هل تقنع أحكام الإعدام بحق ضباط صغار المحتجين العراقيين؟

عمليات قتل المحتجين "ممنهجة" والقائد العام للقوات المسلحة هو المسؤول الأول

اشتباكات بين متظاهرين وقوات الأمن العراقية في شارع الرشيد في بغداد قرب جسر الأحرار (أ.ف.ب)

أثيرت تساؤلات عدّة في الأوساط العراقية بعد صدور حكم الإعدام بحق ضابط متهم بقتل محتجين، عن جدية الجهات الرسمية بمحاسبة المتسببين الرئيسيين بمقتل المتظاهرين، بدءًا من أعلى السلطة، فيما يرى خبراء أن عمليات القتل التي حصلت في حقّ المحتجين، ممنهجة وجماعية تتحمل مسؤوليتها القيادة العامة للقوات المسلحة، المتمثلة برئيس الوزراء عادل عبد المهدي.

وتستمر القوات الأمنية العراقية بعمليات قمع المحتجين منذ بداية الاحتجاجات العراقية، مطلع أكتوبر(تشرين الأول)، مخلفة حوالى 500 قتيل وأكثر من 17 ألف جريح، بينما نفت الحكومة العراقية إصدار الأوامر بقتل المتظاهرين.

وأشار مسؤولون عراقيون إلى أطراف ثالثة مندسّة تقتل المحتجين لإشعال التظاهرات بصورة أكبر، ولم يخلُ كلام كثيرين منهم من استذكار "المؤامرات من قبل دول إقليمية ودولية تقف وراء تأجيج الأوضاع في الداخل العراقي".

مسؤولية بحكم العمل

ويرى خبراء قانونيون أن القيادات العليا تتحمل المسؤولية المباشرة عن عمليات القتل العشوائي، لأنها مسؤولية بحكم عملهم، مؤكدين أن تلك التهم لا تسقط بالتقادم.

وقال الخبير القانوني علي التميمي إن "مسؤولية القادة الأمنيين وفق القوانين العراقية، بدءًا من القائد العام وصولاً إلى أدنى رتبة، منصوص عليها في قانون العقوبات العسكري المادة 24 وقانون قوى الأمن الداخلي المادة 52 وقانون العقوبات المدني المادتين 48 و49، كلها تطرقت إلى مسؤولية المراتب العليا عن الجرائم المرتكبة من قبل المراتب الأدنى".

وأضاف لـ"اندبندنت عربية" أن "مسؤولية الآمرين كاملة في القانون العراقي حتى إن لم يعطوا الأوامر، لأنها مسؤولية بحكم العمل، حتى في القوانين الدولية والعربية يتحمل الرؤساء والآمرون المسؤولية".

قضايا مشابهة

وعن القضايا المشابهة، لفت التميمي إلى أن "الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسوفتش، عندما قمع المتظاهرين، دانته المحكمة الدولية وفق المادتين 6 و7 من قانون المحكمة الجنائية الدولية على "الإبادة الجماعية"، وحُكم لـ60 سنة. كذلك دين الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك بقضية قتل متظاهرين في ميدان التحرير، على الرغم من نفيه إعطاء الأوامر باستخدام العنف.

وأشار إلى أن "هذه الجرائم وفق المادة 28 من قانون المحكمة الجنائية الدولية، وحتى وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقية، لا تسقط بالتقادم، لأن فيها حقوق شخصية وقتل، وممكن تحريكها ولو بعد حين".

وعن كيفية تحريك القضايا، أوضح أنّ "هذه الجرائم تُحرّك بواسطة المدعين بالحق الشخصي، وفي الأخير تحرك من الادعاء العام، إذ تعتبر من مسؤولياته وفق القانون".

وتابع "القضاء بات يشعر أنه صار قوياً عندما صار الشعب سنداً قوياً له، بدأ يأخذ دوره وجرى تفكيك القيود السياسية عليه، وبات يعمل بارتياح. بالتالي أصدر أوامر إلقاء القبض على رؤوس سياسية كبيرة، وهذا سيوصلنا بالنتيجة إلى حسم القضايا الكبيرة".

محاكمة رئيس الوزراء مطلب المحتجين

وشدّد المتظاهرون على أن قمعهم منهج تبنته السلطة ولا يمكن الاكتفاء بأحكام الإعدام المعلن عنها، مطالبين "بمحاكمة رئيس الحكومة عادل عبد المهدي والقيادات الأمنية العليا، المسؤولة عن تلك الجرائم".

