حركة نزوح تفرغ شمال إسرائيل من الشباب وتفشل مخطط تهويد الجليل

اليهود الروس الذين استُخدموا لإنعاش الجليل وتهويده تحايلوا على المؤسسة الإسرائيلية

نتنياهو محاطاً بوزيرة العدالة الاجتماعية غيلا غملايل ووزير الدولة تزاشي برافرمان خلال اجتماع الحكومة الأسبوعي الأحد 1 ديسمبر (كانون الأول) الحالي (رويترز)

بعد جهود مكثفة لمختلف الوزارات الإسرائيلية لتحقيق "الحلم الصهيوني" في منطقة الشمال والجليل خصوصاً، بضمان خريطة ديموغرافية ذات أكثرية مطلقة لليهود وأقلية للعرب، صُدمت المؤسسة الإسرائيلية بهجرة معظم الشباب اليهود من الشمال إلى المركز، بحثاً عن مستقبل أفضل، فيما حافظ فلسطينيو 48 على الأكثرية لتتجاوز نسبتهم 53 في المئة من السكان، على الرغم من الصعوبات المعيشية وتضييق الخناق على جيل الشباب في مجالَيْ العمل والتعليم، في مقابل تقديم مغريات سكنية ومعيشية لليهود وإقامة بلدات على مساحات شاسعة تضمن لكل عائلة يهودية بيتاً مستقلاً. وسكن معظمهم في فيلات فاخرة مع قطعة أرض، إضافة إلى اعفائهم من الضريبة.
وبحسب معطيات جديدة، تصل نسبة الشباب اليهود حتى عمر 25 سنةً، الذين تركوا الشمال وتوجهوا إلى المركز، خصوصاً تل أبيب، حوالى 30 في المئة، بعدما فقدوا الأمل بمستقبل أفضل. وفيما ادعى خبراء أن عدم نجاح المؤسسة الإسرائيلية في ضمان مشاريع اقتصادية تضمن حياة اجتماعية ومعيشية جيدة، هي الدافع لهذه الهجرة، لم يخف البعض الآخر، أن للجانب الأمني تأثير كبير. فالتهديدات المتواصلة، التي صدرت عن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وقيادة المؤسستين الأمنية والعسكرية بتوجيه ضربات ضد إيران وحزب الله وسوريا، والتحذير من خطر إشعال الجبهة الشمالية، في مقابل تقارير أكدت عدم قدرة إسرائيل على تحمل الصواريخ المتوقع أن تسقط على مختلف المناطق، وتحديداً الشمال، دفعت بالشباب اليهود إلى ترك مناطق سكنهم هناك.
وتكون المرحلة الأولى من ترك الشمال، الالتحاق بجامعة تل أبيب أو كليات في محيطها، علماً أن عشرات الكليات باتت موجودة في الشمال، إضافة الى جامعة حيفا، لضمان التحاق طلاب تلك المنطقة بها.
أما الجانب الآخر الذي سبّب خيبة أمل كبيرة للمؤسسة الإسرائيلية فهم الروس، الذين وصلوا بأفواج كبيرة إلى إسرائيل، وخططت الحكومات المتعاقبة لضمان إسكانهم في منطقة الشمال، ليكونوا أداةً للحفاظ على أكثرية يهودية. لكن الروس، الذين صُدموا بالحياة في إسرائيل ولم يجدوها بلاد السمن والعسل، كما أقنعوهم، تحايلوا على المؤسسة الإسرائيلية بالحصول على الجنسية الإسرائيلية وكل مستحقاتهم المالية ثم هاجروا من إسرائيل. وسبق أن كُشف عن حصولهم على قروض إسكانية بمبالغ طائلة قبل مغادرتهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الإحصاءات الأخيرة التي كشفت عن هجرة الشباب اليهود من الشمال، أُجريت من قِبل مجموعة تُسمّى "بارتو للاستشارة الاقتصادية والاستراتيجية"، التي أشار مديرها العام دورون لافيه، وهو خبير في الاقتصاد العام إلى أن معظم الذين تركوا الشمال هم من الشبان الأكاديميين، الذين كان يُفترض أن يكونوا نواة بناء الجليل كما خُطط له وتطويره. وأضاف "الوضع الذي وصلت إليه منطقة الشمال يشير إلى أن الشباب وصلوا إلى وضع لم يعودوا قادرين نتيجته على بناء مستقبل لهم واختراق العقبات التي شهدتها منطقة الشمال".
وأكد لافيه أنه في مقابل فشل الحكومة في زيادة عدد السكان اليهود في الشمال والإقناع بالهجرة إليها، فإن الشرائح السكانية القوية هي التي تغادر الشمال، والجليل بشكل خاص، بسبب عدم توفير أماكن عمل تناسب كثيرين، إضافة الى النواقص في البنى التحتية لمختلف المجالات: التعليم والصحة والمواصلات.

 

 

العرب ضحايا مرتين

على الرغم من أن الأكثرية العربية في الجليل والشمال تُقلق المؤسسة الإسرائيلية، والشباب العرب لا يتركون عادةً منطقة سكنهم، إلاّ أنّ الدوافع الأساسية لذلك هو سياسة التمييز التي تحول دون إتاحة المجال أمام الشباب العرب للعمل في تل أبيب ومنطقتها وتسلُّمِهم وظائف مهمة تناسب تحصيلهم الأكاديمي وتخصصاتهم. ودفع هذا الأمر البعض إلى التوجه إلى القدس والعيش هناك ولكن الأكثرية توجهوا إلى العمل في منطقة المثلث، الواقعة بين الشمال والمركز، ومعظمهم يعودون إلى مناطق سكنهم في اليوم ذاته. وهكذا يقع العربي ابن الجليل ضحيةً مرتين، لأن الشمال يفتقد إلى بنى تحتية تضمن له مستقبلاً أفضل والمرة الثانية يقع فيها ضحية عندما يُرفض للعمل في مناصب مهمة وضمن تخصصاته، لأنه عربي. 
ونُقل عن مدير معهد "ميغيل" دافيد زيغدون، قوله إن "الأمن الاقتصادي والتشغيلي والأمني، دافع لبقاء السكان في مناطق سكنهم، ولكن في الجليل أمور عدّة غير آمنة".
وقارن زيغدون بين منطقة الشمال والمركز، موضحاً أنه "توجد في منطقة المركز شركات خاصة كثيرة ذات استقرار اقتصادي، وبإمكانها طرح أماكن عمل للشبان الملائمين، فيما يفتقد الشمال لها، وعليه لم تنجح كل المحاولات في استقطاب السكان إلى الشمال، بل على العكس يهاجرها كثيرون".
وبحسب المعطيات الأخيرة، غادر بلدة كريات شمونه، القريبة على الحدود الشمالية 200 ألف شخص، منذ إقامتها. وبحسب مدير مجموعة "بارتو"، فإن "الذين جاؤوا من منطلقات أيديولوجية للاستيطان في الجليل، يئسوا في مرحلة ما وأدركوا أن مستوى الحياة الذي سيحصلون عليه في وسط البلاد أعلى بكثير، ولذلك عادوا إلى هناك".
يُشار إلى أن ما تُسمّى "دائرة الاستيطان"، التابعة للوكالة اليهودية خطّطت لإقامة بلدات يهودية جديدة في الجليل، بهدف "التعبير عن السيادة الإسرائيلية وإحداث توازن ديموغرافي ملموس"، وتندرج هذه البلدات ضمن مخطط تهويد الجليل، لكن المعطيات الأخيرة تشير الى فشل هذا المخطط.

المزيد من الشرق الأوسط