Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السودان يتجه إلى إنشاء بورصة للذهب لإنهاء الاحتكار والتهريب

انفلات المنافذ البرية وضعف مستوى الأمن في المطار فاقمت الظاهرة

منجم ذهب (بي أكس هير)

تتجه الحكومة الانتقالية السودانية إلى إنشاء بورصة لتحديد أسعار الذهب وفق الأسعار العالمية، ما سيحفز المنتجين على بيع الذهب للحكومة وتفادي مخاطر التهريب، فضلاً عن إنهاء احتكار بنك السودان المركزي لشرائه من الشركات والأفراد العاملين في مجال التنقيب عن الذهب الذي يُعد المورد الرئيس للعملة الصعبة داخل البلاد، منذ انفصال جنوب السودان عام 2011، مستحوذاً على 75 في المئة من حقول النفط.
وتوقع خبراء في مجال التعدين في حديث لـ "اندبندنت عربية" أن تسهم البورصة في توفير الأسعار المجزية التي تحقق مصلحة المنتجين والحكومة معاً، إلى جانب إنعاش سوق الذهب في البلاد، البالغ حجمه حوالى 94 طناً مترياً بنهاية عام 2018، مقارنةً بـ73 طناً قبل 3 سنوات أي بزيادة بلغت 27 في المئة، لافتين إلى تسارع نمو التعدين في السودان بنتيجة التقدم الكبير في هذا المجال الذي تعمل فيه 460 شركة ويستوعب قرابة مليونَي شخص، جلهم من الشباب.

 

تحفيز المنتجين
 

وأشار المحلل الاقتصادي محمد الناير إلى أن "الحل الأمثل لمكافحة التهريب يتمثل في إنشاء بورصة للذهب"، موضحاً أن "البورصة ستتعامل بالسعر العالمي، الأمر الذي سيحفز المنتجين على بيع الذهب للحكومة وتفادي مخاطر التهريب الذي يلحق خسارة مزدوجة، الأولى تتمثل في التفريط بالموارد، أما الثانية، ففي فقدان العملة الأجنبية". وأضاف أن وزارة المعادن ظلت تشكو من تهريب 90 طناً تقريباً من الذهب سنوياً، في حين أن العائد الذي يصل إلى خزينة الدولة يُقدَر بـ 26 طناً تقريباً، مرجعاً تنامي تهريب الذهب في السودان إلى غياب الأسعار التشجيعية وفرق السعر الكبير بين السعر الرسمي وسعر السوق.
في السياق ذاته، أكد الخبير الاقتصادي ميرغني ابنعوف فقدان الحكومة السودانية كميات كبيرة من إنتاج الذهب بسبب اتجاه المعدّنين إلى تهريبه من مواقع الإنتاج رأساً إلى أسواق خارجية، نظراً إلى فرض السلطات رسوم وضرائب عدّة عليه، فضلاً عن تدني سعر الشراء المحدد من قبل المصرف المركزي الذي يقلّ كثيراً عن السعر العالمي، ما دفع منتجين كثر إلى البحث عن مشترين يدفعون أكثر. وشدّد على أهمية وضع سياسات تشجيعية للإنتاج والشراء بأسعار مجزية، وكذلك ضرورة توجيه موجودات ومدخولات الذهب نحو دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز قيمة العملة المحلية.
وعزا ابنعوف اتساع رقعة تهريب الذهب إلى ما يتمتع به السودان من حدود برية مفتوحة مع دول عدّة غير الحدود البحرية، حيث تمارس شبكات التهريب نشاطاً واسعاً لتهريب مختلف السلع إلى دول الجوار ومن أهمها الذهب، نظراً إلى ارتفاع أسعاره في الخارج مقارنةً بداخل البلاد، ما صعّب مهمة مكافحة التهريب بالطرق الأمنية والحراسات أو بوجود قوات أمنية على الحدود، لافتاً إلى أنه كان سهلاً على الدولة القضاء على هذه الظاهرة، إذا كانت المنافذ محدودة ومحكمة، ومشيراً أيضاً إلى أن الطبيعة الجغرافية والطبوغرافية تسهم بشكل كبير في إعاقة ملاحقة المهربين في أحيان عدّة.

