Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"رهاب الإسلام"... يتفشى كالوباء في حزب المحافظين البريطاني

من المؤسف أن المشاعر المعادية للمسلمين هي استراتيجية فعالة للحملات السياسية في الغرب

زعيم حزب المحافظين البريطاني بوريس جونسون في محطة يوستن للقطار وسط لندن 5 ديسمبر 2019 (أ.ف.ب) 

بدأ عام 2019 بدعوات تنادي إلى إجراء تحقيق بخصوص ظاهرة " الإسلاموفوبيا "، التي تجمع بين الكراهية والخوف المرضيين علاوة على التحامل ضد المسلمين، في أوساط حزب المحافظين البريطاني الحاكم. ومع اقترابنا من نهاية هذه السنة، ما زال  الحزب مستمرا في تجاهل الأمر.

وكل هذا يحدث على خلفية أدلة وافرة توضح استشراء هذه الظاهرة؛ بل قد يكون ممكنا اعتبارها وباءً. فالخطاب المعادي للمسلمين موجود على كل المستويات، ابتداء من أعضاء عاديين للحزب إلى نواب برلمانيين، ومن القاعدة حتى القمة وتجسده التصريحات المهينة للمسلمين التي أطلقها  رئيس الوزراء بوريس جونسون من خلال سجله الحافل بهكذا خطابات مسيئة. فبعد خروج تيريزا ماي من الحكم، بدا وكأن مرشحي الحزب لاحتلال منصب رئيس وزراء بريطانيا متفقون على ضرورة إجراء تحقيق للمشكلة، لكنهم تراجعوا واكتفوا بالموافقة على فتح تحقيق حول كل أنواع " التحامل والتمييز بما فيها معاداة السامية".

يتهرب حزب المحافظين من الدعوات المطالبة بإجراء تحقيق مستقل وجاد حول  الإسلاموفوبيا  حتى مع استمرار فضح تعليقات معادية  للمسلمين يطلقها أعضاء ومسؤولون منتخبون في الحزب.

ففي أوائل الأسبوع الماضي، كشف ملف نشره  حساب يعود لمجهول معني بالتقصي على موقع تويتر (@matesjacob) يُظهر فيه أعضاء مجالس بلدية سابقين في حزب المحافظين وهم يدعون إلى فرض "حظر على المساجد"، ويصفون المسلمين بـ "البرابرة" كما يعقدون المقارنات بين الإسلام والنازية، ويروجون لنظرية المؤامرة القائمة على فكرة وجود مناطق التي لا يُسمح لغير المسلمين بدخولها ("مناطق المسلمين فقط").

وتشتمل تعليقات أخرى على شتائم من قبيل "الصومالي الحثالة" و"الهندي الـ..."، وعلى التعبير عن  دعم سياسة دونالد ترمب التمييزية في فرض حظر على دخول المسلمين الولايات المتحدة، والمخاوف من سيطرة المسلمين وتأكيد أن الإسلام هو "غير بريطاني وغير أوروبي". كذلك، وضع أعضاء المجالس البلدية السابقون والحاليون منشورات يدافعون فيها بقوة عن وجوه تنتمي إلى أقصى اليمين مثل تومي روبنسون، وأحزاب مثل حزب "الأوروبيين الوطنيين ضد أسلمة الغرب" ( بي إي جِي آي دي أيه). ووزع آخرون مواداً كتبها صاحب نظريات المؤامرة، بول جوزيف واتسون، والمدوِّنة الأميركية باميلا جيللر المعادية للمسلمين التي منعت من دخول المملكة المتحدة عام 2013.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولم يكن هذا كل ما كُشف النقاب عنه في الأسبوع الماضي، ففي يوم الجمعة المصادف 15 نوفمبر (تشرين الثاني)، كشفت محطة "أل بي سي" الإذاعية عن دفعة جديدة من التعليقات المؤذية صاغها أعضاء سابقون وحاليون لمجالس بلدية من حزب المحافظين.  وجاء في منشور يعود إلى عام 2016  "الإسلام: تعال لقتل الكفار، ورمي المومسات بالحجارة، وللطهرانية الدينية، وابق لتناول الفلافل الفظيعة"، وكل هذه العبارات مكتوبة فوق صورة رجال آسيويين ملطخين بالدماء ويحملون بأيديهم سكاكين.

وردّ حزب المحافظين على هذه الفضائح بخطوة مألوفة تتمثل بتجميد عضوية بعض أعضاء المجالس المحلية. وهذه العملية التأديبية خالية من الشفافية. لكنها كانت ولاتزال المقاربة المألوفة التي اعتمدها الحزب حيال المشكلة، مع أنها بوضوح غير فعالة، عند الأخذ بالاعتبار، استمرار ظاهرة الإسلاموفوبيا.

وعلى نحو مماثل، جرى تجميد عضوية أكثر من 12 عضوا من هذه المجالس البلدية في شهر مارس(آذار) الماضي بعدما كشف تحقيق عن "محتوى إسلاموفوبي  أو عنصري على الانترنت- يصف بعضه السعوديين بـ ‘فلاحي الرمال‘"، علاوة على   "مشاركة آخرين بمواد تصف الآسيويين بالكلاب". غير أن عقوبة التجميد لم تستمر طويلا، إذ وجد التحقيق أن 15 من أعضاء المجالس البلدية قد أعيدوا بهدوء إلى الحزب، حتى أن أحدهم أُعيد  بعد مجرد 13 يوما على تجميده. ووصف المتقصي المجهول صاحب حساب توتير المذكور آنفاً، هذا السلوك بأنه "إعادة اعتبار عبر باب دوار"، إذ بعد أسابيع على التجميد، أُعيد عضو المجلس البلدي المعني "إلى الحزب وإلى مجموعة المجلس البلدي، بعد حضوره ‘تدريبا حول التعددية‘ليوم واحد، أو اعتذاره لزعيم مسلم محلي،  وهم أحيانا يمتنعون حتى عن ذلك. فكرة أن من الممكن استئصال الآراء العنصرية  ذات الجذور العميقة بواسطة دورة تدريبية ليوم واحد مثيرة للضحك، ولو كان ذلك صحيحا، فإنه لن تكون هناك أي إشكالات مع العنصرية في المقام الأول ".