وقال محمود حميد وهو ناشط في احتجاجات ساحة التحرير وسط بغداد، إن "قمع المتظاهرين قرار سياسي، ومنهج تبنته السلطة. فحتى القاتل المباشر، سواء القناص أو من أطلق الرصاص الحي والقنابل الدخانية وغيرها، لا يعدو كونه إلاّ حلقة أخيرة في سلسلة مرتكبي جريمة قمع المحتجين".

وأضاف لـ"اندبندنت عربية"، "لا يمكن القبول والاكتفاء بأحكام الإعدام المُعلن عنها، بخاصة أنها صدرت بشكل أسرع مما يتطلبه التحقيق في الجريمة، بل جرى التعامل معها على أنها جرائم جنائية، تورّط فيها ضابط هنا وجندي هناك، وكأن رئيس السلطة التنفيذية المنتهية ولايته، لا يد له بها".

وتابع "مطالب المحتجين في هذا السياق هي محاكمة رئيس الوزراء، وهي المنطقية والعادلة، أما صغار الموظفين، فذلك سبيل تسلكه السلطات للتهّرب والتستر على الفاعل الحقيقي، فهي تعلم كل العلم أن خيار القمع نفذه عبد المهدي، التزاماً بمنهجية قوى الفساد الحاكمة"، على حد قول حميد.

جهات عليا "متورطة"

في المقابل، قال المحلل السياسي قحطان الجبوري، إن "المتظاهرين ينظرون إلى أحكام الإعدام على ضباط صغار بقضية قتل المحتجين، على أنها ساذجة لأن أمر القتل صدر عن جهات رسمية عليا".

وأضاف لـ"اندبندنت عربية"، أن "عمليات القتل التي حصلت بحقّ المحتجين ممنهجة وجماعية وليست أعمالاً فردية، فضلاً عن أن طبيعة التجهيز والتسليح والمواجهة تشير إلى أن هذه الجهات الأمنية كانت مهيّأة للقتل".

وأشار إلى أن "هذه القوات لا تتحرك بشكل منفصل عن القيادة العامة للقوات المسلحة وبالتالي يتحمّل القائد مسؤولية ذلك"، موضحاً أن "الحكومة التي لم تحاسب أي فاسد أو مجرم في ما سبق، لن تحاسب المتسببين بتلك الجرائم بالضد من المحتجين".

واعتبر أن "القوى النافذة كما حاولت لملمة ملفات الفساد بمحاسبة فاسدين صغار، تحاول الآن أن تلعب الدور ذاته في قضية محاسبة قتلة المتظاهرين، بمحاسبة الضباط الصغار".

ولفت إلى أن "عمليات قتل المحتجين ممنهجة والأوامر تصدر عن جهات عليا، أما الادعاءات بأنّ أطراف أخرى هي من نفّذت تلك العمليات، يعني إما أنّ هناك جهات خارج الدولة متنفذة على شؤون الدولة وهذه مأساة كبرى، أو أن الحكومة تنفذ أجندات خارجية وهذه مشكلة أكبر".

وقال إن "مقولة الطرف الثالث كذبة مخزية ،سيلعنهم التاريخ عليها، إذ إنّ الحكومة هي المسؤول الأول عن حماية مواطنيها وهم يُقتلون على مدى شهرين".

أوامر سياسية بالقتل

من جهته، كتب النائب المعارض مزاحم الكنعان في صفحته على "فيسبوك"، أن "اللوم والعتب والتشنيع والتشهير فجأة تحوّل إلى الجيش وضباطه، ونسينا أنّ أمور البلد بيد السياسيين المدنيين".

وأضاف "الأوامر بالقتل والصد والقمع تأتي من السياسيين المدنيين، فلأن ضابطاً اندفع في تنفيذ أوامر وصلته من قيادة عليا وهي مدنية سياسية وفعل ما فعل، صار الجيش والقوات المسلحة  هما سبب المأساة وهما من خرج العراقيون للاحتجاج ضدهما".

وتابع "سرعان ما ننسى وسرعان ما تتبدّل وجهاتنا، بارعٌ هو الإعلام السياسي في حرف البوصلة وتوجيهها صوب المسار الذي يعجبه. البعض فرح بسقوط عادل عبد المهدي وحكومته فالمطاف قد انتهى لديه عند هذا الحد، إنما المهمة أكبر والطريق أطول".

المزيد من العالم العربي