للمرة الأولى... استطلاعات تسجل تراجعا لأردوغان أمام منافسه أكرم إمام أوغلو

"أصبح يتمتع بسمعة سيئة بسبب تبنيه مواقف وخطابات تسودها الكراهية والعنف"

مؤتمر صحافي للرئيس التركي رجب طيب في بودابست (رويترز)

من المعلوم أن الهدف من استطلاعات الرأي التعرفُ على توجهات الناس بشأن القضايا التي تهمهم، سواء كانت اجتماعيه أو سياسية أو غير ذلك.

ومِن أكثر من يلجأ إلى ذلك السياسيون، الذين يريدون معرفة توجهات قواعدهم الشعبية.

صحيح أن الاستطلاعات لا تكفي وحدها لتحديد توجهات المجتمع، ولكنها تظل الوسيلة الأمثل في الوصول إلى استنتاجات لا يستهان بها.

وبطبيعة الحال، فإن موثوقية شركة الاستطلاع هي أهم العوامل في هذا المجال، وللتعرف على ذلك يمكننا الرجوع إلى أحدث الدراسات والاستطلاعات التي قامت بها تلك الشركة.

مستقبل المسيرة السياسية

وسأتطرق في مقدمة هذا المقال إلى دراستين ميدانيتين من هذا النوع حول مستقبل المسيرة السياسية في تركيا، قامت بهما مؤسستان دوليتان هامتان، إحداهما من داخل تركيا، والأخرى من خارجها.

فالأولى هي شركة بِيار (Piar) التي لفتت إليها الأنظار في الاستطلاعات التي قامت بها، واستبياناتِها القريبة جداً من النتائج الواقعية.

وقد قامت هذه الشركة في نوفمبر (تشرين الثاني) باستبيان تحت عنوان "الأجندة السياسية العامة لتركيا"، وقد أجري هذا الاستطلاع، وجهاً لوجه، في 26 محافظة يُعتقَد أنها تمثل الطبيعة العامة للمواطن التركي. وكان السؤال المطروح هو "لو فرضنا أن الانتخابات العامة جارية اليوم، فلأي حزب سياسي ستصوِّت؟"

وقد أجاب 31.9 في المئة فقط أنهم سيصوتون لحزب "العدالة والتنمية"، وترتفع هذه النسبة، بعد توزيع الأصوات المترددة، إلى حوالى 35 في المئة. وأنا بدوري لا أستبعد هذه النتيجة نظراً للظروف السياسية الحالية في تركيا.

أوغلو يتقدم

ومن المثير للاهتمام أن استطلاعات الرأي كافة التي قامت بها هذه الشركة نفسُها في الانتخابات العامة السابقة، كانت تضع حزب "العدالة والتنمية" في نسبة 42 في المئة وما فوق.

وكان من بين الأسئلة "لأي مرشح ستصوِّت إذا كان التنافس بين مرشحَين اثنين في الجولة الأولى؟".

وأجاب 44.5 في المئة منهم بأنهم سيصوتون لأكرم إمام أوغلو عمدة إسطنبول الحالي، المنتخبُ في صفوف "حزب الشعب" الجمهوري المعارض. في حين أن نسبة الذين قالوا إنهم سيصوتون للرئيس رجب طيب أردوغان هي 39.7 في المئة.

وهذه هي أول هزيمة يُمْنَى بها أردوغان منذ حوالى 16 عاماً أمام منافِسيه في استطلاع رأي عام، فقد كان دائماً في المقام الأول حتى في استطلاعات الرأي التي أجرتها شركات الأبحاث المعارِضة.

بالإضافة إلى مؤسسة دولية ثانية وهي (Bloomberg Business Week) الأميركية، علماً أنها واحدة من وسائل الإعلام الأكثر احتراماً في العالم.

"سمعة سيئة"

وقد تبوأ أكرم إمام أوغلو مكانه في القائمة التي نشرتها المجلة باسمThe bloomberg 50)) ليكون السياسي التركي الوحيد الذي يدخل القائمة.

وكان أردوغان في سابق عهده من أكثر الشخصيات التي تدخل مثل هذه القوائم التي تَنشر أكثر الأسماء تأثيراً في الساحة الدولية، إلا أنه أصبح يتمتع بسمعة سيئة في الرأي العام العالمي، بسبب تبنيه مواقف وخطابات تَسودُها الكراهية والعنف، ما أدى إلى تغاضي مثل هذه المؤسسات الهامة عنه والتقليل من شأنه أمام منافسيه ومعارضيه.

ولكن الأمر لا يتوقف عند هذين الحدثين، إذ هناك أمر يَقُضُّ مضجع أردوغان ويحسب له ألف حساب، وهو أن أرقام البيانات الرسمية التي نشرتها محكمة النقض في العام الماضي، تشير إلى أن عدد الأشخاص الذين استقالوا بطوع إرادتهم من عضوية حزب "العدالة والتنمية"، بلغت مليونين و200 ألف شخص، وهذا هو الانهيار الذي يشغل بال أردوغان وحزب "العدالة والتنمية".

انتخابات وتزوير

لذلك، فإن الانتخابات المقبلة ستكون حاسمة ومصيرية بالنسبة إلى الحزب والرئيس رجب طيب أردوغان. ولا شك في أنه سيأخذ كل التدابير اللازمة ويخطط لها، وسيلجأ إلى كل الأساليب القانونية وغير القانونية للفوز بها.

