعتقدت أنه كان من الملاحظ يوم الثلاثاء الماضي وأواخر الأسبوع الفائت  أن المحافظين بدعمهم لبوريس جونسون بصوت عال قد أبدوا حماساً يساوى في قوته حماس العمال، كما أنهم استمدوا الطاقة من الإصرار على منع كوربين من التحكّم بهم على طريقة الدولة الماركسية، كما يرون.

غالباً ما نرتكب نحن الصحافيون أخطاء تشتمل على اعتبار أن الناخبين أيضاً لا يشعرون بالحماس. مشكلتنا هي أننا نكتب عن الجدال بشأن هذه الانتخابات منذ أشهر، وأن النقاش الدائر حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان مكثفاً إلى درجة مرهقة منذ عام كامل.

مع ذلك، لم يبدأ معظم الأشخاص العاديين بالاهتمام بالسياسة عن كثب إلا الآن، بعدما صرنا على قاب قوسين أو أدنى من يوم الاقتراع الذي يفصلنا عنه حوالي  اسبوعين، ومن موعد وصول البطاقات الانتخابية. يعني هذا أنه لا توجد فجوة حماسة فقط بين الناخبين والصحافيين، بل هناك فجوة في الأجندة بين الطرفين أيضاً، إذ يعتبر الصحافيون أن التفاصيل الدقيقة لسياسة حزب العمال المتعلقة ببريسكت، أو خطط حزب المحافظين للإنفاق على خدمة  الصحة الوطنية، قد أضحت أخباراً فات أوانها، في الوقت الذي يريد العديد من الناخبين حالياً معرفة المزيد عنها.

هكذا تركّزت كل عناوين أخبار الحلقة الخاصة من برنامج " وقت السؤال" التي بثتها القناة الأولى التابعة ل" هيئة الإذاعة البريطانية" (بي بي سي) قبل ايام، على موقف جيريمي كوربين المحايد من إجراء استفتاء ثانٍ حول موضوع الاتحاد الأوروبي في حال نجاح حزب العمال في تشكيل الحكومة المقبلة.

كان هذا الأمر "جديداً"، من حيث إنه تحول مهم، رغم بساطته، في موقف كوربين؛ لكنه كان بالكاد أهم شيء ورد في البرنامج بالنسبة لأولئك الناخبين الذين بدأوا بالمشاهدة للمرة الأولى. من المعلوم، حتى بالنسبة للكائنات الآتية من الفضاء الخارجي، أن حزب العمال يَعِد بإجراء استفتاء آخر حول عضوية الاتحاد الأوروبي، وأن كوربين يرفض الآن القول ما إذا كان سيصوّت في ذلك الاستفتاء  لصالح الخروج أو البقاء.

الجزئية الجديدة التي ذكرها كوربين هو أنه سيحافظ على هذا الحياد حتى يوم الاستفتاء. في السابق، كان الموقف المعلن هو  أن حزب العمال سيقرر سياسته بشأن بريكست في مؤتمر خاص بعد ثلاثة أشهر من تشكيل الحكومة، قبل الاستفتاء الذي سيُجرى في غضون ستة أشهر.

يبدو أن كوربين ومستشاريه أدركوا أن ثمة مشكلة  في هذا الموقف، وهو أن أعضاء حزب العمال يؤيدون البقاء في الاتحاد الأوروبي بأغلبية ساحقة، وبالتالي فإن المؤتمر الخاص سيكون ملزَماً بتقرير أن على الحزب القيام بحملة من أجل البقاء في الاتحاد الأوروبي. لم يكن من المنطقي أن يقول كوربين، خلال الحملة الانتخابية "سأجيب على سؤالك في غضون ثلاثة أشهر".

أعاد ذلك إلى الأذهان ذكريات مزعجة عن الزعيم الأسبق لحزب العمال نيل كينوك، حين قال عشية انتخابات عام 1992  لجمهور برنامج تلفزيوني أن لديه وجهة نظر في الإصلاح الانتخابي ولكنه لن يُفصح عنها. لذلك من المنطقي أن يقول كوربين إنه سيكون محايداً طوال الوقت، وأنه سينأى بنفسه عن أكبر قرار تواجهه البلاد، تاركاً أمر اتخاذه للشعب. قد لا تتفقون مع موقفه، لكن لا يمكنكم القول إنه غير واضح أو غير صريح مع الناخبين.

يأمل كوربين أن يسمح له هذا بالمضي قدماً خلال الأسبوعين المقبلين. فالسياسة المتعلقة ببريكست محددة. بإمكان أنصار البقاء التصويت لصالح حزب العمال للحصول على الاستفتاء، أما مؤيدو الخروج المعتدلون فبإمكانهم أيضاً التصويت لحزب العمال لعلمهم أن الملف لم يُغلق ضدهم. يتيح الحياد لكوربين الإجابة على السؤال ومن ثم التحدث عن سياسات حزب العمال غير المتعلقة بخروج البلاد من الاتحاد الأوروبي.

لكن هناك مشاكل قليلة في هذه السياسات، منها ما وصل كما يبدو بسرعة إلى الجمهور مثل خدمة الإنترنت السريع المجانية وتقليص عدد أيام الدوام إلى أربعة أيام في الأسبوع. لا يتمتع أي منهما بشعبية كبيرة، ولكنهما ليستا  خاليتين من بعض الإمكانات. ربما ما يجب على حزب العمال فعله هو التركيز على خدمة الصحة الوطنية والمدارس وتأميم الخدمات الأساسية.

هذه هي الأمور التي تهمّ الناس بشدة، ويهمهم ما إذا كنا في الاتحاد الأوروبي أو خارجه، أكثر مما تهمهم  التفاصيل الدقيقة لسياسة "كوربين المحايدة" الخاصة بحزب العمال. إن الحديث عن أن اللامبالاة وعدم الاكتراث سائدان في أوساط الشعب، لمجرد أن بعض الصحافيين يجدون الحملة باهتة قليلاً، هو أمر يضر بديمقراطيتنا.

© The Independent

المزيد من آراء