شوارع دمشق حزينة على رحيل "بائع المعرفة"

قضى حياته يبيع الكتب المستعلمة ليترك بعدها الأوراق والأغلفة لجيل خطفته الألواح الضوئية

السوريون يفتقدون العم "أبو طلال" بائع "كتب الرصيف" (مواقع التواصل الاجتماعي)

باهتة ألوان الحياة تحت جسر الرئيس في قلب دمشق اليوم، على الرغم من الضجيج والازدحام ليل نهار، إلاّ أنّ المكان هنا يفتقد بائع بسطة الكتب "أبو طلال" الذي قضى عقوداً ناثراً المعرفة عبر بيعه الكتب المستعملة على الأرصفة، حتى بات معروفاً لدى المثقفين والطلاب وهواة القراءة.

لم يفتأ الشارع السوري يُعبّر عن عظيم حزنه على رحيل رجل هادئ بشخصية مميزة وقارئة ومحبّبة لهم، حزنٌ بدا صادقاً ونابعاً من قلوب رواد بسطة الكتب المستعملة، واظبوا على زيارة مكتبة الرصيف، باحثين عن كتب قيمّة وبسعر يناسب جيوبهم ودخلهم المحدود، ولم يكن "أبو طلال" يوماً يبخل عليهم بالنصيحة بأجود الكتب وأفضلها.

الرصيف يتكلم

في المقابل، ضجت وسائل التواصل الاجتماعي وازدحمت بصور وكلام عن خصائل أكرم كلثوم، اسم "أبو طلال" الحقيقي، البالغ من العمر 62 عاماً. المقربون منه يقولون إنه من مدينة السلمية في ريف حماة، الواقعة في وسط البلاد، ويصفونه بـ"بائع المعرفة".

ومن يعرفه، يؤكد أنه "مهما بلغ حزن السوريين عليه، لن يكون بمقدار حزن ذاك الرصيف وزاوية الجسر، بعد أن تمددت لسنوات على كتفيه شتى الكتب من روايات وقصص وعلوم.

رصيف يبكي بحرقة على فراق رجل لم يتقاعس يوماً، منكباً على صفحات الكتب يقرأها بشغف، مؤنساً إياه.

صخب الحياة

وحده هذا المكان من سيفتقد إلى من يؤنس وحشته على الرغم من صخب الحياة وأصوات الناس وأبواق السيارات، ولا شك أن الأيام المقبلة ستكون قاسية على هذا الرصيف.

"من يا تُرى سيحلّ مكان "أبو طلال"؟ هل سيحل مكانه بائع كتب جديد؟ أم ستتحول بسطته إلى بسطة للسلع الاستهلاكية أو بسطة جديدة لأجهزة الهواتف النقالة"، سؤال يردده بأسف أحد رواد مكتبة "أبو طلال".

"نفتقد العم أبو طلال. هو من كان ينصحنا بالكتب ويقدم لنا شرحاً عنها، أصابتني الدهشة حين علمت أنه قرأ معظم كتب بسطته ويعرف محتواها، وهذا ما يدل على امتلاكه ذاكرة جيدة وصبراً على القراءة، وأكثر من ذلك، هو يمتلك شغف المعرفة"، يقول الطالب الجامعي نورس.

مسرح الحياة

أُسدل على مكتبة الرصيف غطاء أبيض، وكأنه إيذان بانتهاء عرض مسرحي لحياة عقود من الزمن على ذلك الرصيف. رحل "حارس المعرفة" على قارعة الرصيف تحت الجسر، وألف سؤال وسؤال عن "حياة هذا الرجل المتشبع بالمعرفة والثقافة على الرغم من أنه حاصل على شهادة ابتدائية"، على حد قول أحد أصحاب البسطات بالقرب منه.

أمضى "أبو طلال" أيام عمره يشتري الكتب المستعملة وينتقي العناوين بعناية كبيرة، في مسعى لجذب "القارئ المميز"، فهو انتقائي حتى مع "زبائنه"، مع أولئك الذين يشترون الكتب ويعودون إليه مجدداً لشراء المزيد.

لم تكن أسعار كتبه باهظة، بل كان ثمنها مقبولاً للجميع، وفي يوم من الأيام قال لمقتني صفحاته الصفراء التي أكل عليها الزمن "أرباح بيع الكتب زهيدة للغاية وتكاد لا تُذكر مقابل كل كتاب أبيعه، انصرفت الناس عن القراءة".

فقيد مكتبة الرصي

يثبّت نظارته بعد جلوسه على كرسيه الصغير وكتبه مبعثرة من حوله، ملتقطاً كتاباً يصرّ على إنهائه وعلى الاستمتاع بكل كلمة يقرأها، هكذا عَهده الناس، بائعاً يمتلك شخصية هادئة ومحببة تساعد الجميع.

وأمام كل ما يُقال عن هذا الرجل وكمّ المشاعر التي تنتابهم، يبقى السؤال الأكبر، كم من الأشخاص ممن يعيشون مثل "أبو طلال" لا نتذكرهم إلاّ بعد رحيلهم؟ أمرٌ يدعو إلى الاستغراب عن حياة تسرقنا من التوقف أمام شخصيات ووجوه على قارعة الطرقات، يستحقون منا كل التقدير والاهتمام.

"أبو طلال" فقيد مكتبة الرصيف وفقيد المعرفة، ليست صدفة أن يرحل في 3 ديسمبر (كانون الأول)، في اليوم ذاته الذي فقد القراء أبرز المترجمين العرب صالح علماني الفلسطيني السوري، تاركين الأوراق والأغلفة لجيل أفقدته الألواح الضوئية بريق الكتاب، إلاّ لمن يهوى قلبه ملمس الورق ورائحته وحبره.

المزيد من كتب