وهاك مثال واضح كان المعمول به في تركيا، أن تكون الأوراق المستخدمة في الانتخابات مختومة. وبالفعل، أكدت اللجنة الانتخابية العليا قُبيل إعلان النتائج في الاستفتاء الذي نظّم في 16 أبريل (نيسان) 2017، أن الأوراق غير المختومة ستُعد غير صالحة، وكان هذا القرار من جملة التدابير التي تَحول دون تزوير الأصوات وسرقتها.

ولكن هذا القرار أعيد تعديله بموجب القانون رقم 298، ليأخذ الشكل الذي يريده أردوغان أي إن الأصوات غير المختومة ستكون صالحة، إضافة إلى فتح المجال أمام طباعةِ تلك الأوراق بمقدار ضِعف عدد الناخبين. وهذا يعني أنه بإمكان المزوّرين أن يقوموا بإعداد الأصوات مسبقاً ليستبدلوها يوم الانتخابات لصالح "العدالة والتنمية". وبموجب هذا التغيير الجديد أيضاً سيجري توظيف المُشرفين على صناديق الاقتراع من الموظفين في الدولة فقط، في حين أنه كان في السابق من الممكن أن يتولى هذه الوظيفةَ المواطنُ العادي الذي يتمتع بنوع من الاستقلالية مقارنةً بالموظف الحكومي.

تغييرات تطرح تساؤلات

وكان المصوتون في السابق يستطيعون أن يتعرفوا على جميع من يحق لهم التصويت في مبنى سكنهم أو حيهم، وبالتالي كانوا يعرفون أعداد المصوتين بالجملة، وهذا ما حال دون جلب مصوتين آخرين من مناطق أخرى ليدلوا بأصوات مزوَّرة.

وهنا من البديهي التساؤل:

لماذا كل هذه التغييرات التي تطرأ من خلال تشريع قوانين بشكل علني لتسهيل سرقة الأصوات؟

وبأي طريقة استطاع أردوغان أن يجذب رئيس "حزب الحركة" القومي إلى صفه، مع أنه كان في زمن قريب مِن ألدّ خصومه في الساحة السياسية؟

وأيضاً كيف استطاع أردوغان أن يؤسس تحالفاً مع دوغو برينتشك المعروف بعلاقته مع الدولة "العميقة"، وعدائه الصارخ للإسلام، وقبع في السجن لسنوات بسبب علاقته بمنظمة إرهابية مسلحة؟

فوز غير مضمون

أخيراً، ومع استيلاء أردوغان على 96 في المئة من وسائل الإعلام في البلاد، وهيمن عليها إما من خلال مصادرة بعضها أو شرائها بطرق غير مباشرة أو تهديدها، لماذا لا يلجأ إلى الانتخابات المبكرة بعد كل هذه الخطوات القانونية وغير القانونية، مع أنه يعلم جيداً أنه إذا تأخر قليلاً ربما تتاح الفرصة أمام أحزاب جديدة لتترعرع وتنظم صفوفها وتستعد لانتخابات تؤثر في أصوات حزب العدالة والتنمية؟

والجواب هو أن أردوغان المعروف بلجوئه المكثف إلى استطلاعات الرأي، يرى من خلالها أن الفوز غير مضمون لصالحه، وأنه على الرغم من تأسيسه تحالفاً مباشراً أو ضمنياً مع الأحزاب الأربعة (حزب الحركة القومي وحزب الوحدة الكبرى وحزب الوطن، وهو بادا دار Hü-Da Par الجناح السياسي لحزب الله التركي)، لا نتيجة محسومة لصالحه.

لذلك فهو يولي اهتماماً كبيراً بالانتخابات، ويسعى قدر الإمكان إلى "توتير الأوضاع" حتى يستقطب الجماهير.

ومن أجل ذلك بدأ بالتركيز على الخطابات الإسلامية والقومية. ونراه ينتهز الفرصة لقراءة القرآن في المناسبات، باعتبار أنها من أفضل الطرق لخداع الجمهور. فإذا رأيتم أردوغان يقوم بهذه الأعمال فتأكدوا من أنه يستعد للحرب أو الانتخابات.

أردوغان "ساحر ماهر"

وكان القياديان البارزان في حزبه علي باباجان وأحمد داود أوغلو قد انشقّا عنه وأعلنا بالفعل أنهما سيؤسسان حزبهما خلال هذا الشهر.

وهذا يعني أن أردوغان الذي لا يستطيع النوم براحة، سيُحرم من النوم بتاتاً. ولكن يجب ألا ننسى أن أردوغان "ساحر ماهر لا يؤمن جانبه"، ولا أستبعد أن يخترع لعبة جديدة، تمهيداً لحرق البلاد من أجل الحفاظ على موقعه، وقد يرضى حتى بتقسيم البلاد إذا اقتضى الأمر.

وإني على دراية بأن موضوع انشقاق أحمد داود أوغلو وعلي باباجان يستحق مزيداً من إلقاء الضوء في هذا السياق، ولكني سأرجئ الحديث عنه إلى مقال لاحق بسبب ضيق المقام.

المزيد من تحلیل