يمكن القول إن إجراء كهذا  يُظهر عدم وجود أي إرادة على الإطلاق لمعالجة المشكلة، كما يوجه رسالة  للجمهور الأوسع  مفادها أن كراهية المسلمين مقبولة.

قالت البارونة سيدة وارسي عام 2011 إن الإسلاموفوبيا نجحت في "اختبار مائدة العشاء" وصارت مقبولة اجتماعياً، وأوضحت البارونة في عام 2019  بأن رُهاب الإسلام أصبح "نقطة التعصب العمياء" البريطانية. وظلت تدعو إلى الانتباه للمشكلة لسنوات وفي العام الماضي طالبت علنا  بإجراء تحقيق لكن حزبها وضع ملف القضية جانبا. وقبل فترة قصيرة، أعرب أحد زملائها من قيادي حزب المحافظين عن رفضه لآرائها، زاعما أن "هناك آخرين  يتبنون مقاربة أكثر اتزانا"، على الرغم من أنها عملت في مجال العلاقات العرقية لثلاثة عقود.

كذلك، دعا "المجلس الإسلامي البريطاني"، الذي يعتبر أكبر منظمة جامعة للمسلمين، حزب المحافظين الحاكم أن يتعامل مع هذه القضية بشكل جدي، إذ أصدر بيانا السنة الماضية معتبرا أنه من غير المقبول " غضّ النظر عن المخاوف المشروعة حول التعصب". وبعد ما شهد هذا الأسبوع الكشف عن مزيد من التعليقات العنصرية والمعادية للمسلمين المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، صرح هارون خان أمين عام المجلس الإسلامي البريطاني بأن "حزب المحافظين يجب أن يقبل بتحمل المسؤولية، ويفتح تحقيقاً مستقلاً حول ظاهرة الإسلاموفوبيا في أوساطه، والسعي بشكل حقيقي لمعالجة العنصرية المعادية للمسلمين في صفوفه".

هناك أسباب عدة وراء فشل حزب المحافظين في أخذ هذه القضية مأخذ الجد، قد يكمن أحدها في رغبة الحزب بعدم جعل قاعدته تنفر منه، ولاسيما أن هناك نسبة عالية من أعضائه تحمل آراء معادية للمسلمين. ومن المؤسف أن الإسلاموفوبيا استراتيجية فعالة في الحملة الانتخابية، فشيطنة المسلمين والنظر إليهم كجنس آخر هو موضوع متكرر تطرحه كل الحملات السياسية التي تجري اليوم في الغرب. وفي هذا السياق، أشار مايتس جاكوب إلى أن "حجم المشكلة"، الذي سيتضح أمام أي تحقيق مستقل فعلاً، هو كبير للغاية ما يعني أن من الأفضل ان تكون هناك تغطية إعلامية سيئة بسبب التملص من معالجة القضية، بدلاً من تغطية أسوأ ستنجم عن ظهور الحقيقة".

بالنسبة إلى حزب المحافظين، يبدو أن الترويج لصور نمطية، باستخدام افتراءات عرقية، ودعم نظريات المؤامرة التي يرددها أشخاص من أقصى اليمين، والتي تستهدف المسلمين، هو تصرف مقبول. فهذا هو الحزب الذي لم يجد أي غضاضة في مقارنة  جونسون، حين كان وزيراً للخارجية، المسلمات اللواتي يرتدين البرقع بـ "صناديق البريد"، وبـ "لصوص البنوك". وقد وصفت لجنة مستقلة تعليقاته تلك بأنها "محترمة ومتسامحة". بينما وجدت مجموعة مرصد "تيل ماما" أن الحوادث الناجمة عن كراهية المسلمين ارتفعت بنسبة 375% في الأسبوع الذي تلا تصريحات جونسون، وكانت تلك أكبر قفزة في مظاهر التعبير عن كراهية المسلمين خلال عام 2018.

يمكننا أن نتوقع ملفات أكثر عن الإسلاموفوبيا، وردا عليها، سنستمر في رؤية إجراءات تجميد عشوائية وتعليقات عامة حول "العنصرية سيئة". إلا أنه، ما لم تكن هناك إرادة جادة لمعاينة الإسلاموفوبيا المعشعشة على جميع المستويات داخل حزب المحافظين، كما رأيتها، فإن تقاعس قياديي الحزب عن معالجة الإسلاموفوبيا يعني إقرارها.

وبالنسبة إلى البريطانيين المسلمين، تدل إجراءات حزب المحافظين الواهية، ببساطة، أنه غير عابئ بهم أو لا يقيم وزناً لهم كمواطنين. هكذا يدلّل المحافظون على أنهم يدعمون التعصب المعادي للمسلمين ويتغاضون عنه، وهذا ما يعطي الضوء الأخضر لمزيد من التحرش والتمييز ضد البريطانيين  المسلمين في شوارعنا ومؤسساتنا.

( مباشرة تزمال باحثة أكاديمية في موضوع الإسلاموفوبيا) 

© The Independent

المزيد من آراء