Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اقتصاد العراق... مزيد من التأزم على وقع الاحتجاجات وخسائر النفط

عدم تطوير القطاعات غير النفطية يفاقم الوضع الاقتصادي... والبطالة بلغت 11%

 النفط يشكل 60% من الناتج المحلي الإجمالي للعراق ويمثل نحو 90% من إيراداته الحكومية (أ.ف.ب.)

في الوقت الذي يمر فيه الاقتصاد العالمي بالعديد من الأزمات، وبخاصة ما يتعلق بالحروب التجارية وتأثيرها على معدلات النمو التي تتجه إلى التباطؤ،واستمرار التوترات الجيوسياسية، أضافت الاحتجاجات التي يشهدها العراق أخيراً مزيداً من الأزمات إلى اقتصاد البلاد المثقل بالأزمات الصعبة ، وذلك مع مرور الاقتصاد العراقي بحالة من الضعف غير المسبوق راهناً، حيث يواجه عوامل عدة مثبطة لأدائه، تشمل أسباب ضعف وهشاشة داخلية، وأسباباً أخرى خارجية. وما إن تراجعت حالة عدم الاستقرار الأمني، التي نتجت عن سيطرة تنظيم "داعش" على مساحة كبيرة من الأراضي العراقية في عام 2014، حتى اندلعت تظاهرات واسعة، أدخلت البلاد في موجة جديدة من عدم الاستقرار الأمني، الممزوج باضطراب شديد في الأوضاع السياسية، لتضيف مثبطات جديدة إلى أداء الاقتصاد على المستوى الداخلي.

وفي ظل هذه الأجواء، تسعى الحكومة العراقية إلى إخراج الاقتصاد من حالة الضعف والتهاوي التي يعيشها، عبر تبني مبادرات وسياسات تساعد على ذلك، وفي ظل هذه المعطيات تتزايد التساؤلات بشأن جدوى تلك السياسات والمبادرات، وما يمكن أن تصل إليه في المحصلة النهائية مستقبلاً.

الحكومة تفشل في تطوير القطاعات غير النفطية

وتشير البيانات والأرقام الرسمية إلى أن العراق يعد أحد أكبر منتجي النفط في العالم، حيث يفوق إنتاجه مستوى 4 ملايين برميل يومياً حالياً، وبسبب الظروف السياسية والأمنية وكذلك العسكرية، التي مرت بها البلاد على مدار عقود، فإن البلد الغني بالنفط لم يستطع تطوير قطاعاته غير النفطية، فظل النفط المصدر الرئيس للدخل بالنسبة إليه.

وتشير بيانات البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة إلى أن النفط يشكل 60% من الناتج المحلي الإجمالي للعراق، ويمثل نحو 90% من إيراداته الحكومية، كما أنه يسهم بنحو 99% من الصادرات الإجمالية للبلاد.

وأشارت دراسة بحثية أعدها "مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة"، إلى أنه نتيجة الاعتماد الكبير على النفط، واجه الاقتصاد صعوبات جمة منذ عام 2014، وبالتحديد منذ منتصف ذلك العام، عندما دخلت أسواق النفط العالمية مرحلة طويلة من الهبوط والتراجع لم تستفق منها حتى الآن، حتى أن المستويات الحالية للأسعار، وبعد مرور أكثر من خمس سنوات منذ بداية التراجع، لم تتجاوز نحو 50% من مستوياتها في النصف الأول من عام 2014.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من أن الاقتصاد العراقي اشترك في مواجهة تحدي تراجع أسعار النفط مع الاقتصادات المنتجة الرئيسة للنفط حول العالم، زادت حالة عدم الاستقرار الأمني التي يعيشها العراق منذ عقود من وطأة تراجع أسعار النفط عليه، لا سيما أن هذه الحالة ازدادت بداية من عام 2014 أيضاً، لدى سيطرة تنظيم "داعش" على نسبة تزيد على 40% من الأراضي العراقية، بما تحويه من مقدرات وموارد اقتصادية، لا سيما آبار النفط.

وأعاقت حالة انعدام الاستقرار التي يعيشها العراق، بسبب وجود "داعش" على أراضيه، خطط الاستثمار في البلاد، وكان من أهم الخطط التي تضررت بسبب ذلك، خطة رفع الطاقة الإنتاجية للنفط إلى 9 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2020، والتي كانت ستؤدي، حال الوفاء بها، إلى مضاعفة الإنتاج الحالي.

