طرح فكرة تشكيل حكومة انتقالية في السودان والنظام يرفض

باتت نخب سياسية وفكرية على اقتناع بأن البلاد وصلت إلى مرحلة انغلاق الأفق السياسي والاستقطاب والاصطفاف الحادّين، وهذا ما يتطلب طرح مبادرات لكسر الجمود

يواجه الرئيس البشير التحدي الأكبر منذ وصوله إلى الحكم في 1989 (غيتي)

تدخل الاحتجاجات الشعبية المطالبة بسقوط نظام الرئيس السوداني عمر البشير أسبوعها التاسع على التوالي، في حين طُرحت مبادرات عدة للتوصل إلى تسوية سياسية تجنب البلاد الانزلاق إلى فوضى أو عنف، لكن أطراف الصراع لا تزال تحاول تحسين موقفها، كي لا تضطر إلى تقديم تنازلات في ظل استمرار التظاهرات واتساع نطاقها جغرافياً.

توازن القوى بين الحكومة والمحتجين
يرى مراقبون أن الاحتجاجات التي اندلعت في السودان منذ 19 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصلت إلى حالة من توازن القوى بين نظام الحكم والقوى المنتفضة ضده، فلا النظام استطاع قمعها، كما فعل مع انتفاضة سبتمبر (أيلول) 2013، ولا القوى الشبابية والمعارضة تعبت من النضال، إلا أنها لم تستطع تحقيق خرقٍ في اتجاه هدفها المعلن، وهو إسقاط النظام المستمر في حكم البلاد منذ ثلاثة عقود.


ويعتقد دبلوماسيون أجانب في الخرطوم أن الحراك الشعبي مستمر، ولكنه بقي محصوراً في فئة الشباب والطلاب، على الرغم من تواصله واتساع رقعته الجغرافية وتعدد أساليبه، إلا أنه لم يتمكن حتى الآن من استقطاب الشرائح الكبرى في المجتمع، ومع ذلك، فإنه يمثّل التحدّي الأكبر الذي يواجه نظام البشير منذ وصوله إلى السلطة في يونيو (حزيران) 1989.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

موسم المبادرات السياسية
وباتت نخب سياسية وفكرية على اقتناع بأن البلاد وصلت إلى مرحلة انغلاق الأفق السياسي، والاستقطاب والاصطفاف الحادّين، وهذا ما يتطلب طرح مبادرات تكسر الجمود وتقديم أفكار واقتراحات تقود البلاد الى مرحلة جديدة. توافقت المبادرات على تشكيل حكومة انتقالية أربع سنوات مدخلاً لتنفيس الاحتقان، وتحقيق تغيير "سلس".


واعلنت مجموعة "السلام والإصلاح" بزعامة رئيس الوزراء السابق الجزولي دفع الله، مبادرةً تدعو الى التوافق على فترة انتقالية وتشكيل حكومة مدتها 4 أعوام تتولى إدارة شؤون البلاد بالتوافق بين قيادة الحراك الجماهيري والقوى السياسية الكبرى على أن تتشكل من أكفاء مشهود لهم وذوي صدقية وتوجه قومي مع تمثيل الأحزاب السياسية.


وقال دفع الله لـ"اندبندنت عربية" إن "الحاجة باتت ملحة لمواجهة الأسباب التي انتجت الاحتجاجات في الخرطوم والولايات"، معتبراً أنها "تفجرت بسبب الاستئثار غير المحدود بالسلطة، علاوةً على انتهاج سياسة أحادية أدت إلى استفحال تردي الوضع الاقتصادي". وأضاف "كما حال تأزم علاقات الحكومة السودانية الخارجية بسبب تبنيها سياسات غير واقعية، من دون مساهمة المجتمع الدولي في تقديم مساعدات فنية أو مالية للسودان".


من جهة أخرى، دعت مبادرة أساتذة جامعة الخرطوم إلى "التنحي غير المشروط للرئيس عمر البشير وتسليم السلطة إلى حكومة انتقالية متفق عليها من كل الأطياف لتساعد في أخراج البلاد من الأزمات التي تعيشها".


واقترحت المبادرة "اجراء انتخابات حرة ونزيهة لاختيار جهة قادرة على إدارة البلاد، والوقف الفوري للقمع والترهيب والقتل ضد الأبرياء من أبناء الشعب الذين يمارسون حقهم المكفول في الدستور بالتعبير عن رأيهم، وإطلاق المعتقلين السياسيين".

الحزب الحاكم يتمسك بالانتخابات
في المقابل، أغلق مسؤول رفيع في الرئاسة السودانية الباب في وجه المطالبات الداعية إلى تشكيل حكومة انتقالية، ورفضها رفضاً قاطعاً، مؤكداً التمسك بإجراء انتخابات رئاسية واشتراعية في العام 2020.


وقال مساعد الرئيس السوداني، نائبه في حزب المؤتمر الوطني الحاكم، فيصل حسن إبراهيم "ليس هناك حكومة انتقالية ولا أي أوهام ... والتغيير لا يتم بالتظاهرات ورفع الشعارات والتخريب وتنفيذ أجندة خارجية". وشدد على أن الطريق إلى الحكومة يمر عبر بوابة الانتخابات فقط. وتابع "الشعب السوداني هو الذي يقرر مَن يحكمه عبر الانتخابات في العام 2020".


ووصف إبراهيم التظاهرات الحالية بـ"قفزة في الظلام" واتهم دعاة الثورة بالسعي إلى الانقضاض على عملية الحوار الوطني وما أثمرته من وفاق.

سيناريوهات محتملة
أما استاذ العلوم السياسية في جامعة الخرطوم الطيب زين العابدين فرأى أن "البلاد دخلت مرحلة جمود، وأفضل سيناريو لحل الأزمة يجب أن يجنّب وقوع مواجهات بين السودانيين أو اللجوء إلى العنف". وزاد "أفضل حل أن يكون سلمياً وآمناً ويحقق تغييراً لا يؤدي إلى فوضى ونزاعات مسلحة"، مشيراً إلى أن الجهة التي تضمن ذلك هي الجيش السوداني. واعتبر أن "السيناريو الآخر هو أن تُسقط التظاهرات نظام البشير، وهذا ما سيضع البلاد أمام فوضى واضطرابات". وطالب الحزب الحاكم بطرح مبادرة تكون مقبولة من المحتجين وخصوصاً الشباب الذين يطالبون بتنحي النظام.


وتعتقد غالبية النخب السودانية والقوى الفاعلة أن الحل التوافقي بين القوى السياسية على مرحلة انتقالية وبرنامج تحوّل ديموقراطي هو الخيار الأسلم، إذ لا تملك أيٌّ من القوى الفاعلة القدرة على الحسم، وليس منتظَراً أن تملكها قوةٌ بمفردها. وترى تلك النخب أن المطلوب من كل الأطراف مزيد من الحوار، لتقريب المواقف، والتحرّك بحكمة وحذر لتجنيب البلاد خطر الانزلاق إلى العنف والفوضى، والإصرار على الاستمرار في الحراك السلمي، حتى يتحقق الانتقال الديموقراطي بأقل تكاليف ممكنة.

المزيد من العالم العربي