 

فارق السعر
 

يشكّل تهريب الذهب تحدياً كبيراً لحكومة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، إذ تضبط السلطات المختصة يومياً كميات كبيرة مهرّبة عبر المعابر البرية والبحرية والجوية، على الرغم من الجهود المبذولة للحد من هذه العمليات المستمرة منذ سنوات عدّة، وأفقدت خزانة الدولة نحو 70 في المئة من إنتاج البلاد السنوي، إذ يتجه معدّنون تقليديون كثر وشركات تعدين إلى تهريب إنتاج الذهب، بسبب سياسات البنك المركزي في شراء المنتج وفق سعر الدولار الرسمي (يعادل سعر الدولار رسمياً 45.12 جنيهاً مقابل 82 جنيهاً في السوق الموازي)، بينما يفضّل المنتجون تهريب المعدن الأصفر للاستفادة من سعر الدولار المرتفع في السوق السوداء.
ويركّز المهربون على الحدود البرية لاتساعها، بخاصة مع مصر وتشاد، وذلك من خلال اتباع أساليب مختلفة بدءًا من الطرق السرية، مثل وضع الذهب في أرحام الإبل وأمعاء المهربين، وعبر وسائل النقل الأخرى البعيدة من الرقابة، أو بطرق علنية وفي وضح النهار عبر مطار الخرطوم الدولي، مستعينين بالصالات الرسمية للتهريب إلى دبي.
ويعزو مدير هيئة الجمارك السودانية اللواء بشير الطاهر انتشار هذه الظاهرة إلى سهولة عملية التهريب عبر مطار الخرطوم، نظراً إلى عدم مواكبته للتطور. وقال "المطار بشكله الحالي يسهم بشكل كبير في تهريب الذهب وضُبطت بالفعل كميات كبيرة من المعدن الثمين المهرّب"، لافتاً إلى تورط موظفين رسميين في عمليات تهريبه عبر المطار. وتطابق قوله مع مدير هيئة الجمارك السابق الفريق صلاح الشيخ الذي ذكر أن "منفذ الفساد يكمن في المطار وتهريب الذهب في عهد النظام السابق، كان يتم عبر صالة كبار الزوار في مطار الخرطوم"، في إشارة إلى مسؤولين بارزين كانوا يستغلون نفوذهم لتهريب الذهب إلى الخارج.

 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


الإنتاج والتصدير
 
وبحسب تقرير سابق لوزارة المعادن السودانية، فإن الفرق بين المنتَج من الذهب في السودان وبين المصدَّر إلى الخارج، تتراوح قيمته بين 3 و4 مليارات دولار سنوياً. ويمثل تصدير الذهب نسبة 37 في المئة من إجمالي صادرات البلاد خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، فيما تشير تقارير رسمية إلى أن السودان لم يستهلك بعد سوى 1 في المئة من احتياطاته من الذهب والمعادن الأخرى، التي تُقدَر وفقاً لوزير التعدين السابق هاشم علي سالم، بنحو 500 طن من الذهب كاحتياطي مؤكد، إضافةً إلى آلاف الأطنان كاحتياطي غير مؤكد، و1.5 مليار طن من الحديد، ويملك السودان مخزوناً لنحو 40 معدناً آخر، علاوة على الأحجار الكريمة والنادرة.

 
بدايات التنقيب
 

وانتشرت ظاهرة التنقيب الأهلي عن الذهب في السودان قبل ثماني سنوات من خلال استخدام معدات تكاد تكون بدائية، إذ لم يكن الذهب وقتها من الموارد الأساسية التي تغذي الخزينة العامة، ولم يتعدَّ الإنتاج الرسمي بضعة أطنان من مناجم تتركز في شمال البلاد. وعلى الرغم من أن الحكومة السابقة سارعت إلى عقد شراكات مع رجال أعمال محليين وأجانب، لتوسيع رقعة التنقيب الرسمي، إلاّ أنّ الكتلة الأكبر من الإنتاج ظلت من نصيب التعدين الأهلي الذي يجري في 14 ولاية من ولايات البلاد الـ 18.
وأشارت بيانات رسمية إلى وجود 3 آلاف أجنبي ينشطون في منجم للتنقيب العشوائي عن الذهب في إقليم دارفور المضطرب غرب البلاد، ينتمون إلى قبائل منتشرة في دول غرب أفريقيا ولها امتداد في السودان، ما سهّل دخولهم، إضافة إلى اضطراب الأوضاع الأمنية هناك.