انتكاسة شديدة للاقتصاد منذ 2013

الدراسة أشارت إلى أنه نتيجة تلك الأجواء غير المواتية، شهد الأداء الاقتصادي العراقي انتكاسة شديدة، فبينما بلغ معدل نموه 7.6% عام 2013، تحول هذا النمو إلى انكماشٍ صافٍ بحلول عام 2017، وبنحو 2.5%، كما تحولت الموازنة العامة من الفائض بنحو 4.5% في عام 2013، إلى عجزٍ صافٍ في السنوات التالية، وظل هذا العجز يرتفع إلى أن بلغ 13% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2016، ورغم تحسنه نسبياً في السنوات التالية، تظل التوقعات تشير إلى بلوغ ذلك العجز نحو 1.3% من الناتج بنهاية عام 2019.

وبالتوازي، ارتفع الدين الحكومي من نحو 31% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2013، إلى 59% عام 2017، ويُتوقع أن يظل أعلى من 50% خلال السنوات المقبلة، كما تحوَّل الميزان التجاري للعراق من الفائض بنحو 10.9% من الناتج عام 2011 إلى عجز تجاري بلغ 14.5% عام 2016، ويُتوقع أن يبلغ نحو 7.8% بنهاية عام 2019.

البطالة تواصل الارتفاع إلى 11%

وتفاقمت المشكلات الاقتصادية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين في العراق، وعلى رأسها البطالة، وبينما تشير البيانات الرسمية إلى بلوغها 11%، تكشف تقديرات غير رسمية ارتفاعها إلى ما يزيد على 20%، لا سيما بين الشباب، وتسببت هذه المعطيات في اندلاع موجة احتجاجات شعبية واسعة خلال الفترة الأخيرة.

وسعياً منها إلى تجنب المزيد من التأزم والدخول في أزمات اقتصادية جديدة، تحاول الحكومة إحداث بعض التحسينات في الأداء الاقتصادي، وهناك تقارير تتحدث عن أنها بصدد تنفيذ نحو 600 مشروع استثماري، لاستيعاب نحو مليون شاب من الباحثين عن عمل بحلول عام 2020، لكن الحكومة ترهن هذا الأمر بتوفر الأجواء المناسبة من الاستقرار وضبط الحدود والقوانين المنظمة للأعمال على المستوى الوطني.

واستمراراً لحالة التأزم التي تعيشها البلاد، كشف أعضاء في مجلس النواب عن قيمة الموازنة العامة العراقية لعام 2020 بقيمة 133 مليار دولار، لكنهم ذكروا أن هذه الموازنة تواجه بدورها معضلة عدم توفر الإيرادات، جراء استمرار ضعف أسعار النفط العالمية، وعدم توفر الموارد المحلية الكافية لتعويض ذلك التراجع.

عجز ضخم في الموازنة الجديدة

ونتيجة إلى ذلك يتضمن مشروع الموازنة عجزاً يبلغ نحو 4.2 مليار دولار، كما ذكر أعضاء البرلمان العراقي أن الموازنة تعتمد على الاقتراض من النظام المصرفي المحلي بشكل واضح، في وقت أجمعوا فيه على أن "هناك صعوبة كبيرة في الحصول على القروض، سواء الداخلية أو الخارجية، الأمر الذي من شأنه إضعاف القدرة على الإبقاء على النفقات التشغيلية على حالها".

ورجحت الدراسة أن تستمر مظاهر الأزمة الاقتصادية في العراق خلال الفترة المقبلة، لا سيما في ظل اعتماد الاقتصاد على النفط، حيث إن إحداث التحول الهيكلي المطلوب لتعزيز مظاهر التوازن في أي اقتصاد يحتاج إلى عقود طويلة.

كما أن حالة عدم الاستقرار التي تعيشها البلاد حالياً، والمتوقع أن تمتد إلى فترة غير قصيرة في المستقبل، ستترك العراق مرهوناً بالقطاع النفطي، لا سيما أن الحكومة لن يكون بمقدورها تنفيذ الخطط الاقتصادية اللازمة، والتي تقوم على التنويع واستدامة النمو ومواجهة العيوب الهيكلية في الاقتصاد الكلي.

وفي مثل هذه الظروف فإن الحكومة العراقية سوف تركن إلى الاعتماد على ما تحتكم عليه من موارد نفطية تصل إلى 147 مليار برميل كاحتياطيات نفطية مؤكدة، والتي يحتل بها العراق المرتبة الرابعة عالمياً في حجم الاحتياطيات، بعد فنزويلا والسعودية وإيران.